ثلاث بنات حكايات رومانى مكرم 2

جريت في الشارع زي المجنونة، دقات قلبي كانت أسرع من رجلي، ودموعي مش ملاحقة أمسحها. كل اللي في بالي وصية أبويا، وشقا عمره اللي حسام عاوز يضيعه في لحظة عناد وجشع.

وصلت لقطعة الأرض، ولقيت المشهد اللي كان كفيل يوقف قلبي؛ لودر كبير واقف على أول الأرض، وحسام واقف جنبه مع راجل غريب، وحواليهم كام راجل من برة البلد شكلهم يخوف.

أول ما حسام شافني جاية وبنهج، ابتسم ابتسامة برود ونصر، وقال للراجل اللي جنبه: “أهي صاحبة الشأن جت بنفسها عشان تشوف البيعة.”

وقفت قدام اللودر وبأعلى صوت عندي زعقت:

“محدش هيتحرك خطوة واحدة! الأرض دي أرضي، ومعايا ورقها وعقودها، واللي هيقرب منها هوديه في داهية!”

حسام قرب مني وبصوت واطي مليان غل قال: “صوتك ما يعلاش يا نجلاء.. الأرض دي مش هسيبها تروح للغرب. الراجل اللي واقف ده شاري، ودفعلي عربون، وهيمضي عقد ابتدائي دلوقتي، وأنتِ برجلك هتيجي معايا الشهر العقاري وتتنازلي، وإلا هتشوفي وش عمرك ما شوفتيه.”

رديت عليه والغل في قلبي أضعاف اللي في قلبه:

“مش هتنازل يا حسام، والراجل اللي شاري ده لو دفعلك مليم، يبقى بيرمي فلوسه في الأرض، لأن البيع باطل وأنا مش هسكت.”

الراجل الشاري لما سمع كلامي، بص لحسام وقال بحدة: “جرى إيه يا حسام بيه؟ مش قلت إن الأرض بتاعتك والمدام موافقة؟ أنا مش هدخل نفسي في مشاكل عائلية وقضايا.. هات الفلوس اللي أخدتها.”

حسام وشه اتقلب ألوان، وبصلي بنظرة كلها غضب أعمى. لف للراجل وقال له: “استنى بس يا حاج، الموضوع منتهي، دي ست ومش فاهمة حاجة.” لكن الراجل رفض وانسحب هو ورجالته، وأمر صاحب اللودر يمشي.

المكان فضي مفيش غيري أنا وحسام وسط الأرض. قرب مني وعينه بتطق شرار، ومسكني من طرحتي وقالي وهو بيجز على سنانه:

“كسرتِ كلمتي وصغرتيني قدام الناس؟ ماشي يا نجلاء.. قسماً بالله لأدفعك تمن الحركة دي غالي أوي، أنتِ وبناتك.”

سابني وركب عربيته ومشي بأقصى سرعة. رجعت البيت وأنا بجسم بيترعش، مش خوفاً منه، بس خوفاً على بناتي. دخلت شقتي، وقبل ما أقفل الباب، شفت من عين السحرية إن حسام جه، بس مدخلش عندي.. دخل شقة مراته التانية “منى” اللي في الدور اللي فوقينا.

عدت الساعات تقيلة ومربكة، ولما الليل ليل، وبناتي ناموا، سمعت حركة غريبة في الصالة. قمت براحة من السرير وفتحت الباب..

لقيت حسام واقف، وبصالي بنظرة باردة وهو ماسك في إيده شنطة سفر كبيرة.

وقبل ما أنطق بكلمة، لقيته بيفتح باب أوضة البنات، وصحاهم من النوم بعنف. البنات قاموا مخضوضين وبيبكوا.

مريم الكبيرة زعقت: “في إيه يا بابا؟”

حسام بصلي وقال بصوت جامد خالي من أي رحمة:

“البنات دول هيجوا معايا.. هعيشهم فوق مع منى وولادي، وأنتِ هتقعدي هنا لوحدك.. ومفيش بنت من بناتك هتشوفيها ولا تلمسيها، لحد ما تحطي عقود الأرض والدهب في إيدي ورجلك فوق رقبتك!”حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الدنيا لفت بيا، وحسيت إن النفس اتقطع من صدري. البنات كانوا بيصرخوا وبيستنجدوا بيا، وليان الصغيرة شبطت في جلابيتي وهي بتبكي برعب: “متمشيش يا ماما.. متخليش بابا ياخدنا!”

حسام زقني بقوة لما حاولت أقف في طريقه، وبدأ يجر البنات وراه لبرة الشقة وهو بيقول بقسوة: “يلا قدامي.. مفيش قعاد هنا تاني.”

وقفت في نص الصالة، وشفت بناتي بيتاخدوا مني غصب، والباب اتقفل وراهم. للحظة حسيت إن روحي بتتسحب، وركبي مش شايلاني. قعدت على الأرض وأنا بصرخ بهستيريا، وصوت عياطهم كان لسه بيرن في وداني من السلم.

طلعت جري وراهم، ووقفت قدام شقة منى فوق، وفضلت أخبط بكل قوتي لحد ما إيدي اتجرحت: “افتح يا حسام! رجعلي بناتي يا حسام، متعملش فينا كده!”

الباب اتفتح، بس مش حسام اللي ظهر.. دي كانت منى.

بصتلي بنظرة شماتة وغل، وقالت ببرود: “وفري مجهودك يا نجلاء.. حسام قال مفيش نزول للبنات، ومن هنا ورايح أنا اللي هربيهم، لحد ما تشوفي مصلحتك وتديله اللي هو عاوزه.. البيوت للي بيعمروا فيها ويجيبوا الولد، مش اللي بيخلفوا بنات ويقعدوا يعاندوا.”

قفلت الباب في وشي. رجعت شقتي وأنا مكسورة كسر عمري ما حسيته، بس وسط الدموع والوجع، افتكرت وصية أبويا تاني: “الأرض دي أمانة.. وسند لبناتك”. لو اتنزلت عنها النهاردة، حسام مش هيرجعلي بناتي، بالعكس.. هيضمن إني بقيت من غير ضهر ولا سند، وهيذلني بيهم العمر كله.

قعدت لحد الفجر صاحية، وعقلي شغال زي الماكينة. مسحت دموعي وقلت: “الدموع مش هترجع بناتي.. لازم أكون قوية.”

أول ما الشمس طلعت، لبست عبايتي ونزلت بسرعة قبل ما حد يشوفني. مروحتش الأرض، ولا روحت لأهله.. أنا روحت لمركز الشرطة.

دخلت وعملت محضر رسمي “عدم تعرض وإثبات حالة بانتزاع الأطفال”. المحامي بتاعي، أستاذ أشرف، اللي كان صاحب أبويا الله يرحمه، جه أول ما كلمته.

أستاذ أشرف بصلي باحترام وقال: “متخافيش يا نجلاء.. القانون معاكِ، وحق الحضانة للبنات معاكِ بقوة القانون لأنهم قصر، ومحدش يقدر يحرمك منهم، حتى أبوهم.”

طلعنا على النيابة، والمحامي قدم طلب عاجل لقرار تمكين من الحضانة وتسليم الصغار.

رجعت البيت العصر، وأنا بحاول أظهر متماسكة. أول ما دخلت مدخل الشارع، شفت حسام واقف مع ناس جيرانا، بيتكلم ويضحك كأن مفيش حاجة حصلت.

أول ما شافني، بصلي باستهزاء وقال بصوت عالي عشان الناس تسمع: “نورتِ يا أم البنات.. فكرتِ في كلامي؟ العقود جاهزة؟”

مشيت لحد ما وقفت قدامه، وبصيت له بثبات هز بروده، وقلت له والناس كلها سامعة:

“أنا فكرت كويس يا حسام.. والرد هيجيلك بكره، بس مش مني.. من الحكومة.”

ملامحه اتقبضت، والضحكة اختفت من على وشه.

تاني يوم الصبح، البيت كله اتهز على صوت خبط قيل على باب العمارة..

فتحت الباب، ولقيت قوة من الشرطة، ومعاهم محضر من النيابة، وطالعين على فوق، على شقة منى وحسام.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

حسام طلع يجري على السلم وهو بيعدل هدومه، ووشه أصفر زي الليمونة لما شاف العساكر والضابط واقفين قدام باب شقته. منى كانت واقفة وراه ومستخبية في ضهره، وعينها كلها رعب بعد ما كانت مليانة شماتة.

الضابط بص لحسام بحدة وطلع ورقة رسمية وقال بصوت جهوري:

“أنت حسام عبد الرحمن؟ معانا قرار عاجل من النيابة بتسليم الصغار: مريم وسلمى وليان، لوالدتهم نجلاء محمد، حالاً ومن غير شوشرة.”

حسام حاول يستعيد هيبته قدام الجيران اللي بدأوا يتجمعوا على السلم، وقال بصوت بيترعش:

“يا باشا دول بناتي، وأنا أبوهم وبأدبهم، ودي مشاكل عائلية…”

الضابط قاطعه بنبرة حاسمة وصارمة:

“تنفيذ القرار فوراً يا فندم، لو في أي اعتراض اتقدم بيه في المحكمة، لكن دلوقتي البنات ينزلوا لأمهم، وإلا هتبقى جنحة امتناع عن تنفيذ حكم قضائي وتأخذ فيها حبس حالاً.”

حسام بصلي بنظرة كلها غل وتهديد، وكأنه عاوز يأكلني بسنانه. لف ووشه في الأرض ودخل جاب البنات. أول ما الباب اتفتح، البنات جريوا عليا وارتموا في حضني وهم بيبكوا ويصرخوا: “ماما.. ماما متسيبناش تاني!”

حضنتهم بكل قوتي، ودموعي نزلت بس المرة دي دموع نصر. بصيت لحسام وهو واقف مكسور العين قدام أهل حتته وجيرانه، وقلت له بصوت مسموع للكل:

“القانون جابلي بناتي يا حسام، وأرض أبويا مش هتشوف منها شبر واحد.”

أخدت بناتي ونزلنا شقتنا، وقفلنا الباب علينا. البنات ناموا من كتر التعب والخوف اللي عاشوه فوق، وأنا قعدت جنبهم وأنا بحسس على شعرهم، وقلبي لأول مرة من أيام يطمن.

لكن حسام مش من النوع اللي ينسى كسرة عينه بالسهولة دي.

بعد يومين بالظبط، وأنا قاعدة مع البنات، سمعت صوت حركة غريبة برة الشقة في منور البيت.. ريحة غريبة بدأت تنتشر في المكان.. ريحة جاز وبنزين!

قمت مفزوعة وبصيت من شباك المطبخ اللي بيطل على المنور، وشفت خيال حد واقف في الضلمة وماسك في إيده جركن.. وفجأة، اشتعلت ولعة صغيرة، وكان ناوي يرميها جوه الشقة!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

 

“حرييييق! إلحقونا!”

صرخت بأعلى صوت عندي وأنا بجري على أوضة البنات. صحيتهم بفزع، وسحبتهم معايا لباب الشقة برة، والريحة كانت بتخنق والولعة بدأت تمسك في ستارة المطبخ والخشب.

فتحت الباب وخرجت للبنات على السلم وأنا بصرخ، الجيران كلهم صحيوا على صوتي ونزلوا يجروا بالجرادل والماء. وسط الزحمة والدخان، لمحت خيال حد بيجري على السلم وبيحاول يستخبى.. كان حسام! هدومه كانت متبهدلة وريحتها جاز، وعينه كانت مليانة رعب لما شاف جيراننا مسكوه ومنعوه يهرب.

الناس طفت النار قبل ما تاكل الشقة، والبوليس جه في دقايق لأن أستاذ أشرف المحامي كان منبه عليهم إن الست دي في خطر.

اتقبض على حسام متلبس، ومعاينة النيابة أثبتت وجود آثار الجاز على هدومه وفي المنور. المحكمة مأخدتش وقت طويل.. وبسبب الجناية دي، وشهادة الجيران، ومحضر خطف البنات السابق، القاضي حكم على حسام بالسجن المشدد 7 سنين، وبكده اتمكنت من طلاقي منه بحكم محكمة، وحققت حماية كاملة لبناتي.

مرت السنين.. وأرض أبويا فضلت زي ما هي، سند وضهر.

كبرت بناتي وبقوا في أعلى المراكز؛ مريم دخلت كلية الطب، وسلمى بقت مهندسة، وليان الصغيرة بقت في الثانوية وبتطلع من الأوائل. الأرض اللي حسام كان عاوز يضيع حق بناتي فيها عشان “الولد يشيل اسمه”، هي اللي علمتهم، وهي اللي سترتهم، وبقت تساوي انهارده أضعاف الـ 3 مليون.

في يوم، كنت قاعدة وسط بناتي في جنينة بيتنا الجديد، ومريم بتعدلي طرحتي وبتضحك، بصيت للسماء واقريت الفاتحة لأبويا.. وعرفت إنه كان عنده حق في كل كلمة.

### 💡 الحكمة من القصة:

* **البنات رزق وسند:** الخلفة رزق من ربنا، والبنت زي الولد وممكن تكون هي السند الحقيقي لأهلها في الدنيا لو اتربت صح، والولد مش بضمان للمعاملة الطيبة ولا صلة الرحم.

* **المال الحرام يعمي القلوب:** الطمع والجشع في حق الغير (خاصة ورث الزوجة) بيقود صاحبه للمهالك. حسام خسر كل شيء؛ خسر حريته، خسر هيبته، وخسر بناته اللي كان ممكن يكونوا فخر ليه.

* **الحق أقوى من الباطل:** القانون والتمسك بالحق وصية الأب هما الدرع اللي بيحمي الضعيف. العناد في الحق قوة، والست مش ضعيفة طالما معاها ربنا وأصلها ثابت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *