حكايات نور محمد 2

سألت بصوت أبح ومرعوب: “ومين الفاعل الحقيقي يا دكتور؟! وليه بابا ما قبضش عليه وساب الهيئة القضائية واستقال واستخبى طول السنين دي؟!”
قرب الدكتور رؤوف مني، وبص في عيني بجمود وقشعريرة وقال:
“لأن الفاعل الحقيقي ما كانش العمدة ولا أتباعه.. الفاعل الحقيقي كان شخص مظلوم تاني، شخص عبد الرحمن بيه كان بيحبه ويعزه جداً، وعلشان يحميه من المشنقة ومن بطش العمدة، اضطر عبد الرحمن بيه يزوّر تقرير المعاينة الأولي ويقفل الق\ضية ضد مجهول، ويكتب استقالته بيديه ويعيش بقية حياته يطارد بأشباح الذنب والظلم!”
أمي صرخت بصوت خافت: “مين الشخص ده يا رؤوف؟! مين اللي عبد الرحمن ضحى بعمره ومستقبله واسمه وسمعته علشانه؟!”
الدكتور رؤوف التفت ورا، وبص لسرير بابا اللي نايم عليه تحت تأثير المخدر، ونزل رأسه للأرض وقال بنبرة قطعت قلوبنا:
“الشخص ده.. يبقى أخو الحاج عبد الرحمن الصغير.. عمِك (توفيق) يا فاطمة! اللي كنتوا فاكرين إنه هاجر بلاد ربنا ومات من ٣٠ سنة.. عمِك اللي طلع عايش، والسر اللي استخبى طول السنين دي، هو إن توفيق موجود هنا في القاهرة.. وجاي المستشفى دي حالا!!”
انقبض قلبي وانقطعت أنفاس أمي مع كلمته الأخيرة. العم “توفيق” اللي عاشت العيلة تسع سنوات تحكي عنه كأنه طيف ومات في الغربة، طلع حقيقة، وطلعت قصته هي الجرح اللي نزف منه عمر بابا ومستقبله!
دقائق معدودة، واتفتح باب الغرفة بالراحة. دخل راجل كبير، شعره أبيض زي التلج، ملامحه نسخة مكسورة من بابا، وخطواته بتقترب بالبطء وكأنه شايل جبل على كتفه. أول ما عينه جت على بابا وهو نايم على السرير وعينه ملفوفة بالشاش، جثا على ركبه جنب السرير وبكى بكاء حاد صامت، صوته كان كأنه طالع من بير مهجور.
التفت لينا توفيق عمي، وبص لأمي ودموعه مغرقة وشه وقال بصوت مبشوح: “سامحيني يا زوجة أخي.. سامحيني يا فاطمة يا بنتي. عبد الرحمن أخويا الكبير، شال ذنبي وعاري ٣٥ سنة. ليلة حادثة العمدة، الغفير حاول يعتدي عليا ويقتلني لما كشفت إنه هو اللي بيسرق خزنة العمدة وبيشيلها للولد الصغير رؤوف.. دافعت عن نفسي وزقيته، وقع في الترعة ومات. أنا جرت على عبد الرحمن وأنا بترعش ودمي هربان مني، وحكيت له.. عبد الرحمن كان قدامه خيارين: إما يسيبني للمشنقة ولتأر العمدة، أو يضحى هو بكل حاجة. اختار يحميني، سفرني بره مصر وكتب استقالته ودفن سره، وعاش العمر كله حاسس بمرارة إنه خالف الضمير عشان ينقذ روح أخوه!”
