حكايات اسما السيد1
“افتكرت إن جوزي بعتلي 100 وردة صفرا وهو مسافر… لكن أول ما عدّيتهم واتصلت بالشرطة، فهمت إن اللي قدامي ماكانش بوكيه رومانسية… كان رسالة استغاثة.”
الساعة كانت حوالي اتناشر الضهر…
لما سمعت جرس الباب.
فتحت…
ولقيت عامل التوصيل واقف شايل بوكيه ورد ضخم بشكل عمره ما دخل بيتي.
مية وردة صفرا.
بالظبط.
لا كارت.
ولا اسم.
ولا أي كلمة.
بس اسمي مطبوع على ورقة التوصيل.
ابتسمت من غير ما أفكر.
قلت لنفسي:
أكيد كريم…
جوزي.
كان مسافر دبي في رحلة شغل لمدة أسبوع.
وقلت يمكن حب يعمل مفاجأة قبل ما يسافر.
دخلت البوكيه.
وحطيته على السفرة.
لكن…
كل ما بصيت له…
حسيت إن فيه حاجة غلط.
أول حاجة…
كريم طول عمره عارف إن أكتر ورد بحبه…
هو الورد الأبيض.
في عشر سنين جواز…
ولا مرة جابلي ورد أصفر.
وقفت قدام البوكيه.
وبدأت أعده.
واحد…
اتنين…
عشرة…
خمسين…
تسعة وتسعين…
مية.
بالظبط.
لا وردة زيادة.
ولا وردة ناقصة.
استغربت.
ولقيت فاتورة محل الورد.
مكتوب فيها:
100 Yellow Roses
وقفت مكاني.
افتكرت مرة…
كريم كان بيحكيلي عن دورة أمنية خدها في شغله.
وقال لي وقتها:
“لو حصللي أي حاجة…
ومقدرتش أتكلم…
هسيبلك علامة…
إنتِ بس اللي هتفهميها.”
ضحكت يومها.
وقلت:
“إيه يعني؟”
قال وهو بيبتسم:
“لما ييجي وقتها…
هتعرفي.”
افتكرت الكلام…
وقلبي بدأ يدق بسرعة.
اتصلت بكريم.
الهاتف مغلق.
بعت رسالة.
مفيش رد.
اتصلت بزميله في الشركة.
قال باستغراب:
— هو المفروض وصل الفندق من ساعتين.
لكن من ساعتها…
محدش عرف يكلمه.
رجعت أبص للورد.
وبدون سبب…
بدأت أرتبه.
لقيته متقسم بعناية.
عشر صفوف.
في كل صف…
عشر وردات.
لكن…
وأنا بلمس الورد…
شفت نقطة حمرا صغيرة…
مستخبية تحت بتلة وردة.
رفعتها.
لقيت العلامة مرسومة بالقلم.
دورت.
لقيت علامة تانية.
وبعدين…
تالتة.
تلات وردات بس.
وقفت مكاني.
إيدي تلجت.
لأن العلامة دي…
أنا شفتها قبل كده.
من خمس سنين.
لما كريم علمني إزاي نحدد مكان على الخريطة باستخدام ثلاث نقاط.
وقال لي:
“لو يوم احتجت أبعثلك مكان…
من غير ما حد يفهم…
هستخدم التلات علامات دول.”
في اللحظة دي…
ما فكرتش ثانية.
مسكت موبايلي…
واتصلت بالشرطة.
وقلت بصوت بيرتعش:
— أنا مراتي… أقصد أنا زوجة كريم.
وأعتقد…
إن جوزي مخطوف…
وبيبعتلي مكانه من خلال بوكيه ورد.
**الجزء الثاني**
صمت قاتل ساد على الطرف الآخر من الخط لثوانٍ معدودة، ظننت خلالها أن ضابط الشرطة يهمّ بإغلاق الهاتف بوجهي أو اتهامي بالجنون. لكن نبرة صوتي المرتعشة، والأنفاس المتلاحقة التي كانت تصدر مني، جعلته يتوقف.
— “أختي الكريمة… اهدئي قليلاً”، قالها الضابط بنبرة هادئة ومحترفة حاول من خلالها امتصاص حسرتي، ثم أردف: “تحدثتِ عن زوج مخطوف وبوكيه ورد ورسالة مشفرة… هل يمكنكِ شرح الأمر بوضوح أكثر؟ أين أنتِ الآن؟ وما اسم زوجكِ بالكامل؟”
أخذت نفساً عميقاً، وحاولت استرجاع كل ذرة ثبات في عقلي. سحبت كرسياً من السفرة وجلست عليه، وعيناي لا تفارقان البوكيه الأصفر الممتد أمامي كحقل غريب يسكن منتصف بيتي.
— “أنا مريم… زوجة المهندس كريم الشناوي”، قلتها بصوت أحكمت القبول عليه كي لا يرتجف. “كريم يعمل مدير نظم معلومات وأمن سيبراني في إحدى الشركات الكبرى، وكان يفترض أن يصل إلى دبي صباح اليوم في رحلة عمل. منذ ساعتين مقطوع الاتصال به تماماً، ومقربون منه أكدوا أنه لم يصل الفندق. لكن قبل قليل… وصلني بوكيه يضم مئة وردة صفراء. كريم يعلم أنني أمتنع عن القبول بالورد الأصفر، ولا يمكن أن يرسله لي في عيد أو مناسبة. وعلى الورد توجد علامات صغيرة مرسومة بالحبر الأحمر… هذه ليست تصادفات، هذه شفرة إحداثيات تعلّمتها منه شخصياً بحكم طبيعة عمله وتدريباته الأمنية السابقة!”
ساد الصمت مجدداً، لكن هذه المرة كان صمت تفكير وتقييم.
— “لا تحركي أي شيء في الشقة يا مدام مريم”، قال الضابط بجدية أثلجت صدري نسبياً. “دورية من المباحث وخبراء الأدلة الرقمية سيكونون عندكِ خلال عشر دقائق. احتفظي بالهاتف بجواركِ ولا تجري أي اتصالات أخرى.”
أغلقت الهاتف وهبط الحزن والرعب على قلبي كجبل ثقيل. كان البيت هادئاً بشكل مرعب، صوت الساعة الحائطية يطرق أذني كأنه دقات قلب محتضر. التفتُ مجدداً إلى الورد. مئة وردة. فلماذا مئة بالذات؟ ولماذا الأصفر؟
عدتُ بالذاكرة إلى تلك الليلة قبل ثلاث سنوات، حين كان كريم يجلس في مكتبه المنزلي والخرائط المطبوعة وأوراق العمل الشفرية تغطي الطاولة. يومها سألته بفضول الزوجة عن تلك الخطوط والرموز التي يرسمها، فابتسم وقال لي كلاماً لم أدرك أهميته إلا الآن:
*”الأصفر يا مريم في عالم الإشارات الأمنية ليس مجرد لون للغيرة كما يعتقد الناس… الأصفر هو لون الخطر الوشيك، هو التنبيه الأخير قبل الخروج عن السيطرة. أما المئة… فهي الدائرة الكاملة، شبكة التغطية أو النطاق الجغرافي المغلق. حين ترين هذا الرقم والمجموعات المقسمة إلى عشرات، اعلمي أن الشفرة تعتمد على نظام الشبكات العشرية.”*
قفزت من مكانت واقتربت من الوردة الأولى التي تحمل النقطة الحمراء. ركزت في البتلة… لم تكن مجرد نقطة دائرية! كانت خطاً مائلاً صغيراً جداً، يحمل انحناءة دقيقة لا تراها العين مجردة إلا إن كان صاحبها يبحث عنها عمداً. الوردة الثانية التي عثرت عليها في الصف الرابع كانت تحمل خطاً أفقياً، أما الوردة الثالثة في الصف السابع فكانت تحمل نقطتين متتاليتين.
سمعت صوت صفارات الإنذار تقترب من الشارع، ثم توقفت أسفل البناية. خلال دقائق، كان صوت خطوات سريعة وثقيلة يتصاعد على السلم. فتحت الباب لأجد ضابطاً برتبة مقدم يقف وأمامه اثنان من رجال المباحث وشاب يحمل حقيبة سوداء يبدو أنه فني تقني.
— “الرائد أحمد ناصر من مباحث العاصمة”، قالها الضابط وهو يبرز هويته وينظر داخل الشقة بافتحاص. “أين البوكيه يا مدام مريم؟”
أشرتُ بيدي نحو طاولة الطعام. تقدم المقدم أحمد بخطوات حذرة، بينما ارتدى الفني التقني قفازات مطاطية واقترب من الصالون.
— “احكي لي كل شيء بالتفصيل”، قال المقدم وهو ينظر إلى العشرات الصفراء المجهزة بعناية.
عدتُ وأوضحت له ما جرى، وعن طبيعة عمل كريم السابقة والحالية. كريم لم يكن مجرد مهندس عادي؛ كان يعمل استشارياً لحماية البنية التحتية للبيانات في قطاعات حساسة، وكان قد تلقى دورات في التشفير الميداني والتأمين الجغرافي.
— “سيدي المقدم”، قاطعنا الشاب الفني وهو يوجه إضاءة مكبرة نحو الوردات الثلاث. “المدام محقة تماماً. هذه ليست عيوباً في بتلات الورد. هذه علامات دقيقة صُنعت باستعمال قلم حبر أزرق وأحمر مقاوم للماء، وبتقنية تسلسلية. انظر هنا…”
التقط الفني عدسة مكبرة وقدمها للمقدم أحمد، الذي انحنى ونظر بتمعن، فظهرت على وجهه علامات الذهول والصدمة.
— “هذه رموز خطوط الطول والعرض”، قال المقدم وهو يرفع رأسه بنظرة اختلفت تماماً عن تلك التي دخل بها البيت. “زوجكِ لم يرسل هذه الرسالة من دبي يا مدام مريم… زوجكِ لم يغادر البلاد أساساً!”
نزلت الكلمة عليّ كالصاعقة.
— “ماذا؟ كيف لم يغادر؟ لقد رأيت تذكرته… ووصلني إشعار انطلاق طائرته!”
— “هذا ما يريد من خطفه أن تعتقديه”، رد المقدم أحمد وهو يستخرج هاتفه ويتصل بغرفة العمليات. “لو كان في دبي، كيف لبوكيه ورد طازج أُعدّ قبل ساعات قليلة أن يصل إلى بيتكِ في القاهرة ومكتوب على فاتورته اسم محل شهير في حي المعادي؟ الزهور لم تسافر، وبائع الزهور موجد هنا.”
استوعبت كلامه بصعوبة. كريم لا يزال في مصر! إنه محتجز في مكان ما بالقرب منا، وقريب بما يكفي ليدبر طريقة يضغط بها على أحد الأشخاص لتوصيل هذه الرسالة!
في هذه الأثناء، بدأ الفني بتفريغ محتوى العلامات.
— “افتح الجدول المكون من عشرة في عشرة”، قال الفني وهو يسجل على لوح إلكتروني. “لدينا مئة وردة، مقسمة بعناية إلى 10 صفوف. الوردة الأولى المجهزة في الصف الأول، العمود الثالث. الوردة الثانية في الصف الرابع، العمود الثامن. والوردة الثالثة في الصف السابع، العمود الثاني. إذا طبقنا نظام التشفير الموصوف في خرائط الشبكات المربعة… فهذا يعطينا إحداثيات مصغرة لقطاع محدد داخل المحافظة.”
— “المعادي… أو شرق القاهرة”، قال المقدم أحمد وهو يتابع مع الفني. ثم التفت إليّ متسائلاً: “هل كان لزوجكِ أي عدوات مؤخراً؟ أي مشاكل في العمل؟ هل تحدث عن اختراق أو ملفات خطيرة كان يعمل عليها؟”
جف حلقي وأنا أحاول التذكر.
— “قبل أسبوعين…”، بدأت أتذكر بتلعثم، “كان كريم متوتراً للغاية. كان يسهر في المكتب حتى الفجر. وعندما سألته، قال إن الشركة اكتشفت تسريباً ضخماً لبيانات مشفرة تخص عملاء كبار، وأن هناك جهة مجهولة تحاول زرسع برمجيات خبيثة للسيطرة على الخوادم الرئيسية. وقال لي بالحرف: ‘لو قدروا يوصلوا للكود المصدري، هتبقى كوارث مالية لشركات كتير’.”
— “وماذا أيضاً؟” سأل المقدم بحدة واهتمام.
— “قال إن هناك شخصاً داخل الشركة يسهل هذه العملية، وأنه اقترب من كشف هويته… وكان المفروض أن يسافر دبي لتقديم التقرير النهائي لمجلس الإدارة هناك بعيداً عن أيدي الجاسوس.”
اضطربت أجواء الغرفة. أدرك الجميع أننا لست أمام قض\ية خطف عادية لطلب فدية، بل نحن في منتصف عملية تجسس صناعي واختراق أمني عالي المستوى. كريم تم الاعتراض طريقه قبل وصوله للمطار، وتم نقله إلى مكان مجهول لإجباره على تسليم أكواد فك التشفير أو التقرير النهائي.
في تلك اللحظة، رن هاتف البيت الأرضي.
قفزت من مكاني، لكن المقدم أحمد أشار إليّ بسرعة بيده ليوقفني. أشار للفني الذي سارع بتركيب جهاز تسجيل وتتبع صغير على سلك الهاتف خلال ثوانٍ معدودة.
— “أجيبي طبيعياً”، همس المقدم بصرامة. “لا تظهري أي خوف، ولا تذكري وجود الشرطة مطلقاً. حاولي سحب المتصل في الكلام لأطول فترة ممكنة.”
رفعت السماعة بيدين ترتجفان، ووضعتها على أذني.
— “ألو؟” قلتها بصوت تحكمت فيه بصعوبة.
جاءني صوت من الطرف الآخر… لم يكن صوت كريم. كان صوتاً خشناً، مبحوحاً، ومعدلاً بوضوح باستخدام تطبيق لتغيير الأصوات.
— “مدام مريم…”، قال الصوت بنبرة باردة كَالجليد. “أعلم أن البوكيه قد وصلكِ. وأعلم أنكِ تساءلتِ عن سبب وجود هذا اللون بالذات في بيتكِ.”
حبست أنفاسي وأنا أنظر إلى المقدم أحمد الذي كان يشير لي بالاستمرار.
— “من أنت؟” سألت بحشرجة، “وأين كريم؟ ماذا فعلتم به؟”
ضحك الصوت ضحكة خفيفة ومستفزة على الطرف الآخر.
— “زوجكِ بخير… حتى الآن. هو ضيف عزيز لدينا، لكنه عنيد جداً. يرفض أن يفهم أن اللعبة انتهت، ويرفض إعطاءنا كلمة السر الخاصة بالملفات المشفّرة. ولأنه يعلم أننا لن نتردد في إيذائه، طلب منا أمنية أخيره… طلب أن نرسل لكِ هذه الزهور كرسالة وداع.”
شعر بدوار يعصف بي. رسالة وداع؟ هل يحاول الخاطفون استخدام البوكيه لتغطية جريمتهم أو إيهامي بأن كريم يستسلم؟
— “كريم لن يستسلم…” قلتها بغضب مفاجئ نبع من أعماق قلبي. “وماذا تريدون مني؟”
— “نريدكِ أن تعثري على الفلاش ميموري الفضية المخباة في بيتكِ”، قال الصوت بصرامة قاطعة. “كريم نسخ الملفات عليها وأخفاها في مكان ما بالشقة قبل أن يخرج للمطار. معكِ ساعتان فقط يا مريم. ابحثي عنها، وعندما تجدينها، ستتلقين مكالمة أخرى لتحديد مكان التسليم. إذا حاولتِ الاتصال بالشرطة… أو إذا لم تجدي الفلاشة في الوقت المحدد… فستستلمين كريم في صندوق خشبي مغلق. هل كلامي واضح؟”
قبل أن أنطق بكلمة أخرى، قُطع الاتصال.
ساد الصمت الغرفة مجدداً، مترافقاً مع صفير الجهاز الذي وضعه الفني.
— “هل استطعتم تحديد المكالمة؟” سأل المقدم أحمد بلهفة.
هز الفني رأسه نادماً: “المكالمة مرت عبر شبكات خوادم مشفرة خارج البلاد وتطبيق تحويل أصوات مجهول، التتبع المباشر مستحيل خلال هذا الوقت القصير.”
التفت المقدم إليّ وعيناه تتفحصان ملامحي: “مدام مريم… هل هناك فلاشة فضية بالفعل في البيت؟”
— “لا أعلم!” أجبت بانهيار، والدموع تبدأ في الهرب من عيني. “كريم يملك عشرات الفلاشات وأقراص التخزين… كيف سأعرف أيها المقصود؟ البيت مليء بالمقاطع والأوراق!”
لكن فجأة… توقفت عن البكاء.
شيء ما في طريقة كلام الخاطف أثار شكاكي. الخاطف قال: *”طلب منا أن نرسل لكِ هذه الزهور كرسالة وداع”*.
كريم هو من طلب منهم إرسال الورد؟
كريم أقنعهم بأن إرسال الورد إليّ هو إشارة وداع كي يستسلم ويجعلني أبحث عن الفلاشة… لكنه في الحقيقة استغل جهلهم بالشفرة واستخدمهم هم أنفسهم ليرسلوا لي خريطة مكانه! الخاطفون أطاعوا أمره وأحضروا البوكيه وهم يظنون أنهم ينفذون رغبته في التوديع، دون أن يدركوا أنهم يوصلون طوق النجاة إلى يدي!
قفزت نَحوَ البوكيه مرة أخرى.
— “حضرة الضابط!” صرخت وأنا ألقي بتلات الورد جانباً وأبحث بلهفة بين السيقان الخضراء للوردات المئة. “الخاطفون لا يعلمون بأمر الشفرة! كريم هو من خدعهم ليجعلهم يرسلون البوكيه! هذا يعني أن هناك شيئاً آخر داخل هذا البوكيه… شيء لم ينتبهوا له أثناء تجميع الورد في المحل!”
بدأتُ أنزع الوردات واحدة تلو الأخرى، ورجال الشرطة يراقبونني بذهول. تساقطت الأوراق الصفراء على السفرة والأرض مثل المطر. وفجأة، في قلب البوكيه تماماً، حيث تلتف السيقان وتتجمع عند القاعدة الشريطة الستان الخضراء التي تربط الحزمة… لاحظتُ شيئاً صلباً ومستطيلاً ملفوفاً بشريط لاصق أسود ومخبأ بين أصلب السيقان الخشبية.
مزقتُ الشريط بأظافري وأنا أرتجف.
سقطت في يدي… فلاشة ميموري صغيرة باللون الفضي.
تجمهر الجميع حولي. حبس المقدم أحمد أنفاسه وهو ينظر إلى الفلاشة التي كانت بين يدي.
— “الفلاشة لم تكن في البيت أساساً…” همستُ وأنا أرفع رأسي ونظرات الذهول تملأ وجهي. “كريم كان يحملها معه، واستطاع بطريقة ما سحرية أو تحت تهديد الس\لاح، أن يدسها داخل قاعدة البوكيه أثناء إعداده أو قبل أن يسلموه للعامل!”
— “هذا الرجل عبقري”، قال المقدم أحمد بأعلى صوته ونبرة الإعجاب تملأ كلامه. “لقد جعلهم ينقلون الأدلة وس\لاح الجري\مة وخريطة المكان بمهارة إلى بيته وعلى حسابهم الخاص!”
أخذ الفني الفلاشة فوراً وأدخلها في جهازه المحمول المصفح. خلال لحظات، ظهرت واجهة مشفرة تطلب رمز عبور مكوناً من ثمانية أرقام وحروف.
— “هل تعرفين كلمة السر يا مدام مريم؟” سألني الفني وهو ينظر إليّ بأمل.
فكرتُ بسرعة. كريم لا يترك شيئاً للصدفة. الورد… الأعداد… الألوان… العلامات.
— “جرب…” قلت وأنا أملي عليه الأرقام بناءً على ترتيب الوردات ذات العلامات الحمراء: “010304080702”.
ضغط الفني على زر الإنتر. احتجبت الشاشة للحظة… ثم فتحت النافذة!
تجمعت على الشاشة عشرات الملفات المعقدة، وفي المقابل فتحت خريطة تفاعلية أظهرت نقطة حمراء تنبض بوضوح في منطقة نائية، عبارة عن منطقة مخازن مهجورة على أطراف طريق السويق القريب من المعادي.
— “وجدناه!” صرخ الفني. “هذه إحداثيات موقع البث الحي المثبت في الفلاشة! الجهاز يحصل على إشارة من شريحة تتبع مصغرة تنبض من هاتف كريم أو ساعته!”
وقف المقدم أحمد بسرعة واستخرج جهاز اللاسلكي الخاص به، وبدأ يصرخ بالأوامر لقوات العمليات الخاصة والمباحث:
— “إلى جميع الوحدات! تحرك فوراً إلى القطاع 4 ج، طريق السويق المهجور! لدينا موقع محتجز مؤكد. نريد طوقاً أمنياً كاملاً وبدون صفارات إنذار! الهدف محتجز وقد يكون مهدداً بالس\لاح. تحركوا الآن!”
التفت المقدم أحمد إليّ ووضع يده على كتفي بثبات: “مدام مريم… ابقي هنا مع أحد رجالنا. أعدكِ أنني سأعود لكِ بزوجكِ سالماً.”
لكنني أمسكت بكتفه ورفضت التراجع، والدموع تثبت في عيني بنشاط وإصرار جديدين:
— “سآتي معكم في سيارة القيادة الخلفية. لن أجلس هنا وأنتظر… كريم خاطر بحياته وأرسل هذه الرسالة لي أنا، وأنا من يجب أن أكون هناك عندما تخرجونه!”
نظر الضابط في عيني ورأى إصراراً لا يمكن تزحزحه. أومأ برأسه موافقاً.
خرجنا جميعاً من الشقة بسرعة، والبيت خلفنا يملؤه حقل الورد الأصفر المتناثر على الأرض كبقايا معركة فكرية ينتصر فيها العقل على الجري\مة. صعدتُ في سيارة المباحث، وبدأت المحركات تجأر بالسرعة والانطلاق نحو الظلام والمجهول، نحو تلك المخازن المهجورة، حيث كان كريم ينتظر… وهو لا يعلم هل فهمتُ الرسالة في الوقت المناسب، أم أن الوقت قد نفد بالفعل.
