حكايات نور محمد 2

خرج الدكتور رؤوف من غرفة العمليات وابتسامته تسبق خطواته، تنفسنا الصعداء وأمي مسكت في إيدي بقوة وكأنها خايفة تقع. قرب الدكتور منا وقال بنبرة مليانة فرحة واعتزاز: “أبشروا يا جماعة، بفضل الله ورحمته العملية نجحت بنسبة مية في المية! العدسة المعتّمة شلناها ونضفنا مجرى البصر، وتركيب العدسة الجديدة تم بأعلى دقة. الحاج عبد الرحمن في الإفاقة دلوقتي، وساعة زمن بالظبط وهينزل غرفة عادية، وبكرة الصبح أول ما نشيل الضمادة، هيفتح عينه ويشوفكم زي الفل بأمر الله!”

سجدت أمي على أرض المستشفى الاستثماري تبكي وتشكُر ربنا بصوت يهز القلوب، وأنا وقفت مشدوهة مش قادرة أستوعب السرعة اللي ربنا قلب بيها الموازين؛ من بيع خاتم جدتي في الصاغة وحيرة الفجر، لسرير في أكبر مستشفى وجراح العيون الأول في مصر بيدين لأبويا بحياته!

مرت الساعة وكأنها دقيقة، ونقلوا بابا لغرفة خاصة فاخرة، كان ناغم في نوم خفيف أثر التخدير، وعينه ملفوفة بشاش أبيض. قعدت جنبه مسكت إيده الدافية، وبقيت أتأمل وشه الطيب اللي اتجعد من الشقا. الدكتور رؤوف كان بيلف على الغرفة كل شوية بنفسه، يأكد على الممرضات يهتموا بكل تفصيلة، ومراته حليمة هانم فضلت قاعدة معانا تآنسنا وتجيب لنا أكل وعصاير، رافضة تماماً تمشي قبل ما تطمن علينا.

على الساعة تسعة بالليل، بدأ بابا يتحرك ويردد اسمي بصوت خافت: “يا بنتي… يا فاطمة…”

قربت منه بسرعة وبست إيده: “أنا هنا يا بابا، جنبك يا حبيبي، ألف سلامة عليك.. العملية خلصت ونجحت يا بركة حياتنا.”

بابا اتنفس بعمق وقال بنبرة مكسورة: “دكتور رؤوف… رؤوف هنا؟”

الدكتور رؤوف قدم خطوتين وقعد على طرف السرير، ومسك إيد بابا التانية وقال برقة: “أنا معاك يا سيادة المستشار.. أنا جنبك يا أستاذي، ومش هسيبك.”

بابا سكت شوية، والدموع بدأت تتسرب من تحت الشاش الملفوف على عينه، وقال بصوت متقطع: “أنا طول الـ ٣٥ سنة اللي فاتوا يا رؤوف، كنت خايف يكون تصرفي معاك زمان هو اللي دمر حياتي المهنية.. بس لما سمعت صوتك النهاردة وعرفت إنك بقيت الجراح العظيم ده، حسيت إن الابتلاء اللي عشته السنين دي كلها كان يسوى..”

هنا أمي وبصت لبابا بذهول وقالت له: “ابتلاء إيه يا عبد الرحمن؟! هو إيه اللي حصل بعد ما هربت الدكتور رؤوف زمان؟ انت طول عمرك قايلي إنك استقلت من النيابة عشان تتفرغ للتجارة ومشاغل الحياة!”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *