حبى القديم اسما 4
الجزء العاشر
مرّت سنة كاملة…
وساعات كنت أصحى الصبح…
وأفتكر اللي حصل كله كأنه كابوس.
لكن أول ما أسمع ضحكة الطفلين…
أعرف إن ربنا عوضنا.
الولد سميناه آدم.
والبنت يارا.
الاسمين اختارتهم هنا بنفسها.
وقالت:
“عايزة كل بداية جديدة يبقى ليها اسم جديد.”
البيت بقى مليان حياة.
آدم كان أول واحد يصحى.
يجري بحافي رجليه ناحية أوضتنا.
ويخبط على الباب الصغير بإيده.
ويصرخ:
“بابا… قوم.”
كل مرة أسمع الكلمة…
قلبي كان بيدق بنفس الإحساس.
أنا ماكنتش أبوهم الحقيقي.
لكن من أول يوم…
قررت إنهم عمرهم ما يحسوا بالنقص.
وفي يوم…
كنت راجع من المستشفى متأخر.
لقيت هنا قاعدة في الجنينة.
بتبص للسماء.
قعدت جنبها.
قلت:
“مالك؟”
ابتسمت ابتسامة هادية.
وقالت:
“عارف أنا بفكر في إيه؟”
هزيت رأسي.
قالت:
“زمان كنت بخاف من الليل.”
“لأن كل ليلة كانت بتنتهي بضرب.”
“دلوقتي بقيت بحبه.”
“لأنه بيجمعنا.”
مسكت إيدها.
ولأول مرة…
هي اللي مسكت إيدي بقوة.
بعد أيام…
وصل للمستشفى خطاب.
كان من السجن.
المرسل…
فؤاد الحديدي.
رفضت أفتحه.
لكن هنا قالت:
“اقرأ.”
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
“أنا عارف إن مفيش اعتذار هيغير حاجة.”
“بس فيه سر لازم تعرفوه.”
“محمود قبل ما يموت…”
“كان كاتب وصية.”
“وفيها كل ممتلكاته.”
استغربت.
كملت القراءة.
“هو كتب إن كل أملاكه تروح للطفلين.”
أنا وهنا بصينا لبعض.
ما فهمناش.
إزاي؟
ليه؟
رحنا للمحامي.
طلع كلام فؤاد صحيح.
محمود كان قبل موته بأيام…
باع كل الشركات اللي باسمه.
وسدد ديونه.
وحوّل الباقي كله لصندوق استثماري باسم الطفلين.
المحامي قال:
“واضح إنه كان عارف إنه هيموت.”
“وحاول يعمل حاجة صح.”
هنا سكتت.
وقالت بهدوء:
“الفلوس دي…”
“أنا مش عايزاها.”
قلت:
“دي حق الطفلين.”
بعد تفكير طويل…
قررنا حاجة مختلفة.
سيبنا الجزء الخاص بالأطفال محفوظ ليهم.
أما باقي الأموال…
فاتبرعنا بيها.
واتبنى بيها مركز كامل لعلاج النساء والأطفال الناجين من العنف الأسري.
ويوم الافتتاح…
وقفت هنا قدام الميكروفون.
كانت أول مرة تتكلم قدام ناس كتير.
قالت:
“أنا مش واقفة هنا علشان أحكي قصة وجع.”
“أنا واقفة علشان أقول لكل ست…”
“إن الهروب من الظلم مش ضعف.”
“طلب المساعدة مش عيب.”
“وبداية جديدة… ممكن تحصل مهما كان الليل طويل.”
كل القاعة وقفت تصفق.
وأنا كنت واقف في آخر الصف.
ببصلها بفخر.
مش لأنها رجعت لحياتي…
لكن لأنها رجعت لنفسها.
وفي نهاية اليوم…
آدم ويارا كانوا بيجروا في ممرات المركز.
وبيضحكوا بصوت مالي المكان.
هنا بصتلي.
وقالت وهي تبتسم:
“تفتكر بعد كل اللي عشناه…”
“ربنا كان بيجهز لنا النهاية دي؟”
ابتسمت.
وقلت:
“يمكن…”
“دي مش النهاية.”
“يمكن دي أول صفحة في حياة تستحق تتعاش.”
وفجأة…
رن هاتفي.
كان رقم المستشفى.
رديت.
جالي صوت الممرضة وهي بتلهث:
“يا دكتور أدهم… عندنا حالة طوارئ.”
“ست حامل في الشهر التاسع…”
“وبتقول إنها مش هتدخل أوضة العمليات…”
“غير لما يشوفها الدكتور أدهم بنفسه.”
بصيت لهنا باستغراب.
وقالت وهي تضحك:
“واضح إن شغلك مش هيسيبنا حتى في يوم الإجازة.”
ابتسمت، ومشيت ناحية العربية…
من غير ما أعرف…
إن الحالة الجديدة دي هتفتح باب حكاية مختلفة تمامًا.
الجزء الحادي عشر
وصلت المستشفى في أقل من عشر دقايق.
الممرضة كانت مستنياني على باب الطوارئ.
أول ما شافتني قالت:
“الحالة رافضة يدخلها أي دكتور غير حضرتك.”
استغربت.
قلت:
“هي تعرفني؟”
هزت كتفها.
“بتقول إنها تعرفك من زمان.”
دخلت أوضة الكشف.
كانت ست في أواخر العشرينات.
وشها شاحب من التعب.
وأول ما رفعت عينيها…
عرفتها.
“سارة!”
هي كمان شهقت.
وقالت:
“أدهم…”
سارة كانت زميلتنا في كلية الطب.
وأقرب صديقة لهنا.
آخر مرة شفتها كانت يوم ما هنا اختفت.
قربت منها بسرعة.
قلت:
“إيه اللي جابك هنا؟”
ابتسمت ابتسامة متعبة.
وقالت:
“واضح إن ربنا كتب إنك تكون دكتوري النهارده.”
بدأت أكشف عليها.
كل المؤشرات كانت مطمنة.
لكن ضغطها كان عالي جدًا.
وقلت:
“لازم ندخلك عمليات حالًا.”
وافقت من غير اعتراض.
وقبل ما تدخل…
مسكت إيدي.
وقالت:
“لو حصلي حاجة…”
“فيه ظرف في شنطتي.”
“هاته لهنا.”
سألتها:
“ليه؟”
قالت:
“لأنها الوحيدة اللي هتفهم.”
ودخلت العمليات.
بعد ساعتين…
رزقها ربنا ببنت جميلة.
والأم والطفلة كانوا بخير.
افتكرت موضوع الظرف.
فتحته قدام هنا بعد ما خرجنا من المستشفى.
كان جواه صورة قديمة.
أنا…
وهنا…
وسارة.
في حفلة التخرج.
وتحت الصورة جواب.
بدأت هنا تقراه بصوت عالي.
“لو الرسالة دي وصلت لكم…”
“يبقى أخيرًا ربنا جمعكم.”
“أنا كنت عارفة الحقيقة من أول يوم.”
بصيت باستغراب.
هنا كملت.
“أنا كنت عارفة إن عيلة أدهم لفقت كل حاجة.”
“لكن يومها…”
“فؤاد هددني.”
“قال لو اتكلمت…”
“هيأذي أمي.”
تنهدت.
وأكملت القراءة.
“فضلت ساكتة سنين.”
“وده أكبر ذنب في حياتي.”
هنا قفلت الرسالة.
وقامت من مكانها.
خرجت تجري ناحية أوضة سارة.
دخلت عليها.
وسارة أول ما شافتها…
انفجرت في البكاء.
وقالت:
“سامحيني.”
هنا حضنتها.
وقالت:
“كلنا كنا ضحايا.”
“الفرق إن كل واحد فينا كان بيحارب بطريقته.”
مرت شهور…
وسارة بقت من أقرب الناس لبيتنا.
بنتها الصغيرة كانت تلعب مع آدم ويارا.
والبيت رجع يمتلئ بالضحك من جديد.
وفي يوم الجمعة…
قررنا نروح نزور قبر أبويا.
وقفت قدام القبر.
وقريت الفاتحة.
وقلت بصوت منخفض:
“ارتاح يا أبي…”
“الحق رجع.”
“وهنا سامحتني.”
ولما لفيت علشان أمشي…
لقيت هنا واقفة بعيد بتبصلي.
ابتسمت.
وقربت مني.
وقالت:
“عارف…”
“أول مرة جيت هنا كنت مليانة كره.”
“النهارده…”
“أنا جاية أدعي له بالرحمة.”
مسكت إيدها.
ومشينا سوا.
وأنا حاسس لأول مرة…
إن الماضي أخيرًا بدأ يسيبنا.
لكن الحياة…
كان لسه مخبيلنا اختبار جديد.
لأن أول ما رجعنا البيت…
لقينا سيارة صغيرة واقفة قدام البوابة.
ونزل منها طفل عنده حوالي عشر سنين.
كان ماسك ظرف بني.
قرب من هنا.
وقال بهدوء:
“ماما قالتلي أسلمك ده.”
“وقالت إنك الوحيدة اللي تقدري تنقذيها.”
هنا أخدت الظرف باستغراب.
ولما فتحته…
اتغير لون وشها فجأة.
ورفعت عينيها ناحيتي وهي بتهمس:
“أدهم…”
“دي واحدة كانت معايا في بيت محمود…”
“وفاكرين إنها ماتت من خمس سنين.”
الجزء الثاني عشر
اتجمدت مكاني.
بصيت للولد.
كان واقف في هدوء غريب.
لابس هدوم بسيطة.
وجزمته قديمة.
لكن عينيه…
كان فيهم خوف أكبر من سنه.
هنا نزلت على ركبتها قدامه.
وقالت برفق:
“اسمك إيه يا حبيبي؟”
قال:
“يوسف.”
“عندي عشر سنين.”
سألته:
“فين مامتك؟”
قال وهو بيشاور ناحية الشارع:
“مستخبية.”
“وقالت ما أرجعش غير لما أسلمك الجواب.”
فتحت هنا الظرف.
كان جواه ورقة مهترية.
مكتوبة بخط مرتعش.
“أنا اسمي مريم.”
“يمكن تكوني فاكراني.”
“أنا البنت اللي كانت محبوسة في البيت اللي كان محمود مخبينا فيه.”
“الكل افتكر إني مت.”
“لكن أنا هربت.”
“ومن يومها وأنا مستخبية.”
“لأن الناس اللي كانوا مع محمود لسه بره.”
“مش كل الشبكة اتقبض عليها.”
“وفيه واحد أخطر منهم كلهم.”
أنا وهنا بصينا لبعض.
كملت القراءة.
“اسمه شريف.”
“كان الذراع اليمين لمحمود.”
“وهو اللي كان بينفذ كل أوامره.”
“دلوقتي بيدور عليا.”
“ولو لقاني هيقتلني.”
“أرجوكم…
أنقذوني.”
تحت الرسالة…
كان فيه عنوان.
منطقة شعبية قديمة.
أنا قلت:
“هنبلغ الشرطة.”
لكن هنا هزت رأسها.
وقالت:
“لازم نلحقها الأول.”
تحركنا فورًا.
أنا.
وهنا.
والضابط.
ومجموعة من القوة.
وصلنا للعنوان.
كان بيت صغير جدًا.
بابه مكسور.
دخلنا بحذر.
البيت كان فاضي.
لكن لقينا آثار دم على الأرض.
وقلب هنا وقع.
صرخت:
“مريم!”
محدش رد.
فجأة…
طلع صوت خافت من أوضة صغيرة.
جريت ناحيتها.
لقيت ست مستخبية تحت السرير.
أول ما شافت هنا…
بدأت تبكي.
وقالت:
“افتكرتكم مش هتيجوا.”
هنا حضنتها.
كانت مريم فعلًا.
لكنها كانت هزيلة جدًا.
وعلى وشها آثار ضرب قديمة.
وإيديها كلها ندوب.
يوسف جري عليها.
وحضنها.
عرفنا ساعتها…
إن يوسف ابنها.
بعد ما خرجناها.
بدأت تحكي.
قالت:
“بعد ما هنا هربت…”
“محمود جن جنونه.”
“ابتدى يعذب أي واحدة كانت في البيت.”
“وأنا قدرت أهرب.”
“لكن شريف…”
“فضل يطاردني خمس سنين.”
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“لأني كنت شاهدة.”
“وشوفت كل حاجة.”
سألتها:
“إيه اللي شوفتيه؟”
قالت:
“كانوا بيصوروا الستات.”
“ويبتزوهم.”
“وكان عندهم دفتر.”
“فيه أسماء ناس كبار.”
“رجال أعمال.”
“ومسؤولين.”
“وكلهم كانوا بيدفعوا علشان الفضائح ما تطلعش.”
الضابط بص لها باهتمام.
وقال:
“الدفتر فين؟”
ابتسمت لأول مرة.
وقالت:
“معايا.”
طلعت من بطانة شنطتها دفتر صغير.
وقالت:
“خبيته من خمس سنين.”
“وعشت كل يوم وأنا خايفة.”
الضابط أخده بحذر.
وأول ما فتحه…
اتغير لون وشه.
قال:
“لازم نتحرك حالًا.”
سألته:
“فيه إيه؟”
قال:
“فيه أسماء ناس لسه في مناصبهم.”
“ولو عرفوا إن الدفتر ظهر…”
“هيحاولوا يقتلوها.”
وفعلًا…
قبل ما نخرج من البيت بثواني…
سمعنا صوت فرامل عربية بعنف.
وبعدين…
أربع رجالة نزلوا منها.
كانوا لابسين أسود.
وأول واحد فيهم رفع سلاحه وهو بيصرخ:
“هاتوا الدفتر…”
“وسيبوا الست…”
لكن الضابط وقف قدامنا.
وقال بصوت حازم:
“شرطة!”
وفي لحظة واحدة…
بدأ تبادل إطلاق النار خارج البيت…
بين الشرطة…
ورجال شريف…
الجزء الثالث عشر
أول طلقة دوّت…
خلّت يوسف يصرخ ويرمي نفسه في حضن أمه.
هنا حضنت الطفلين بسرعة.
وأنا سحبتهم كلهم لورا الحيطة الخرسانية.
الضابط صرخ في القوة:
“غطوا المداخل!”
الرصاص كان بينزل على واجهة البيت.
والزجاج اتكسر.
والتراب اتملى في الجو.
مريم كانت بترتعش.
وقالت:
“عرفوا… عرفوا إن الدفتر معايا.”
قلت لها بهدوء:
“مش هيقدروا يوصلولك.”
لكن الحقيقة…
أنا نفسي ماكنتش واثق.
بعد دقائق…
صوت الرصاص بدأ يقل.
وقائد القوة دخل وهو بيجري.
وقال:
“اتقبض على اتنين.”
“لكن شريف هرب.”
خرجنا بحذر.
لقيت عربية المهاجمين متسابـة.
لكن شريف اختفى.
الضابط فتش العربية.
ولقى موبايل محمول.
أخده معاه.
وبعد ساعات في قسم الشرطة…
خبراء التقنية قدروا يفتحوه.
كان مليان رسائل.
وأسماء.
وأماكن.
وفي آخر رسالة…
مكتوب:
“الدفتر لازم يرجع الليلة.”
“وإلا هننفذ الخطة التانية.”
سألت الضابط:
“إيه الخطة التانية؟”
قال:
“لسه منعرفش.”
لكن بعد أقل من ساعة…
عرفنا.
رن تليفوني.
رديت.
جالي صوت ست كبيرة في السن.
كانت بتعيط.
وقالت:
“ألحقونا…”
“فيه ناس اقتحموا المركز.”
اتجمدت.
“أي مركز؟”
قالت:
“مركز حماية السيدات.”
قلبي وقع.
المركز…
اللي هنا أسسته بنفسها.
وصلنا بسرعة.
كان المكان مدمر.
الإزاز مكسور.
والأجهزة متكسرة.
لكن الحمد لله…
كل السيدات كانوا خرجوا قبل الهجوم بدقائق.
هنا كانت واقفة وسط الدمار.
دموعها نازلة.
وقالت:
“ليه؟”
مريم بصت حواليها.
وقالت:
“علشان يخوفونا.”
في اللحظة دي…
لفت انتباهي حاجة.
على الحيطة.
كان فيه بخاخ أحمر.
ومكتوب جملة واحدة:
“الدفتر… أو النهاية.”
الضابط أمر بنقل مريم ويوسف لمكان حماية سري.
ونقل هنا والطفلين لمكان تاني مختلف.
وقال:
“من دلوقتي…”
“محدش هيعرف أماكنكم.”
مرت يومين.
الهدوء كان غريب.
وده اللي خلانا نقلق أكتر.
وفجر اليوم الثالث…
صحيت على رنة هاتفي.
كان رقم الضابط.
رديت بسرعة.
قال بصوت متوتر:
“أدهم…”
“فيه مفاجأة.”
قلت:
“خير؟”
قال:
“الاتنين اللي اتقبض عليهم…”
“وافقوا يتكلموا.”
روحت القسم فورًا.
أول متهم قال:
“إحنا شغالين عند شريف.”
أما التاني…
فقال حاجة صدمتنا كلنا.
قال:
“شريف مش الكبير.”
الضابط قرب منه.
وقال:
“أومال مين؟”
الرجل ابتلع ريقه.
وقال:
“إحنا عمرنا ما شفنا الكبير.”
“كنا نعرفه باسم واحد بس…”
“الريس.”
“وكل أوامره كانت بتيجي بالتليفون.”
سألته:
“يعني محمود نفسه…”
هز رأسه.
“كان بينفذ أوامر الريس.”
ساد الصمت.
يعني كل اللي حصل…
من تدمير حياة هنا.
وخطف نور.
والابتزاز.
والقتل.
كان جزءًا من شبكة أكبر.
وشريف…
مجرد حلقة فيها.
خرجت من القسم.
بصيت للسماء.
وحسيت إننا كنا فاكرين إن المعركة انتهت…
لكن الحقيقة…
إننا لسه ما وصلناش للعقل المدبر الحقيقي.
يتبع
