حكايات نور محمد 2

أمي وقعت على الكرسي وهي بتبكي بكاء هستيري، وأنا وقفت قدام الدكتور رؤوف ومسكت في روبه الأبيض وقولتله بدموع محروقة: “يعني إيه يا دكتور؟! بابا جرى لعقله حاجة؟! ولا العملية فشلت وسببت له هلاوس؟ تفهمنا في إيه بالظبط!!”

الدكتور رؤوف قعد على الكرسي وغطى وشه بإيديه الاثنين، فضّل ساكت لمدة دقيقتين كاملين، ونفسه العالي صوته طالع في الأوضة. لما رفع راسه، عينيه كانت حمرا بدموع حقيقية، وبص لي ولأمي ونطق بنبرة مليانة حسرة وذهول:

“العملية نجحت نجاح باهر من الناحية الطبية يا فاطمة.. الشفافية رجعت للقرنية والعدسة مستقرة مية في المية. اللي حصل مع أباكي ده مش هلاوس ولا جنون.. اللي حصل ده ظاهرة طبية ونفسية نادرة جداً بتسمى (عقدة الذنب الارتجاعية) مع التنبيه العصبي الفجائي شبكية العين. أباكي لما النور دخل عينه فجأة بعد فترة ضلام ودواء التخدير، عقله الباطن ربط لحظة الرؤية بأكبر صدمة ونقطة تحول في حياته.. الصدمة اللي خباها جوا قلبه ٣٥ سنة ودَفنها تحت التراب.”

حرم الدكتور، حليمة هانم، قربت منه وقالتله بصوت مرتعش: “رؤوف.. هو عبد الرحمن قصده إيه؟ قتيل إيه وسر إيه اللي اندفن في الصعيد؟! انت مخبي عليا حاجة من زمان؟”

الدكتور رؤوف وقف ومشي ناحية الشباك الكاشف لشوارع القاهرة، وبص بره والتنهيدة طالعة من قعر صدره، وقال بصوت واطي ومكسور:

“أنا زمان لما حكيت لكم إن العمدة اتهمني بالسرقة ورماني في الترعة، حكيت اللي أنا أعرفه بس.. اللي أنا شفته بعيني وأنا مغمي عليا ومضروب. بس عبد الرحمن بيه وقتها، لما جه يعاين مكان الجري\مة في قرية أم قصور، اكتشف حاجة أبشع بكثير من مجرد سرقة وتلفيق ق\ضية لـ طالب فقير..”

التفت لنا الدكتور رؤوف وكمل كلامه والغموض بيكتم أنفاس الأوضة:

“ليلة السرقة دي، الغفير بتاع العمدة اختفى تماماً، والناس لقوا جثته طافية في الترعة بعد ثلاثة أيام. العمدة وقتها لبّسني أنا ق\ضية السرقة وق\ضية قت\ل الغفير، وقفل القفش بفلوسه ونفوذه. عبد الرحمن بيه وقتها، بذكائه وكفاءته كوكيل نيابة، قدر يثبت إن أنا ماليش علاقة بالقتيل ولا بالسرقة برمتها، وأفرج عني وحماني بهروبي للقاهرة.. بس اللي أنا ماكنتش أعرفه، واللي عرفته النهاردة من كلامه وسط الهلاوس.. إن عبد الرحمن بيه اكتشف الفاعل الحقيقي لقتلة الغفير!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *