حكايات اسما السيد 4
ضغطتُ على زر الرد، وجاءني صوتٌ ضاحك يحمل نبرة تهكمية وسخرية لم أخطئها أبدًا.. كان صوت طارق، أحد أصدقائي في العمل، والشخص الأساسي الذي كان يملأ رأسي بالشكوك ويحرضني على اختبار ياسمين قبل السفر.
— “إيه يا عريس؟” قالها طارق بضحكة خبيثة. “سمعنا إن الفرح اتلغى والأمور اتفركشت! قولي بقى.. طلعت زي ما قولتلك؟ شافت عيشتكم القديمة وظهرت على حقيقتها وطمعها؟ أنا قولت أكلمك أواسيك يا صاحبي وأفكرك إن كلامي كان صح من الأول.”
شعرت بدمي يغلي في عروقي، وقبضت على الهاتف بقوة حتى كادت أصابعي تنكسر. تذكرت كيف كنت أسيرًا لآرائهم المريضة وعُقدهم النفسية، وكيف كدت أخسر جوهرة حياتي بسبب كلامهم الفارغ. أخذت نفسًا عميقًا، وقررت أن أضع حدًا لهذا الزيف تمامًا.
وقلت بصوت حازم، قوي، ومليء بالثقة:
— “طارق.. الفرح ماتلغاش عشان اللي في دماغك المريض. الفرح اتأجل لأن ياسمين طلعت أنظف وأشرف وأكبر بكتير من إني أدخلها حياتي وأنا لسه بسمع لأشكالك. ياسمين نجحت في اختبار الأصول، وأنا اللي سقطت وعرفت قيمتها. ومن النهارده، علاقتي بيك وبالشلة دي انتهت تمامًا.. لا في الشغل ولا بره الشغل، ميركبش معايا في عربيتي ولا يدخل حياتي غير اللي يعرف قيمة ولاد الأصول.”
أغلقت الخط في وجهه دون أن أنتظر ردًا، وحظرته تمامًا من حياتي. شعرت براحة غامرة، وكأنني ألقيت بحمل ثقيل كان يكتم على أنفاسي لسنوات. التفريط في أصدقاء السوء كان الخطوة الأولى الحقيقية التي أثبتُّ بها لنفسي أولًا، ثم لياسمين، أنني بدأت أتغير فعليًا.
في المساء، توجهت إلى منزل والد ياسمين، ومعي أمي الحاجة زينب التي أصرت أن تحضر بنفسها من الصعيد لتشهد على “البداية الجديدة”. جلسنا في صالون منزلهم البسيط، وكنت أشعر بهيبة لم أشعر بها حتى وأنا أدير أكبر الصفقات التقنية في شركتي.
نظرتُ إلى ياسمين التي كانت تجلس بجوار والدها، ترتدي فستانًا هادئًا، ملامحها لم تعد مطفأة، بل بدأ الدفء يعود إليها ببطء. تقدمتُ بكلامي لوالدها قائلًا:
— “يا عم أحمد.. أنا جاي النهارده بطلب إيد ياسمين من جديد. مش كمدير قسم، ولا بصفتي صاحب شقة في التجمع وعربية فاخرة.. أنا جاي كـ أدهم، ابن الحاجة زينب، ابن القرية البسيطة، اللي عايز يتعلم الأصول ويبني بيت حقيقي على الصدق والأمان.”
ابتسم الحاج أحمد بنضج ونظر إلى ابنته، ثم التفت إليّ وقال:
— “يا أدهم يا ابني، الراجل مش بفلوسه، الراجل بكلمته وموقفه.. وإنت النهارده أثبتّ إنك بتعرف ترجع عن الغلط، وده ميعيبكش، ده يكبرك في نظرنا.”
التفتت ياسمين نحوي، وظهرت على شفتيها ابتسامة خفيفة كانت كفيلة بإعادة الروح إليّ، وقالت بصوت هادئ:
— “وأنا موافقة يا أدهم.. والشبكة اللي مع ماما زينب أنا مش عايزاها، شبكتي الحقيقية هي الأمان اللي هشوفه في عينيك من النهارده.”
اتفقنا على أن يكون عقد القران في غضون أسبوعين، في حفل عائلي بسيط جدًا وخالٍ من المظاهر الزائفة التي كنت أقدسها في الماضي.
ومرت الأيام بسرعة، وجاء يوم عقد القران. تم كل شيء ببركة ودعاء من أمي ووالد ياسمين. وفي اللحظة التي وقعنا فيها على دفتر المأذون، شعرت أنني امتلكت العالم.
لم نتوجه إلى فندق فاخر، ولم نسافر إلى منتجع سياحي شهير.. بل التزمنا بالشرط الأول والأهم. وفي صباح اليوم التالي، كنا نستقل القطار المتجه إلى الصعيد.. إلى محافظة المنيا.
وعندما وصلنا إلى القرية في وقت العصر، ونزلنا أمام البوابة الخشبية القديمة لبيت أمي، نظرتُ إلى ياسمين وسألتها بابتسامة:
— “جاهزة لأول شهر جواز في البيت القديم؟”
لكن ياسمين لم تجبني.. بل اتسعت عيناها بذهول وهي تنظر إلى البيت، وتراجعت خطوتين إلى الخلف وهي تكاد لا تصدق ما تراه عيناها أمام البوابة..
توقفت ياسمين في مكانها، ونظرت إلى البيت بذهول لم أستطع تفسيره في اللحظة الأولى. التفتُّ أنا الآخر نحو البوابة الخشبية، لتسقط حقيبة السفر من يدي وتتملكني نفس الصدمة التي أصابتها.
البيت لم يكن كما تركناه!
الجدران المتآكلة المتشققة كانت قد رُممت بالكامل وطُليت بلون دافئ جميل، والسقف الصاج المائل اختفى وحلّ مكانه سقف جديد قوي ومحمي، والحوش الترابي أصبح نظيفًا ومرصوفًا ببلاط ريفي أنيق، حتى الفرن البلدي القديم تم تجديده وتنظيفه بعناية ليظل محتفظًا بأصالته.
ومن وسط هذا المشهد، خرجت أمي الحاجة زينب وهي ترتدي جلابيتها الصعيدية الجديدة الفاخرة، وعلى وجهها ابتسامة نصر وفخر هزت كياني. وقفت أمي تفتح ذراعيها لياسمين وقالت بصوت مبهج تملأه البركة:
— “أهو ده عشنا القديم يا بت الأصول.. بعد ما نضفناه واتزوق عشان يستقبل صاحبة البيت الجديدة اللي صانت الأصول ومارستش عالفقر.”
ركضت ياسمين نحو أمي وارتمت في حضنها وهي تبكي من الفرحة، بينما تقدمتُ أنا نحو أمي مذهولًا وأنا أسألها:
— “يا أمي.. إزاي؟ ومين اللي عمل كل ده في الأسبوعين اللي فاتوا؟”
نظرت إليّ أمي بنظرة حانية وقالت:
— “أنا يا ابني. الفلوس اللي كنت بتبعتها لي كل شهر وطول السنين اللي فاتت عشان أعيش بيها في القاهرة وأنا برفض، كنت بجمعها وأشيلها للزمن تحت البلاطة. ولما لقيت البنت دي شالت طين الأرض وخبزت الفجر ووافقت تعيش معايا هنا من غير شروط، قولت لازم البيت يليق بجمال قلبها. اتفقت مع عمال القرية وأعمامك، وقلبنا البيت جنة في أسبوعين عشان نرد لها جزء من قيمتها.”
التفتت ياسمين إليّ، وعيناها تلمعان بدموع السعادة، وقالت برقة:
— “المكان بقى أجمل بكتير يا أدهم.. بس والله لو كان فضل على حاله القديم، كنت هبقى مبسوطة فيه برضه، لإن البركة في اللي عايشين جواه.”
دخلنا البيت، وقضينا الأيام الأولى في الصعيد كأننا في حلم. كانت ياسمين تستيقظ مع الفجر لتساعد أمي، وأنا أخرج مع أهل القرية وأتعلم من مجالسهم ما فاتني من حكمة الحياة. شعرت لأول مرة في حياتي بمعنى الراحة الحقيقية؛ الراحة التي لا تشتريها الشقق الفاخرة في التجمع ولا المناصب الكبيرة في الشركات.
وفي نهاية الأسبوع الثاني، وبينما كنا نجمع أغراضنا للاستعداد للعودة إلى القاهرة وبدء حياتنا العملية، اقتربت مني أمي في الحوش، وأمسكت بيدي بعيدًا عن ياسمين، ووضعت في كفي مفتاحًا حديديًا قديمًا ومعه ورقة صغيرة مطوية..
نظرتُ إلى المفتاح وأنا لا أفهم معناه، فقالت لي أمي بنبرة جادة وصوت منخفض يحمل سرًا غامضًا:
— “المفتاح ده يا أدهم، بتاع الصندوق الحديد القديم اللي سابه أبوك الله يرحمه في الأوضة الجوانية.. قالي متفتحهوش ولا تديه لأدهم إلا لما يتجوز بنت أصول بجد ويثبت إنه بقى راجل يعتمد عليه ويصون السر. ادخل افتحه يا ابني وشوف أبوك كان شايلك إيه للوقت ده بالذات..”
تابعو صفحه رومانى مكرم
أخذتُ المفتاح من يد أمي ونبضات قلبي تتسارع، توجهتُ بخطوات متهيبة نحو الغرفة الجوانية، تلك الغرفة التي كانت تفوح منها دائمًا رائحة الذكريات وعبق الماضي. في الزاوية البعيدة، كان يقبع الصندوق الحديدي القديم، يعلوه قفلٌ ثقيل صدئ، لطالما رأيته في طفولتي وظننته مجرد قطعة من أثاث البيت المهجور.
وضعتُ المفتاح في القفل، ودار بصوت معدني خشن وكأنه يفتح بوابات الزمن. رفعتُ الغطاء الثقيل، فوجدتُ في الداخل قطعة قماش خضراء مطرزة بعناية، وتحتها ملف أوراق قديم وصورة لأبي وهو في عز شبابه، مبتسمًا وعيناه تحملان نفس النظرة الحكيمة التي افتقدتها لسنوات.
فتحتُ الملف، لتسقط منه المفاجأة التي لم تتوقعها أقصى خيالاتي.. كانت الأوراق عبارة عن عقود ملكية رسمية لثلاثة فدادين من أجود الأراضي الزراعية في القرية، مسجلة باسمي منذ أن كنت طفلًا، بالإضافة إلى دفتر توفير بنكي قديم تم تحديثه بانتظام، يحوي مبلغًا ماليًا كبيرًا كافيًا لبناء قصر، وليس مجرد ترميم بيت.
ومع العقود، كانت هناك رسالة بخط يد أبي، فتحتها بـأصابع ترتعش وقرأت كلماتها:
> “إلى ابني أدهم.. إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أنني رحلت، ويعني أنك أصبحت رجلًا، وتزوجت من امرأة صانتك وصانت أمك وبيتنا القديم.
> يا بني.. أنا لم أكن فقيرًا يومًا، لكنني عشت بسيطًا لأنني أدركت أن البركة في الرضا وليس في كثرة المال. لم أرد أن أترك لك هذه الأرض والمال وأنت صغير فتعميك مظاهر البندر وتظن أنك تملك العالم بقوتك. تركتك تشقى وتبني نفسك بنفسك لتنزع من قلبك الكبر والغشاوة.
> والآن، هذه الأرض هي حقك، لتزرعها بالخير، وتذكر دائمًا أن معدن الإنسان يظهر عند الغنى، ومعدن المرأة يظهر عند الفقر.. فاصن أمانتك.”
>
سقطت دموعي على رسالة أبي، وعرفت كم كان عظيمًا وبعيد النظر، وكم كنت صغيرًا عندما خجلت من هذا البيت الذي يحمل وراء جدرانه كل هذا الشرف والستر والبركة.
خرجتُ إلى الفناء والدموع لا تزال في عيني، فوجدتُ أمي تقف بجوار ياسمين، تنظران إليّ بلهفة وقلق. مشيتُ نحوهما، وانحنيتُ أقبل رأس أمي ويدها وأنا أقول بصوت خاشع:
— “الله يرحمك يا بويا.. عيشتنا مستورين، وسبتلي أكبر ورث في الدنيا.”
ثم التفتُّ إلى ياسمين، وأمسكتُ يدها، ووضعتُ رسالة أبي وعقود الأرض بين كفيها، وقلت لها أمام أمي:
— “ياسمين.. الأرض دي والعز ده كله بتاعك إنتي. إنتي اللي اشتريتي طين البيت وهو متهالك، والنهاردة الأرض دي بتفتح لك خيرها.. أنا مش هبيع الشقة في القاهرة، بس من النهارده، مفيش إجازة ولا عطلة هتعدي علينا إلا وهنكون هنا، وسط الأرض والناس اللي علموني يعني إيه راجل بجد.”
ابتسمت ياسمين وعيناها تفيضان بالدموع، وقالت وهي تنظر إلى أمي:
— “أنا محبتش الأرض لإنها ملكك يا أدهم.. أنا حبيتها لإنها جابتك ليا.”
ضمتنا أمي معًا وهي تطلق زغرودة صعيدية قوية هزت أركان البيت الجديد، لتعلن للقرية كلها أن ابن الحاجة زينب عاد لأصوله، وتزوج من ملكة توجت بيته بالستر والرضا.
في تلك الليلة، وأنا أجلس في الفناء تحت السماء الصافية، أدركت أنني بدأت الاختبار وأنا أظن نفسي حكمًا، وانتهى بي المطاف تلميذًا في مدرسة الأصول.. وأنه لولا نقاء ياسمين وبركة أمي، لكنت عشت غنيًا في جيبي، فقيرًا وخاويًا في روحي إلى الأبد.