حكايات رومانى مكرم 2
وقفت في وسط الصالة وأنا ماسكة التليفون، وكلمته الأخيرة بتلف في دماغي زي الإعصار. “الورث مهدد يضيع؟” سكتّ ثواني، وأنا بحاول أستوعب إن الراجل اللي رماني من شهرين علشان الفلوس، واقف دلوقتي مرعوب لنفس السبب.
قلت له بصوت حاد وناشف:
“وتليفونك ده بيا أنا مالي بيه؟ مش إنت قفلت كتابي وقسمت إن مالناش مكان في حياة بعض؟ روح للمحامي بتاعك، أنا خلاص بره الحسبة.”
صوته كان مخنوق، وفيه نبرة انكسار عمري ما شوفتها فيه وهو بيقول:
“منى.. أرجوكي بلاش تقفلي في وشي. عمي الله يرحمه كان كاتب شرط غريب في الوصية.. شرط أنا مقريتوش من الفرحة، والمحامي لسه مفجرلي المفاجأة النهارده.. لو منفذتش الشرط ده خلال أسبوع، الـ 24 مليون كلهم هيروحوا لجمعيات خيرية بره مصر!”
أخدت نفس طويل وقلت ببرود:
“وشرطه إيه بقى إن شاء الله؟”
قال بصوت واطي ومحرج:
“عمي كتب إن الورث ده مش هيتسلم ليا إلا بشرط.. إني أكون مستقر في حياتي الزوجية مع مراتي اللي وقفت معايا في أيامي الصعبة، ومكتوب في الوصية بالاسم (تؤول الثروة له ولزوجته منى مناصفةً، بشرط استمرار الزواج).. عمي كان عارف إني طماع، وكان بيختبرني من بعيد لبعيد طول السنين اللي فاتت!”
### الصدمة تتبدل
الضحكة طلعت من قلبي، ضحكة عالية هزت البيت. قعدت على الكرسي وأنا مش مصدقة إن ربنا جابلي حقي بالسرعة دي، وبنفس السلاح اللي اتضربت بيه.
قلت له وأنا بكتم ضحكتي:
“يعني إنت طلقتني قبل ما تستلم مليم واحد رسمي؟”
قال بتلعثم:
“أنا.. أنا كنت فاكر إن الإجراءات ورق وخلاص، والمحامي قال لي إن الوثيقة الرسمية مش هتطلع من البنك إلا لما يشوفوا قسيمة الجواز الحالية ووتتحرى الشؤون القانونية عن استقرار البيت.. منى، البنت اللي خطبتها وأبوها أول ما عرفوا إن الفلوس فيها قلق، أبوها طردني من مكتبه وقالي بنتي متتجوزش واحد مهدد بالإفلاس.. أنا خسرت كل حاجة في لحظة.”
سكت شوية وبعدين كمل برجاء يوجع:
“أنا مستعد أردك من بكرة، ونروح للمأذون، وهكتبلك نص الفلوس باسمك زي ما عمي عايز.. 12 مليون جنيه يا منى! هتبقي غنية، ونعيش في الكومباوند سوا وننسى أيام الفقر.”
> **نقطة التحول:** في اللحظة دي، شريط العمر كله عدا قدام عينيا. افتكرت يوم ما كنت ببيع دهبي علشان يدفع الإيجار، وافتكرت نظرة عينه الباردة وهو بيقولي “غوري مع الفقر”. الفلوس اللي كان هيدوس على كرامتي بيها، جاي دلوقتي يذل نفسه تحت رجلي علشانها.
>
وقفت وقولتله بكل ثقة وثبات:
“أنا مبشربش شاي في خمسينة مطرح ما غيري تفّ يا ابن الناس.. الفلوس اللي تخلي الراجل يبيع أصله في ثانية، متلزمنيش.. والـ 12 مليون بتوعك دول مش هيشتروا ثانية واحدة من كرامتي اللي داست عليها.”
صوته اتقلب لجنون وصريخ:
“إنتي مجنونة؟! هتضيعي عليا وعليكي ملايين علشان حتة كبرياء؟ إنتي لسه شغال في مشغل خياطة بملاليم! ردي عليا يا منى!”
قلت له قبل ما أقفل السكة في وشه:
“الملاليم دي بتأكلني لقمة حلال وأنا راسي في السماء.. وعموماً، المحامي بتاع عمك لو سأل عليا، أنا هروح بنفسي أقوله إننا اتطلقنا.. خلي الجمعيات الخيرية تنوبها ثواب في فلوسك.”
قفلت الخط، وحسيت براحة ملأت صدري، لكن الحكاية مخلصتش هنا.. لأن بعد يومين بالعدد، الباب خبط، ولما فتحت لقيت راجل وقور لابس بدلة شيك جداً، ومعاه شنطة جلد.. مكنش طليقي، كان شخص تاني خالص غير متوقع!
وقفت قدام الباب وأنا ببص للراجل الوقور اللي لابس بدلة شيك جداً. ملامحه كانت صارمة بس فيها طيبة وهدوء، فتح محفظته وطلع كارت وقالي بصوت هادي ورزين:
“مساء الخير يا مدام منى.. أنا الأستاذ مجدي، المحامي الخاص والمستشار القانوني لعم طليقك، المرحوم الحاج عبد العزيز.”
قلبي دق بسرعة، وفتحت له الباب ودخل الصالة. قعد وطلع ملف كبير من الشنطة الجلد، وبص حواليه في شقة أبويا البسيطة ونزل نظارته وقال:
“أنا جيت هنا بنفسي بعد ما طليقك جالي المكتب وهو منهار، وبيحاول يضغط عليا علشان نلاقي ثغرة في الوصية، أو نزور قسيمة رجوع ليكم.. وطبعاً أنا رفضت وطردته.”
أخدت نفس طويل وقلت له:
“أنا قولتله يا أستاذ مجدي إن الفلوس دي متلزمنيش، وأنا مش هسهم في لعبة علشان هو ياخد ملايين بعد ما رماني.”
ابتسم المحامي ابتسامة واسعة، وفتح الملف وطلع منه ورقة مطبوعة من بره مصر، وقال جملة غيرت مجرى كل حاجة:
“مين قال لك إنك بره الحسبة يا مدام منى؟ الحاج عبد العزيز الله يرحمه عاش في الغربة سنين، لكن كان ليه عيون في مصر بتنقل له كل حاجة.. كان عارف إن ابن أخوه راجل أناني ومادي، وكان متابع صبرك معاه، وبيعك لدهبك، واستحملك للفقر علشان تحافظي على بيتك.”
سكت شوية وبص في الورق وكمل:
“الوصية ليها ملحق سري مشفر معايا أنا بس.. الحاج عبد العزيز كتب نصاً: (إذا قام ابن أخي بطلاق زوجته منى فور علمه بالثروة، أو تبدل حاله عليها، تُحجب عنه الثروة بالكامل.. وتؤول الـ 24 مليون جنيه كاملةً لزوجته منى، تعويضاً لها عن صبرها، وبشرط أن تديرها تحت إشراف مكتبي القانوني)!”
> **الصدمة الكبرى:** الدموع نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دموع وجع.. كانت دموع عدالة ربنا اللي ملهاش حدود. الراجل اللي طلقني وقال لي “غوري مع الفقر”، الفقر هو اللي راجع يلتهمه، والغنى بقى من نصيبي أنا!
>
بصيت للمحامي وأنا مش مصدقة: “يعني الفلوس دي كلها بقت ليا أنا؟”
رد المحامي: “بالكامل.. وبشكل قانوني ونهائي. وطليقك ملوش مليم واحد.. لكن في حاجة تانية لازم تعرفيها.”
### المواجهة الأخيرة تقترب
المحامي قالي إن طليقي لسه ميعرفش بالملحق السري ده، وهو فاكر إن الفلوس هتروح لجمعية خيرية لو إنتي مأرجعتيش ليه، وعلشان كده هو قالب الدنيا وباع العربية الشيك اللي اشتراها بالتقسيط علشان يسدد ديون الإجراءات، وبقى مهدد بالحبس بعد ما كتب شيكات بدون رصيد اعتماداً على الورث.
قال لي الأستاذ مجدي: “هو مكلمني وقال لي إنه جاي على هنا دلوقتي مع مأذون، وهيحاول يستعطفك أو يهددك بكل الطرق علشان ترجعي له قدام أهلِك.. أنا هفضل مستخبي في الأوضة اللي جوه، وعايزك تقابليه وتسمعيه.. ونشوف آخره إيه.”
مفيش نص ساعة، والباب خبط بعنف.. خبطات مرعوبة، خبطات واحد بيغرق.
فتحت الباب، ولقيته واقف.. وشّه أصفر، لبسه مبهدل، ووراه راجل كبير لابس عِمة (المأذون). رمى نفسه تحت رجلي حرفياً وهو بيبكي ويقول:
“أرجوكي يا منى.. وافقي نرجع.. أنا بضيع.. الشيكات هتوديني السجن، وأبو البنت اللي كنت هخطبها حجز على العربية ورافع عليا قضية.. وافقي بس نكتب الكتاب قدام المأذون وننقذ الـ 24 مليون، وهعملك كل اللي إنتي عايزاه!”
بصيت له وأنا حاسة بنفور تام، مفيش في قلبي ليه حتى ذرة شفقة..
إليك الجزء الخامس والأخير من القصة، لتسدل الستار على حكاية منى:
## الجزء الخامس والأخير: حصاد الصبر.. ونهاية الطمع
خرج الأستاذ مجدي بخطوات ثابتة وصوت جهوري قطع عياط طليقي ونواحه. أول ما طليقي شافه، اتمسحت دموعه في ثانية واتحول ملامحه لذهول ورعب، وقف على رجليه وهو بيتفتف في الكلام:
“أستاذ مجدي؟! إنت بتعمل إيه هنا في بيت أهل منى؟”
ابتسم المحامي ببرود ورفع الورق السري في وشّه وقال:
“جيت أنفذ وصية الحاج عبد العزيز الله يرحمه يا أستاذ.. الوصية الحقيقية اللي إنت مقريتهاش.”
طليقي بصلنا بقلة حيلة وقال: “وصية إيه؟ ما إحنا جايين نرجع عشان ننقذ الـ 24 مليون ونقسّمها زي ما عمي قال!”
هنا المحامي فتح الملحق السري وقرأ بصوت عالي وواضح قدام المأذون وقدام أبويا اللي كان واقف فخور بيا:
“بناءً على البند السري رقم 4، وبما أن المدعو قام بطلاق زوجته صبيحة علمه بالثروة بدافع الكبر والنكران، فقد سقط حقه في الإرث بالكامل.. وتنتقل الثروة وقيمتها أربعة وعشرون مليون جنيه مصري كاملةً إلى السيدة/ منى.. نقدًا وأصولًا.”
### سقوط الأقنعة
الشقة هديت تماماً، ومبقاش مسموع فيها غير صوت أنفاس طليقي السريعة وكأنه جاله هبوط حاد. وشه بقى أزرق، وبص للمحامي وبصلي وعينيه كانت هتطلع من مكانها من الصدمة.
قال بصوت مبحوح ومجنون:
“أنتو بتضحكوا عليا! منى تاخد الـ 24 مليون؟! منى اللي كانت بتحسب العشرة جنيه معايا؟! عمي يسيب شقا عمره لواحدة غريبة ويسبني أنا ابن أخوه من دمه؟!”
رد عليه الأستاذ مجدي بقوة:
“الغريبة دي هي اللي صانت شرفك واسمك وشالت فقرك، وهي اللي باعت دهبها علشان تدفع إيجار شقتك. عمك الله يرحمه ساب الفلوس للي يستحقها ويصونها.. مش للي يفتري بيها على خلق الله.”
لف طليقي عليا، وحاول يقرب ويمسك إيدي وهو بيترجاني بشكل يثير الشفقة:
“منى.. علشان خاطري.. إحنا عشنا أيام حلوة سوا.. أنا غلطت والشيطان عمى عيني.. متسجنيش يا منى، الشيكات اللي عليا هتوديني في داهية.. خدي الفلوس كلها بس اديني مليون واحد أفك بيه زنقتي!”
سحبت إيدي منه بكل قسوة وبصيت في عينيه بثبات وقلت له الكلمة اللي كان مستنيها:
“فاكر يوم ما فتحت الباب وكنت بعمل عدس؟ فاكر لما قولتلي (غوري مع الفقر مبقتيش من مستويا)؟ الفقر اللي عايرتني بيه، أنا نضفت منه بكرامتي وصبري.. أما إنت، فالفلوس عمتك، ودلوقتي الفقر الحقيقي هو اللي مستنيك.. فقر النفس والمال.”
التفت للمأذون وقلت له: “اتفضل يا مولانا، مفيش كتب كتاب هيحصل هنا.. الأستاذ ملوش مكان في بيتنا.”
> **النهاية العادلة:** خرج طليقي يجر أذيال الخيبة والندم، وبعدها بأسبوع عرفنا إن الشرطة قبضت عليه بسبب الشيكات بدون رصيد اللي كتبها على نفسه، واتحكم عليه بالسجن.. ليدفع ثمن طمعه وجحوده وكسره لقلب صانه سنين.
>
أما أنا.. فاستلمت ورثي بشكل قانوني. مسبتش مشغل الخياطة، لكن اشتريته بالكامل وكبّرته وبقى مصنع صغير بيشغل الستات الغلبانة والمطلقات عشان يلاقوا لقمة عيش بكرامة. عشت في شقة شيك وجميلة مع أبويا وأمي، وعوضت كل أيام الحرمان.
كل ما بفتكر الماضي، ببتسم وبحمد ربنا.. لأن الفلوس عمرها ما بتعمل أصل للبني آدم، لكن الأصل الطيب هو اللي بيعيش، وربنا دايماً بيمهل ولا يهمل.
**تمت الحكاية**
#الكاتب_رومانى_مكرم