حكايات نور محمد 2

تنهد بابا تنهيدة طويلة طالعة من أعماق قلبه، وقال: “لا يا أم العيال.. أنا مستقلتش بالسهولة دي. العمدة لما عرف إني هربت رؤوف وهرّبت التقرير الطبي الحقيقي اللي بيبراه، استخدم نفوذه كله مع ناس كبار في الوزارة وقتها، ولفقوا لي تهمة استغلال نفوذ والتستر على متهم فار.. خيروني وقتها بين إني أتسجن وأتفصل بفضاحة، أو أقدم استقالتي وأختفي تماماً من الصعيد. اخترت أستر نفسي وأحميكي انتي وإخواتك، وسبت الهيئة القضائية اللي كنت بعشقها، ونزلت القاهرة اشتغلت في أعمال حرة بسيطة لحد ما الصحة راحت والفلوس خلصت.”

الكلام نزل علينا زي الصاعقة.. أمي حطت إيدها على قلبها وبكت بحرقة، وأنا دموعي نزلت على إيد بابا. الراجل الطيب ده عاش طول عمره شايل الهم ساكت، ضحى بمستقبله ومكانته الرفيعة عشان ينقذ طالب مظلوم ما يعرفوش!

الدكتور رؤوف انهار بالبكاء، وحط راسه على صدر بابا وقال وهو بيشهق: “كل ده حصل بسببي يا حاج عبد الرحمن؟! انت ضحيت بمستقبلك وكرييرك القضائي عشان حتة طالب فقير زيي؟! يا الله.. أنا دينك في رقبتي أتقل مما كنت أتخيل بكتير! والله العظيم لو قضيت باقي عمري أخدمك تحت رجليك ما هعوضك نقطة من اللي خسرته بسببي!”

بابا طبطب على راس الدكتور رؤوف وقال بحنان ألمعي: “يا بني متقولش كده.. ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً. أنا خسرت المنصب، بس ربنا رزقني بستر ورضا وبنت كحيلة العين جابرة للخواطر، ورزقك انت بالبصر والرحمة عشان تعالج آلاف المرضى.. تجارتي مع ربنا كانت أربح تجارة.”

قضينا الليلة في المستشفى، ليلة كانت أطول وأجمل ليلة في حياتنا. المشاعر كانت فياضة، وبدأت أحس إن حارة الصاغة والميكروباص والست العجوزة ماكنوش مجرد مصادفات، دي كانت شبكة غزلها القدر بدقة متناهية عشان يجمع الدائن بالمَدين بعد ٣٥ سنة!

الصبح طلع، والشمس بدأت تتسلل من شباك الغرفة الكبيرة. الساعة جات تمانية الصبح، ودخل الدكتور رؤوف ومعه فريق كامل من الأطباء والمساعدين، ووشه مليان حماس وترقب.

قرب من السرير وقال بصوت مرتعش من التوتر: “جاهز يا حاج عبد الرحمن نشوف نور ربنا سوا؟”

بابا ابتسم وقال: “توكلنا على الله يا بني.. يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *