حكايات اسما السيد 2

خرجت من باب البيت والدموع تعمي عينيّ، والهواء البارد يلفح وجهي وجسد صغيري الراقد في حضني. كانت خطواتي سريعة، مدفوعة برعب حقيقي من أن يلحق بي أحد منهم، أو يمنعني من الخروج بتلك الزجاجة التي تحمل دليل جريمتهم.

سمعت صوت حماتي يتردد من خلفي في ردهة البيت وهي تصرخ: «اطلعي برا.. بس رجلك مش هتعتب البيت ده تاني لو خطيتي بره الشارع! والواد ده ابن ابننا ومش هتاخديه!»

أما سلفتي، فكانت تراقبني من وراء النافذة، بنظرات مرعوبة، بعدما أدركت أن غباءها وحقدها وصلا إلى طريق مسدود مع “دكتورة” تعرف تمامًا كيف تكشف ألاعيبها.

لم ألتفت خلفي. سرت في الشارع المظلم حتى وصلت إلى أطراف القرية، وجلست على مصطبة بيت قديم لأستجمع أنفاسي. كنت في حيرة تنهش عقلي: إلى أين أذهب؟

خيار الذهاب لبيت أبي كان يعني مواجهة انكسار جديد؛ فهو الرجل الذي رآني حملاً ثقيلًا وأراد الستر -من وجهة نظره- فزوجني لابن عمي المغترب دون أن يسأل عن رغبتي أو يضمن لي الأمان. كنت أعلم أنه لو رآني في هذه الحالة، لقال لي كلمته المعتادة: «ستك عاقلة يا بنتي، واستحملي عشان تعيشي، والبيوت أسرار». لم يكن ليفهم معنى أن طفلي كان سيموت مسمومًا بفعل فاعل.

حسمت أمري.. وجهتي الأولى يجب أن تكون المستشفى الجامعي حيث يدرس أساتذتي وحيث يوجد أطباء الأطفال والمعمل الجنائي.

أوقفت سيارة أجرة مرت بالصدفة، وركبت وأنا أضم ابني بقوة. طوال الطريق، كنت أتأمل وجهه الصغير الشاحب، وأتذكر كيف كانت المراقبة في الجامعة تحمله لتعطيني فرصة لأكتب مستقبلي، بينما في بيت عمي، كانت “سته” وفوزية يخططون لإنهاء حياته وحياتي.

وصلت إلى المستشفى، ودخلت قسم الطوارئ. استقبلني زميل لي في سنة الامتياز، ورأى معالم الرعب والانهيار على وجهي.

قالي بلهفة: «دكتورة.. مالك؟ في إيه؟ والبيبي ماله؟»

أعطيته الطفل وأنا أرتجف: «الحقني يا أحمد.. فوزية سلفتي حطت دواء منوم بجرعة عالية في ببرونة اللبن للواد، وهو شرق وقطع النفس، أنا عملت له إسعافات ونزل شوية، بس عايزة أطمن على علاماته الحيوية، وعايزة أحلل اللبن اللي في الزجاجة دي!»

اتسعت عينا زميلي بصدمة، وأخذ الطفل فورًا وبدأ بفحصه ومراقبة نسبة الأكسجين في دمه. وفي تلك الأثناء، استدعى طبيب الأطفال النائب، الذي تولى الحالة وأكد لي أن سرعة تصرفي في البيت قلبت الموازين، وأن الطفل تجاوز مرحلة الخطر الناتجة عن الاختناق، لكنه يحتاج لغسيل معدة بسيط وملاحظة لمدة 24 ساعة للتأكد من عدم امتصاص جسده الصغير للمادة المنومة.

أخذ أحمد زجاجة الحليب بحذر، وقال لي بصوت منخفض: «الزجاجة دي أنا هسلمها لمدير الطوارئ فورًا عشان تروح المعمل السموم رسمي، والتقرير ده هيكون مستند رسمي للشرطة.. إنتِ هتعملي محضر يا دكتورة؟»

أومأت برأسي دون تردد: «هعمل محضر.. مش هسيب حق ابني.»

بينما كان ابني تحت الملاحظة في غرفة الطوارئ، وجسده الصغير موصل بالأجهزة، اهتز هاتفي في جيبي. نظرت إلى الشاشة، فوجدت المتصل هو زوجي المغترب.

حبست أنفاسي وفتحت الخط، وجاءني صوته من بعيد، جافًا ومحملًا بالعتاب والغضب كما توقعت: «إيه اللي إنتِ عملتيه في البيت ده؟ أمي مكلماه وهي بتبكي وبتقول إنك تبلّيتي على فوزية، وخرجتِ في نص الليل وفضحتِنا في البلد! إنتِ اتجننتِ يا دكتورة؟ التعليم لحس مخك؟!»

نزلت كلماته عليّ كالصاعقة، فرغم أنني كنت أتوقع خذلانه، إلا أنني لم أتخيل أن يصل به الأمر لتصديقهم دون حتى أن يسأل عن حالة ابنه الرضيع الذي يصارع الموت في المستشفى.

أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى طفلي النائم وسط الأجهزة، وقررت أن نبرة الضعف والبكاء قد انتهت إلى الأبد.

قلت له بصوت جامد كالحديد: «أمك وفوزية كانوا هيقتلوا ابنك يا إبراهيم.. وأنا دلوقتي في المستشفى الجامعي، والشرطة في طريقها لهنا عشان تستلم تقرير المعمل الجنائي لزجاجة اللبن المسمومة.. لو عايز تلحق أمك وأخوك قبل ما يدخلوا القسم، انزل أول طيارة، لأن أنا مش هتنازل عن المحضر.»

أغلقت الهاتف في وجهه قبل أن ينطق بكلمة واحدة. وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الغرفة، ودخل ضابط المباحث ومعه دفتر المحاضر، وخلفه كان يقف أبي بوجه شاحب وعينين مليئتين بالذهول والخوف مما يسمعه…

خطا الضابط داخل الغرفة بخطوات ثابتة، بينما تراجع أبي إلى الخلف خطوة، وعيناه تائهتان بين وجهي الشاحب وبين الأجهزة الموصلة بجسد حفيده الصغير. كان ينظر إليّ بنظرة عتاب ممزوجة بالرعب، وكأنه يلومني لأنني تجرأت وخرجت عن طوعه، ورفعت الستار عن “الفضيحة” التي طالما حاول دفنها تحت مسمى الستر.

أشار الضابط لأبي بالهدوء، ثم التفت إليّ وأخرج دفتره وقلمًا، وقال بنبرة عمليّة حازمة: «إنتِ الدكتورة أم الطفل؟ احكي لي بالراحة إيه اللي حصل بالضبط، ومين اللي بتتهميه؟»

في تلك اللحظة، شعرت بغصة في حلقي، لكنني نظرت إلى صغيري، فاستمددت من ملامحه الهادئة قوة لم أعرف أنني أملكها من قبل. بدأت أسرد للضابط كل شيء؛ منذ اللحظة التي رفضت فيها حماتي إبقاء الطفل معي، مرورًا بنظرات سلفتي “فوزية” ومحاولتها أخذ البيبي، وصولاً إلى صرخة حماتي والمشهد الذي وجدت عليه ابني وهو يزرقّ ويموت، وانتهاءً برائحة المادة الغريبة في زجاجة الحليب.

كان الضابط يكتب كل كلمة باهتمام، بينما أخذ أبي يقترب مني رويدًا رويدًا، ويهمس بنبرة متوسلة خفيضة: «يا بنتي حرام عليكِ.. هتخربي بيتك بيدك؟ فوزية غبية وجاهلة وتلاقيها غلّطت في دواء المغص، بلاش فضايح في المركز، عمك راجل كبير ومريض ومش هيستحمل حبس مراته ولا مرات ابنه.. لمّي الموضوع عشان خاطر جوزك والناس!»

التفتُّ لأبي، ولم أعد قادرة على كتمان الوجع: «وعشان خاطر الناس يا بابا، كان ابني يموت مسموم؟ فوزية مش جاهلة، فوزية كانت عايزة تكسرني وتضيع امتحاني ومستقبلي، ولما رفضت أسيب لها الواد، انتهزت فرصة دخول حماتي المطبخ وحطت له منوم بجرعة تقتل ديب! أنا مش هتنازل يا بابا، واللي خايف على زعل عمه، كان الأولى يخاف على دم حفيدك!»

ساد الصمت لثوانٍ، قطعه دخول زميلي “أحمد” ومعه طبيب الطوارئ النائب، وبيدهما ظرف مغلق مختوم. سلم الطبيب الظرف للضابط وقال برسمية: «ده التقرير المبدئي لمعمل السموم بالمستشفى يا فندم. تحليل بقايا السائل في الببرونة أثبت وجود مادة “الكلوربرومازين” بتركيز عالي جدًا، ودي مادة مهدئة ومسكنة قوية لا تُصرف إلا بروشتة طبية، والجرعة اللي كانت في اللبن كفيلة بإنها تعمل هبوط حاد في الجهاز التنفسي لطفل في السن ده.. لولا الإسعاف الأولية اللي الدكتورة عملتها ونزلت جزء من اللبن، الطفل كان زمانه في عداد الموتى.»

الضابط هز رأسه وعلامات الجدية تكسو وجهه: «تمام يا دكتور.. التقرير ده هينضم للمحضر فورًا.» ثم نظر إليّ وقال: «المحضر كده كمل، وإحنا هنحرك قوة فورًا لبيت عمك للقبض على المدعوة فوزية وعلى حماتك بتهمة التستر والشروع في قتل طفل رضيع.»

تراجع أبي وجلس على أقرب مقعد، ووضع يديه على رأسه وهو يتمتم بقلة حيلة. أما أنا، فرفعت رأسي وشعرت بمرارة مخلوطة بنصر صغير.. الحق بدأ يظهر، لكن الثمن كان غاليًا جدًا.

مرت ساعات الليل ثقيلة كالجبال. وقبل الفجر بساعة، انفتح باب الغرفة فجأة، ودخل “إبراهيم” زوجي!

كان يرتجف، وعلامات السفر الطويل والإرهاق واضحة عليه، يرتدي ثيابًا مجعدة وعيناه حمراوان من قلة النوم. بدا واضحًا أنه استقل أول طائرة عودة بعد مكالمتي القاطعة.

نظر إلى ابنه المستلقي على الفراش، ثم نظر إليّ، ولم تكن في عينيه تلك القسوة التي سمعتها في الهاتف، بل كان هناك مزيج من الصدمة والانكسار. اقترب من السرير ودموعه نزلت رغماً عنه وهو يلمس يد الصغير.

التفت إليّ وقال بصوت متحشرج: «أنا جيت يا ليلى.. جيت وشفت أمي وفوزية في النبطشية في نقطة الشرطة قبل ما أجيلك هنا.. البلد مقلوبة، وأمي بتبكي وبتقولي إنها ما كانتش تعرف إن فوزية هتوصل لدرجة القتل.. فوزية اعترفت يا ليلى.. اعترفت إنها كانت عايزة تنيمه عشان تفوت عليكِ الامتحان وتثبت للمستشفى إنك مهملة في حق ابنك، وما كانتش فاهمة إن الجرعة دي هتموته..»

صمت إبراهيم لثوانٍ، ثم جثا على ركبتيه بجانب مقعدي، وأمسك بيدي وهو يبكي بحرقة: «أنا أسف.. أسف إني خذلتك وسبتك لوحدك وسطهم، وأسف إني صدقتهم في الأول.. أمي مالهاش ذنب، هي غبية وحبت تغطي على فوزية عشان الفضيحة.. أبوس إيدك تنازلي عن المحضر عشان أمي ما تتحبسش، وأنا بوعدك.. من النجمة هاخدك إنتِ وابننا ونقعد في شقة لوحدنا في المدينة جنب جامعتك، ومش هخلي حد منهم يشوف وشك ولا وش الواد تاني طول العمر.. بس بلاش أمي تدخل السجن يا ليلى!»

نظرت إلى زوجي الراكع أمامي، وإلى أبي الباكي في الزاوية، وإلى طفلي الذي بدأ يفتح عينيه الصغيرتين ببطء.. كنت أمام أصعب قرار في حياتي، بين نيران الانتقام وحق ابني، وبين توسلات زوجي الذي أفاق أخيرًا، والفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من هذه العائلة..

نظرتُ إلى إبراهيم الراكع عند قدميّ، والدموع تغسل وجهه، ثم التفتُّ إلى أبي الذي كان ينظر إليّ بنظرة انكسار ورجاء لم أرها في عينيه من قبل. ساد الصمت في الغرفة، ولم يكن يُسمع فيها سوى صوت أنفاس ابني المنتظمة على جهاز مراقبة العلامات الحيوية.

في تلك اللحظة، شعرت أنني كبرت مئة عام. لم أعد تلك الفتاة القليلة الحيلة التي ساقها والدها لبيت عمها مغمومة العينين لتخدم وتتحمل الإهانة باسم “الستر”. أنا الآن أمّ، وطبيبة، وامرأة تملك قرارها بيديها.

أخذت نفسًا عميقًا، وسحبت يدي من بين يدي إبراهيم بهدوء، ووقفت مستندة على حافة سرير ابني. قلت بصوت حاسم، خالٍ من أي ارتعاش: «قوم يا إبراهيم.. الدموع دي كان الأولى تنزل وإنت بعيد وسايبني في بيت أمك بتهان كل يوم، وبتعاير بـعلمي وتعب سهر الليالي.»

وقف إبراهيم منكس الرأس، يترقب كلمتي القادمة كأنها حكم بالإعدام. تابعت وعيني في عينيه: «فوزية مش هتنازل عنها.. فوزية مجرمة، وحقدها كان هيموت حتة مني ومنك. القانون هياخد مجراه معاها، وده حقي وحق ابني ومش هسيبه لحد ما تلبس البدلة البيضا وتاخد جزاء الشروع في القتل.»

ابتلع إبراهيم ريقه بتوتر، وسأل بصوت خافت: «وأمي يا ليلى؟»

نظرت إليه وقلت: «أمك غلطت لما تسترّت على جريمة، وكان ممكن تضيع الواد عشان خايفة من كلام الناس والفضايح. أنا مش هسجن أمك عشان خاطر الدم اللي بينك وبينها، وعشان ابننا ما يشيلش ذنب إن أمه سجنت جِدته.. أنا هروح للضابط وهقول إن أمك ما كانتش تعرف حاجة وإن فوزية غفلتها، وهطلعها من القضية.. بس بشرط واحد، ومفيش فيه فصال.»

انفرجت أسارير إبراهيم وقال بلهفة: «اشرطي اللي إنتِ عايزاه يا ليلى! كل اللي تقوليه هينفذ فوراً!»

قلت له بنبرة قاطعة: «النهاردة قبل بكرة، تنزل المدينة.. تأجر الشقة اللي قولت عليها جنب جامعتك وجامعتي، وتتكتب باسمي.. العقد يتكتب باسمي أنا كضمان ليا ولابني. وتجهّز الشقة دي من مجاميعه. من اللحظة دي، رجلي مش هتعتب بيت أمك، ولا أمك هتدخل بيتي، ولا هتشوف ظافر ابني لحد ما يكبر ويفهم مين اللي صانه ومين اللي استرخص حياته. لو وافقت، هروح مع المحامي ونعمل التنازل لأمك.. لو رفضت، يبقى المحضر يكمل والكل يتحاسب.»

لم يتردد إبراهيم لحظة واحدة، أومأ برأسه وعيناه تلمعان بالدموع: «موافق.. موافق يا ليلى، والله من النجمة هعمل كل اللي طلبتيه، وأنا اللي هشيل شيلتكم وهعوضك عن كل ليلة بكيتي فيها بسببي وبسبب أهلي.»

التفتُّ إلى أبي، الذي كان يقف مطأطأ الرأس، واقتربت منه. وضعت يدي على كتفه وقلت بنبرة عتاب حانية: «شفت يا بابا؟ التعليم اللي كنت شايفه هيعطلني عن بيتي، وهو اللي قسّى قلبي.. هو نفسه اللي أنقذ حياة حفيدك النهاردة بعد ربنا. علمي هو اللي خلاني أعرف إن ابني مسموم مش شرقّان، وهو اللي هيخليني دكتورة قوية أقف على رجلي ومأمنة مستقبل ابني ومحتاجه لأي حد.»

بكى أبي وضمّني إلى صدره وهو يتمتم: «سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك، بس ربنا نصرك ورفع راسنا بيكِ.»

بعد مرور سنتين..

كانت شمس النهار ساطعة وتنعكس على جدران قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة. كنت أرتدي روب التخرج الأسود، وقبعة التخرج تزين رأسي.

في المدرجات، كان إبراهيم يجلس وبجانبه أبي، وعلامات الفخر والزهو تملأ وجهيهما وهما ينظران إليّ. وإبراهيم يحمل على حجره صغيرنا الذي أكمل عامه الثاني، يصفق بيديه الصغيرتين ويضحك بملء فيه وهو يراني أصعد إلى المنصة.

عندما نطق العميد اسمي: «الدكتورة ليلى..»

توقفت للحظة، ونظرت إلى شهادتي في يدي، ثم إلى ابني.. تذكرت ذلك اليوم البعيد، خطوت السير وسط الحصى والتراب، ونظرات الشفقة والدهشة في عيون زملائي، ووقفة المراقبة النبيلة التي حملت طفلي لأكتب مستقبلي بدموعي.

فوزية نالت جزاءها بحكم قضائي بالسجن المشدد، وحماتي بقيت في بيتها وحيدة تجر أذيال الخيبة والفضيحة بعدما انفض الجميع من حولها وهجرها ابنها. أما أنا، فخرجت من ذلك الوكر بكرامتي، وعلمي، وطفلي.

نزلت من المنصة، وذهبت مباشرة نحو إبراهيم وأبي. أخذت ابني في حضني وقبّلته بقوة، ورفعت رأسي للسماء وأنا أبتسم بثقة.. لقد انتصرت؛ لم أفرط في حلمي، ولم أترك حق ابني، وصنعت لنفسي ولصغيري حياة جديدة، دافئة وآمنة، بعيداً عن عيون الغل وجدران الظلم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *