حكايات امانى السيد 2
مسكت الكشكول وإيدي بتترعش، والسطر اللي قريته كان مكتوب بخط يوسف الصغير: “أنا بحب ماما سلوى أكتر، ونفسي أعيش معاها علطول بس خايف ماما نجوى تشتكي لبابا ويزعل مني، ماما نجوى دايماً عصبية وبتزعق عشان المذاكرة، لكن ماما سلوى كلامها حلو ومش بتخليني أعمل حاجة غصب عني”.
السطر ده كان رصاصة في قلبي. الكشكول وقع من إيدي، وقعدت على الأرض مش قادرة أصلب طولي. الدموع مكنتش قادرة تنزل من كتر الصدمة.. أنا العصبية؟ أنا السجانة عشان كنت بخاف على مستقبله؟ وهي الملاك عشان بتسيبه يلعب ويضيع وقته؟
فاتوا اليومين وأنا زي الج*ثة الهامدة، لا باكل ولا بشرب، قاعدة في الصالة مستنية يوم الأحد ييجي.. مش عشان أخد ابني في حضني زي كل مرة، لأ.. عشان المواجهة.
يوم الأحد العصر، الباب اتفتح ودخل يوسف وهو بيغني ومبسوط، وفي إيده كيس كبير فيه لبس جديد، ووراه محمود. أول ما شافوني قاعدة ومطفية النور، يوسف سكت ومحمود استغرب وقال: “جرى إيه يا نجوى؟ قاعدة في الضلمة ليه كأنه بيت قسا؟”
وقفت على رجلي بكل ثبات، وبصيت ليوسف وقولتله بصوت قاطع مفيش فيه أي عاطفة: “ادخل أوضتك يا يوسف.. واقفل الباب”.
الولد حس بنبرتي الغريبة ودخل جري وقفل الباب.
التفتّ لمحمود وقولتله: “محمود.. ابنك مش هيروح هناك تاني.. أبداً”.
محمود جز على سنانه وقرب مني وزعق: “أنتِ هترجعي للاسطوانة المشروخة دي تاني؟ أنا مش قولتلك الكلمة دي متتقالش؟”
طلعت الكشكول من ورا ضهري ورميته في وشه وقولتله بعياط وقهر صدمه: “اقرأ! اقرأ ابنك اللي شيلته وتعبت فيه كاتب إيه! ابنك عايز يسيبني ويعيش معاها.. ابنك شايفني الشغالة العصبية وشايفها هي الجنة.. أنت دمرتني ودمرت علاقتي بابني عشان ترضي الست بتاعتك!”.
محمود مسك الكشكول وقرأ السطر، ملامحه اتهزت لثواني، لكن الكبر عماه، رمى الكشكول على التربيزة وقال ببرود: “وعادي يعني؟ عيل صغير وكاتب كلمتين في وقت زعل.. وبعدين ما هو عنده حق، أنتِ علطول وموزة وقافلة عليه، والست بتهنن وبتدلع.. سيبيه يحبها، إيه اللي حارق دمك؟”
بصيت له بنظرة احتقار لأول مرة في حياتي وقولتله: “اللي حارق دمي إني بني ادمة.. إني الأم.. إني ضحيت بكل حاجة عشانك وعشانها وفي الآخر بتسرقوا مني ابني بالبطيء.. محمود، لو يوسف عتب بيت سلوى تاني، أنا مش هقعدلك في البيت ده ساعة واحدة”.
محمود ضحك بسخرية وقال: “تخربيها؟ وعشان إيه؟ عشان غيرة ستات؟ أعلى ما في خيلك اركبيه يا نجوى، يوسف هيروح يعني هيروح، والبيت ده بيتي والولد ابني، وأنتِ مالكيش كلمة عليه”.
سابني ودخل نام، وأنا فضلت صاحية طول الليل بكلم نفسي. الشرخ خلاص مابقاش شرخ، ده بقى زلزال هدم كل حاجة.
تاني يوم الصبح، محمود نزل الشغل، ويوسف كان قاعد في أوضته خايف ومبيكلمنيش. دخلت عليه الأوضة، لقيت السلسلة الفضة في رقبته. قربت منه وبكل هدوء سحبت السلسلة من رقبته وقطعتها.
يوسف صرخ وقال: “أنتِ عملتي إيه؟ دي بتاعة ماما سلوى! أنا بكرهك!”.
الكلمة طلعت منه زي الس*كينة.. “أنا بكرهك”.
بصيت له ودموعي نازلة وقولتله: “هتكرهني يا يوسف؟ عشان بخاف عليك؟ ماشي.. خلي ماما سلوى تنفعك”.
أخدت شنطة هدومي، ولميت كل حاجتي الأساسية، ومسكت موبايلي واتصلت بأخويا الكبر، وقولتله وصوتي كله مرار: “تعالي خدني يا أخويا.. أنا مابقاش ليا عيش في البيت ده”.
نزلت من البيت والشنطة في إيدي، سبت يوسف واقف مذهول ومبرق مش مصدق إني بجد ماشية وسايباه.. سبتله البيت اللي ضيعت فيه عمري وصحتي، وخرجت وأنا مش شايفة قدامي.
بعد ساعتين وأنا في بيت أخويا، تليفوني رن.. كان محمود، وكنت فاكرة إنه بيتصل يزعق أو يرجعني، بس أول ما فتحت الخط، سمعت صوت صريخ وعياط هستيري من محمود وهو بيقول: “الحقيني يا نجوى.. يوسف تاه.. يوسف نزل وراكِ الشارع ومش لاقيينه!”.
الدنيا اسودت في عيني، والتليفون وقع من إيدي على الأرض. صرخة محمود كانت بترن في ودني وزلزلت كياني كله.. “يوسف تاه!”.
في لحظة، نسيت قهرتي، ونسيت كشكول المذكرات، ونسيت السلسلة الفضة اللي قطعتها، ونسيت إنه قالي بكرهك. كل اللي افتكرته هو شكله وهو لسه حتة لحمة حمراء بين إيديا، وأنا بسهر تحت رجليه بالليالي لما حرارته تزيد.
نزلت جري مع أخويا، وركبنا العربية ورجعنا على منطقتنا وأنا بجري في الشوارع زي المجنونة، بصرخ بأعلو صوتي: “يوسف! يا يوسف!”.
وصلت عند البيت، لقيت محمود واقف مع الجيران في الشارع، ووشه أصفر زي الليمونة ومذهول. أول ما شافني، جري عليا وقال بصوت مرعوب: “نزلت وراكِ يا نجوى.. البواب قالي إنه شاف يوسف طالع بيجري وراكِ بعد ما مشيتي بدقائق، ومفتكرش إنه تاه، افتكر إنه لحقك ومشي معاكِ!”.
قعدت على الرصيف في نص الشارع، بضرب على وشي وبعيط بدموع الدم: “ابني ضاع.. ابني راح مني يا محمود! ذنبي إيه؟ أنا عملت إيه عشان أموت بالبطيء كده؟”
بدأنا ندور في كل حتة.. سألنا المحلات، فتحنا الكاميرات في الشارع، لكن يوسف مكنش ليه أي أثر، كأنه فص ملح وداب. الساعات كانت بتمر عليا كأنها سنين، والشمس بدأت تغيب، وضلمة الليل نزلت فوق قلبي تزيد عتمته.
وفجأة، وسط الوشوش والزحمة، لقيت عربية محمود القديمة بتقف، ونزلت منها “سلوى”.
كانت جاية ووشها باين عليه الخضة، بس أول ما عيني جت في عينها، حسيت بنار حرقت كل الخوف اللي جوايا. سلوى قربت من محمود وقالت بصوت ملهوف: “إيه يا محمود؟ لسه ملقتهوش؟ يوسف فين؟ طمني!”.
وقفت على رجلي زي الأسد الجريح، ومسكتها من هدومها وسط الشارع وزعقت بكل قهر السنين: “أنتِ السبب! أنتِ اللي سرقتي مني ابني، وعميتِ عينه بكلامك ودلعك لحد ما مبقاش شايف أمه.. ابنك ضاع عشان كان هربان مني ورايحلك، أو كان بيجري ورايا وهو مش عارف هو عايز مين فينا! أنتِ خربتِ بيتي وعايزة تاخدي حتة من قلبي!”.
سلوى بدأت تعيط وتتراجع لورا وهي بتقول: “أنا يا نجوى؟ أنا كنت بحبه وبحب أعوض حرماني فيه.. أنا مكنتش عايزة أخد مكانك!”.
محمود شدني منها وزعق: “مش وقته خناق ستات يا نجوى! الولد مش لاقيينه، ارحمونا بقى!”.
سبتهم هما الاتنين واقفين مع بعض، وحسيت إن مفيش فايدة من الكلام. سيبت الشارع وطلعت على شقتي.. شقتي الفاضية والضلمة. دخلت أوضة يوسف، وارتميت على سريره، وأنا بشم هدومه وبتوجع.
مسكت الكشكول بتاعه تاني من على الأرض، وفضلت أعيط وأنا بقول: “يرجع بس.. يرجع ومش عايزة كلمة ماما تاني يا يوسف، يرجع وميروحش لغيرك يا رب.. رجعهولي بالسلامة”.
وفجأة، التليفون الأرضي في الصالة رن بصوت عالي ومفزع وسط السكوت. جريت عليه زي المجنونة ورفعت السماعة وإيدي دقات قلبي واصلة لودني.
رد عليا صوت راجل غريب، صوته كان غليظ ومخيف، وقال ببرود: “أنتِ أم يوسف؟”
قولتله وأنا بنهج: “آه.. أنا أمه! يوسف معاك؟ يوسف جراله حاجة؟”
الراجل ضحك ضحكة خبيثة وقالي: “ابنك معايا وفي الحفظ والصون.. بس عشان يرجعلك، لازم تدفعي التمن اللي يخليني أرجعه.. وتمن يوسف غالي أوي يا مدام”.
وقعت السماعة من إيدي، والبيت كله لف بيا. صوته الغليظ كان لسه بيرن في ودني “تمن يوسف غالي أوي”. نزلت جري على الشارع وأنا بصرخ، ومحمود وسلوى أول ما شافوا منظري جريوا عليا.
مسكت محمود من قميصه وقولتله وأنا بنهج: “ابنك اتمسك.. في عصابة خطفته وطلبوا فدية! اتصرف يا محمود، رجعلي ابني!”.
محمود وشه جاب مية لون، وسلوى حطت إيدها على بوقها وبدأت تصوت. في ثواني، الشارع كله اتقلب، ومحمود سحبني وطلعنا على الشقة عشان نستنى المكالمة التانية بعد ما كلمنا الشرطة اللي طلبت مننا نساير الخاطف عشان يحددوا مكانه.
قعدنا في الصالة.. أنا في ناحية، ومحمود وسلوى في ناحية تانية. الساعات اللي مرت كانت أصعب من الموت. كنت ببص لسلوى وهي بتبكي، وببص لمحمود اللي عينه مكسورة، وحسيت فجأة بإن الدنيا دي تافهة أوي.. كل خناقاتنا على مين فينا “ماما” ومين اللي بيكسب رضاه، انتهت بأن ابني ممكن يروح مننا إحنا الاتنين.
بعد نص الليل، التليفون رن تاني. محمود رفع السماعة وإيده بترتعش والشرطة بتسجل: “أيوة.. أنا واد يوسف، عايز كام وتاخد اللي أنت عايزه بس ابني يرجعلي”.
الراجل رد بقسوة: “نص مليون جنيه.. يبقوا جاهزين بكره العصر، وهكلمك أقولك هتحط الفلوس فين.. وأي حركات مع الحكومة، هتوفروا فلوسكم وتستعوضوا ربنا في ابنكم”.
الخط قطع. محمود حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بقلة حيلة: “نص مليون؟ هجيبهم منين في كام ساعة؟ أنا لو بعت كل حيلتي مش هجيب ربع المبلغ ده!”.
في اللحظة دي، سلوى وقفت، وبصت لمحمود وقالتله بدموع ونبرة فيها حسم لأول مرة: “أنا هبيع دهبي كله يا محمود.. وعندي شهادة في البنك هكسرها الصبح.. يوسف مش ابنك لوحدك، يوسف ابني أنا كمان واللي عشت بيه الدنيا.. الفلوس هتبقى جاهزة”.
بصيت لسلوى، وسبحان من نزلت في قلبي لقطة صفا ناحيتها.. عرفت في اللحظة دي إنها مكنتش بتسرق ابني خبثاً، هي فعلاً كانت محرومة ولقيت فيه حلم الأمومة، وحبته بجد لدرجة إنها مستعدة تضحي بكل ما تملك عشان يرجع.
الصبح جه، والشرطة كانت مجهزة كل حاجة وبتراقب الخطوط. الفلوس جهزت بفضل دهب سلوى وفلوس محمود اللي استلفها. المكالمة التالتة جت، والخاطف حدد المكان؛ حتة مقطوعة ورا المدافن.
محمود أخد الشنطة وخرج مع رجال الشرطة اللي كانوا متخفيين، وفضلت أنا وسلوى في الشقة.
قعدنا ل أول مرة جنب بعض، مفيش بيننا غيرة، مفيش بيننا خناق.. في بيننا وجع واحد وأمنية واحدة. سلوى قربت مني، ومسكت إيدي وقالتلي بصوت مخنوق: “سامحيني يا نجوى.. أنا مكنتش عايزة أخد مكانك، أنا بس صدقت الكذبة من كتر ما كان نفسي أكون أم.. يوسف ابنك أنتِ، أنتِ اللي تعبتِ وشيلتِ”.
دموعي نزلت وقولتلها: “المهم يرجع يا سلوى.. يرجع ومش مهم يقول لمين فينا يا ماما.. المهم يعيش”.
مرت ساعتين كأنهم دهر.. وفجأة، الباب اتفتح.
دخل محمود، وفي حضنه يوسف! يوسف كان متبهدل، وشه عليه تراب، وعينه حمرا من العياط والخوف.
أول ما شافني، ساب إيد باباه وجري عليا.. اترمى في حضني بكل قوته، وفضل يصرخ بعلو صوته: “ماما! سامحيني يا ماما.. أنا أسف، متسبنيش تاني يا ماما.. أنا بحبك أنتِ”.
حضنته وكنت بضم ضلوعه لضلوعي كأني برتّق الشرخ اللي في قلبي.. كنت بعيط وبغسل بدموعي كل قهر السنين. يوسف التفت لـ سلوى اللي كانت واقفة بعيد ودموعها نازلة بفرحة، جري عليها وحضنها وقالها: “شكراً يا ماما سلوى.. بابا قالي إنك بعتِ حاجتك عشان ترجعيني”.
الحادثة دي غيرت كل حاجة في بيتنا. الشرخ لمّ، بس بطريقة تانية خالص. محمود عرف قيمتي وعرف إن الكبر كان هيضيع بيته، وبقى بيحترمني ويعملي ألف حساب بعد ما شاف إني كنت مستعدة أموت ورا ابني.
أما يوسف.. فبقى عارف كويس مين أمه اللي شالته وتعبت فيه، ومبقاش يبخل عليا بكلمة “ماما”، بل بالعكس، بقى يجي يشكيلي ويحكيلي كل حاجة، وعرف إن خوفي عليه كان حب مش سجن. وسلوى؟ مابقتش عدوتي.. بقت الست اللي شاركتني في حب ابني وحمته في وقت شدته. يوسف فضل يروح عندها، بس المرة دي بيروح وهو عارف ومحدد مكاني في قلبه.. وأنا رضيت، لأن الصبر في الآخر رجعلي ابني، بس المرة دي.. رجعهولي وهو شايفني بقلبه وعقله، مش بس بالاسم.
