حكايات نور محمد 2

بدأ الدكتور رؤوف يفك أربطة الشاش بحذر شديد، طبقة ورا طبقة. الأوضة كلها سادها صمت رهيب، حتى أنفاسنا كنا بنحبسها. أمي كانت بتسبح على صوابعها بسرعة، وأنا ماسكة إيد بابا التانية وبدعي من كل قلبي.
لما شال آخر طبقة من القطن، طلب الدكتور رؤوف من بابا يفتح عينه بالراحة.. بابا بدأ يرمش بتعب، عينه كانت حمرا ومدمعة من أثر الجراحة والضوء. فتح عينه نص فتحة، وفضل يبص حواليه بذهول وصمت تام لمدة دقيقة كاملة!
الدكتور رؤوف سأله بلهفة وزياد توتر: “شايفني يا حاج؟ شايف الضوء؟ قولي شايف إيه؟!”
بابا فضل يبص في وش الدكتور رؤوف، وبعدين نقل نظره لأمي، وبعدين بص لي أنا.. ودموعه بدأت تنزل بغزارة، بس المرة دي كانت دموع ذهول وصدمة حقيقية! بابا مسك إيدي بقوة مرعبة، وبص للدكتور رؤوف وقال بصوت مرعوب ومهزوز:
“رؤوف… الضوء واضح وكل حاجة باينة جداً.. بس… بس الوشوش اللي أنا شايفها دي مش وشوشكم!! انت مين؟! وبنتي دي مين؟! أنا شايف ناس تانية خالص واقفة في الأوضة!!”
ساد صمت مرعب في الأوضة، صمت يقطع النفس. الدكتور رؤوف اتجمد في مكانه، ووشه اتخطف وبقى أصفر زي الورقة. الممرضين بصوا لبعض بذهول، وأمي صرخت وهي بتحط إيدها على قلبها: “عبد الرحمن! انت بتقول إيه يا راجل؟! أنا مرتك إلهام.. ودي فاطمة بنتك! أومال انت شايف مين?!”
أنا إيدي اتجمدت في إيد بابا، ورجليا مابقتش شايلاني. بابا كان بيرمش بسرعة، ودموعه نازلة بغزارة على خده، وعينه بتتثبت على نقطة في الفراغ ورا الدكتور رؤوف، ويهز راسه بنفي ورعب وهو بيصرخ بصوت مكتوم: “مش انتوا.. أنا شايف وِشوش قديمة! شايف الوشوش اللي كانت في الصعيد من ٣٥ سنة! شايف العمدة وواقف وراه الراجل اللي اتقتل في الترعة! شايفهم واقفين في زاوية الأوضة ويبتسموا بقلة حيلة.. يا رؤوف! العين دي مش بتشوف الحاضر.. العين دي بتشوف اللي فات!!”
الدكتور رؤوف مسك كشاف الفحص الصغير فوراً، إيده كانت بتتفض وهو بيسلط الضوء على عين بابا. نادى على نائبه بصوت أبح ومذعور: “هات حُقنة التهدئة فوراً! وجيب جهاز الفحص المقطعي للشبكية على الغرفة هنا بسرعة!”
الأوضة تحولت لغرفة عمليات مصغرة في ثواني. بابا كان بيتنفس بصعوبة، وعرق بارد مغرق جبهته، وعينه بترمش بهستيريا وهو بيكرر: “السر اللي اندفن في الصعيد طلع يا رؤوف.. السر اللي أنا استقلت علشانه مش هو الحقيقة كلها! الراجل اللي اتقتل في الترعة زمان ما ماتش من الضرب.. الراجل ده…” وقبل ما يكمل الجملة، حقنة التهدئة بدأت تفعل فعلها، وجفونه تقلت واستسلم للنوم تدريجياً، وعينه انقفلت وسط ذهولنا ورعبنا.
