حكايات اسما السيد 2

الفصل الثالث

بعد ثلاثة أيام من ليلة الزفاف…

كانت القاهرة كلها تتحدث.

الصحف الاقتصادية.

مواقع الأخبار.

اجتماعات المستثمرين.

حفلات رجال الأعمال.

الجميع يطرح السؤال نفسه:

كيف انهارت شركة الشاذلي بهذه السرعة؟

قبل أسبوع واحد فقط كانت الشركة تظهر في كل مكان.

إعلانات.

مشروعات جديدة.

توسعات ضخمة.

وعقود بمئات الملايين.

ثم فجأة…

بدأ كل شيء ينهار كبيت من ورق.

أما كريم…

فكان يجلس داخل مكتبه شبه الفارغ.

أمام شاشة الحاسوب.

يراجع الأرقام للمرة العشرين.

وكأنها ستتغير إذا نظر إليها أكثر.

لكنها لم تتغير.

الخسائر كانت حقيقية.

والديون حقيقية.

والمصيبة الأكبر…

أن معظم نجاحاته السابقة لم تكن تخصه أصلًا.

كل مشروع كبير نفذه كان خلفه دعم غير مباشر من مجموعة عبد الرحمن.

كل مستثمر دخل الشركة كان يعرف سارة أو يحترم اسم عائلتها.

كل قرض حصل عليه تم بسبب الضمانات التي قدمتها هي.

والآن…

اختفى كل ذلك.

كأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميه.

رن هاتفه.

ظهر اسم ياسمين.

تنهد ورد.

“أيوه.”

جاءه صوتها الحاد:

“إنت فين؟”

أغلق عينيه.

“في الشركة.”

“أنا بقالي يومين مشوفتكش.”

لم يجب.

فقالت بانزعاج:

“إيه اللي بيحصل يا كريم؟”

ساد الصمت.

ثم قال أخيرًا:

“في مشاكل.”

ضحكت بسخرية.

“مشاكل؟”

ثم أضافت:

“أنا سمعت إن حساباتك اتجمدت.”

رفع رأسه فجأة.

“مين قالك؟”

لكنها تجاهلت السؤال.

وقالت شيئًا جعله يشعر بشيء غريب لأول مرة.

قالت:

“المهم إنك تحل الموضوع بسرعة.”

لم تقل:

أنا جنبك.

لم تقل:

هنعدي الأزمة سوا.

قالت فقط:

حل المشكلة.

ثم أغلقت الخط.

وبقي كريم ينظر إلى الهاتف.

ويشعر بشيء يشبه البرودة يتسلل إلى صدره.

—

في مساء اليوم نفسه…

كنت أجلس في قاعة اجتماعات ضخمة داخل مقر المجموعة.

أمام طاولة طويلة من الخشب الأسود.

حولها عشرات المديرين التنفيذيين.

وكان الاجتماع يسير بشكل طبيعي.

حتى دخلت مساعدتي الخاصة.

واقتربت بهدوء.

ثم وضعت ملفًا أمامي.

وقالت:

“وصل.”

نظرت إلى الملف.

ثم فتحت الصفحة الأولى.

وبمجرد أن قرأت السطر الأول…

ابتسمت.

القطعة الأخيرة من اللغز وصلت أخيرًا.

—

الملف لم يكن عن كريم.

بل عن ياسمين.

صديقة العمر.

الحب الكبير.

المرأة التي تركني من أجلها ليلة زفافنا.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

خلال الأشهر الماضية…

بدأ قسم التحقيقات الخاص بالمجموعة يجمع معلومات عنها.

ليس بدافع الغيرة.

بل لأن بعض التحويلات المالية الغريبة ظهرت داخل إحدى الشركات التابعة لنا.

وفي البداية…

ظننا أنها مجرد أخطاء محاسبية.

لكن كل خيط كان يقود إلى اسم واحد.

ياسمين.

فتحت الصفحة الثانية.

ثم الثالثة.

ثم الرابعة.

وكلما تقدمت أكثر…

ازداد حجم الخيانة.

لم تكن تخدعني أنا فقط.

كانت تخدع كريم أيضًا.

—

في تلك الليلة…

طلبت من مساعدتي ترتيب اجتماع خاص.

اجتماع لا يعلم به أحد.

وفي صباح اليوم التالي…

وصل الشخص المطلوب.

دخل رجل في أواخر الأربعينات.

يرتدي بدلة أنيقة.

ويبدو عليه التوتر.

جلس أمامي.

ثم قال:

“حضرتك طلبتيني؟”

أومأت.

ودفعت الملف نحوه.

“عايزة الحقيقة كاملة.”

ابتلع ريقه.

ثم فتح الملف.

وبعد لحظات…

أدرك أن الإنكار مستحيل.

خفض رأسه.

وقال:

“أنا هقول كل حاجة.”

—

في نفس الوقت…

كان كريم متجهًا إلى شقة ياسمين.

بعد أيام من التوتر.

كان يريد التحدث معها.

كان يحتاج شخصًا يقف بجانبه.

أي شخص.

وصل إلى البناية.

وصعد.

واستخدم المفتاح الذي أعطته له بنفسها.

فتح الباب.

ودخل.

ثم تجمد مكانه.

لأن أصواتًا كانت تأتي من الداخل.

ضحكات.

وموسيقى.

وأصوات رجال.

عقد حاجبيه.

وتقدم ببطء.

ثم وصل إلى الصالة.

وهناك…

شعر أن قلبه توقف.

ياسمين كانت تجلس على الأريكة.

تضحك.

وفي يدها كأس عصير.

وبجوارها رجل لا يعرفه.

لكن الصدمة لم تكن في وجود الرجل.

بل في الشيء الذي سمعه بعدها.

قال الرجل مبتسمًا:

“إمتى هتخلصي منه بقى؟”

ضحكت ياسمين.

ضحكة طويلة.

مريحة.

ثم قالت:

“قريب.”

تجمد كريم.

وشعر بالدم يتجمد داخل عروقه.

أكمل الرجل:

“واضح إنه لسه متعلق بيكي.”

رفعت ياسمين كتفيها بلا مبالاة.

وقالت:

“طبيعي.”

ثم أضافت وهي تضحك:

“الراجل ده أسهل واحد لعبت بيه في حياتي.”

في تلك اللحظة…

سقط شيء داخل كريم.

شيء لم يعد قادرًا على إصلاحه.

—

أما أنا…

فكنت أنظر إلى التقرير الأخير أمامي.

وأقرأ السطر الأخطر كله.

السطر الذي يثبت أن ياسمين لم تكن مجرد امرأة تستغل كريم.

بل كانت متورطة في عملية اختلاس ضخمة.

عملية بدأت منذ عامين.

واستخدمت فيها اسم كريم نفسه.

من دون أن يعرف.

رفعت عيني عن الورقة.

ونظرت إلى المدينة خلف الزجاج.

ثم همست:

“وأخيرًا.”

لأن الحرب الحقيقية…

لم تبدأ بعد.

ولأن كريم لم يكن يعلم أن الكابوس الذي يعيشه الآن…

مجرد مقدمة.

أما الفصل القادم…

فسيشهد سقوط ياسمين بالكامل.

وكشف المستندات التي يمكن أن ترسلها إلى السجن لسنوات طويلة.

وفي اللحظة التي يكتشف فيها كريم حجم الخدعة…

سيعرف أنه خسر المرأة الوحيدة التي أحبته بصدق.

لكن بعد فوات الأوان.

الفصل الرابع

لم يتحرك كريم لعدة ثوانٍ.

ظل واقفًا خلف باب الصالة.

غير قادر على استيعاب ما سمعه.

كلمات ياسمين كانت ما تزال تتردد داخل رأسه.

“الراجل ده أسهل واحد لعبت بيه في حياتي.”

شعر وكأن أحدهم ضربه في صدره بقوة.

سنوات كاملة.

سنوات كان يدافع عنها فيها أمام الجميع.

سنوات كان يبرر وجودها في حياته.

ويغضب من أي شخص ينتقدها.

بل ويترك زوجته ليلة زفافه من أجلها.

وفي النهاية…

كانت تسخر منه.

وتعتبره مجرد لعبة.

رفع رأسه ببطء.

ثم دخل الصالة.

فجأة.

توقفت الضحكات.

واختفت الابتسامة من وجه ياسمين.

وقف الرجل الغريب بسرعة.

أما كريم…

فكان ينظر إليها فقط.

نظرة باردة.

مختلفة.

لأول مرة.

قال بصوت منخفض:

“كملي.”

ارتبكت ياسمين.

“كريم… إنت جيت إمتى؟”

لم يجب.

بل كرر:

“كملي الكلام.”

بدأ التوتر يظهر على وجهها.

وقالت بسرعة:

“إنت فاهم غلط.”

ضحك كريم.

لكن ضحكته كانت مخيفة.

خالية من أي مشاعر.

وقال:

“أنا كنت واقف من أول الجملة.”

ساد الصمت.

أما الرجل الجالس بجوارها…

فأخذ مفاتيحه وتحرك نحو الباب.

واضح أنه لا يريد البقاء.

لكن كريم أوقفه.

“اقعد.”

تجمد الرجل.

وأكمل كريم:

“طالما كنتوا بتتكلموا عني… يبقى أسمع الباقي.”

—

في الجهة الأخرى من المدينة…

كنت أجلس داخل قاعة مجلس الإدارة.

أمام شاشة ضخمة.

وخلفي أعضاء المجلس.

والمستشارون القانونيون.

وعدد من كبار المستثمرين.

الجميع كان ينتظر بدء الاجتماع الطارئ.

الخبر الذي وصلنا قبل ساعات كان كافيًا لإشعال عاصفة.

أحد البنوك أرسل تقريرًا رسميًا.

يتضمن تحويلات مالية مشبوهة.

وأسماء شركات وهمية.

وتوقيعات مزورة.

وكل الخيوط…

كانت تؤدي إلى ياسمين.

لكن المفاجأة الأكبر…

أن اسم كريم ظهر في عدد من الأوراق.

كمدير معتمد.

وكصاحب توقيع.

وكشريك مسؤول.

رغم أنه لم يكن يعلم شيئًا.

وضعت الملف فوق الطاولة.

ثم قلت بهدوء:

“ابدؤوا الإجراءات.”

فأجاب المستشار القانوني فورًا:

“تم تجهيز البلاغ.”

أومأت.

وانطلقت العاصفة.

—

في شقة ياسمين…

بدأت الحقيقة تظهر قطعة قطعة.

بعد نصف ساعة من المواجهة…

انهارت أعصابها.

وقالت بعصبية:

“أيوة استغليتك.”

اتسعت عينا كريم.

لكنها لم تتوقف.

بل أكملت:

“وأيوة كنت محتاجاك.”

“وأيوة خليتك تعمل حاجات من غير ما تفهم.”

شعر كريم بأن الغرفة تدور حوله.

قال بصوت مبحوح:

“يعني إيه؟”

ردت بعنف:

“يعني كل الأوراق اللي كنت بمضيهالك.”

“كل الشركات اللي كنت بقولك استثمر فيها.”

“كل الحسابات اللي كنت بفتحها.”

ثم ابتسمت بسخرية.

“كنت مجرد توقيع.”

كأنها أطلقت عليه الرصاصة الأخيرة.

—

وفي تلك اللحظة بالذات…

رن هاتف كريم.

نظر إلى الشاشة.

ثم فتح المكالمة.

جاءه صوت محاميه.

مرتبكًا.

مذعورًا.

“كريم… لازم تيجي حالًا.”

عقد حاجبيه.

“في إيه؟”

جاء الرد الذي غير كل شيء.

“في مذكرة تحقيق.”

تجمد.

“إيه؟”

“وفي أوامر فحص مالي.”

ثم أضاف المحامي:

“وإنت اسمك موجود.”

شعر كريم بأن الدم اختفى من وجهه.

أما ياسمين…

ففقدت لونها فجأة.

لأنها فهمت أن اللعبة انتهت.

—

بعد ساعات قليلة…

كانت الأخبار تنتشر بسرعة هائلة.

الصحف الإلكترونية.

القنوات الاقتصادية.

المواقع الإخبارية.

كلها تتحدث عن القضية الجديدة.

قضية اختلاس وغسيل أموال بمبالغ ضخمة.

وأسماء معروفة متورطة فيها.

وبين الأسماء…

ظهر اسم ياسمين.

وظهر اسم كريم.

لكن بشكل مختلف.

الأوراق أثبتت أنه كان واجهة قانونية فقط.

أما المستفيد الحقيقي…

فكان شخصًا آخر.

شخصًا حاول الاختباء لسنوات.

وفشل.

—

في صباح اليوم التالي…

وصل كريم إلى مقر مجموعة عبد الرحمن.

لكن هذه المرة لم يكن غاضبًا.

ولا متكبرًا.

ولا حتى واثقًا.

كان منهارًا.

وقف أمام مكتبي.

ونظر إلي طويلًا.

ثم قال بصوت مكسور:

“كنتِ عارفة؟”

أغلقت الملف أمامي.

وأجبته بهدوء:

“أيوة.”

خفض رأسه.

“من إمتى؟”

“من شهور.”

أغمض عينيه.

وكأن الجواب زاده ألمًا.

ثم همس:

“وليه ما قولتيليش؟”

نظرت إليه للحظات.

ثم قلت:

“قولتلك.”

رفع رأسه باستغراب.

فأكملت:

“مئات المرات.”

“كل مرة كنت بحذرك منها.”

“كل مرة كنت بقولك خليك حذر.”

“كل مرة كنت بقولك راجع الورق.”

“كل مرة كنت بقولك متثقش فيها بالشكل ده.”

ثم ابتسمت بحزن.

“لكن إنت كنت شايفني الزوجة الغيورة.”

انخفضت عيناه إلى الأرض.

لأنه تذكر.

تذكر كل مرة سخر مني.

كل مرة تجاهل كلامي.

كل مرة دافع عنها ضدي.

—

ساد الصمت.

طويلًا.

ثقيلاً.

ثم قال أخيرًا:

“أنا خسرت كل حاجة.”

نظرت إليه.

ورأيت لأول مرة الرجل الحقيقي.

بعيدًا عن الغرور.

بعيدًا عن الكذب.

بعيدًا عن القناع.

رجل محطم.

يدرك حجم ما فعله.

لكن المشكلة…

أن بعض الأخطاء لا يمكن إصلاحها.

وبعض الأبواب حين تغلق…

لا تُفتح مرة أخرى.

—

وقف كريم استعدادًا للمغادرة.

لكنه توقف عند الباب.

ثم استدار نحوي.

وقال بصوت خافت:

“سارة…”

كانت تلك أول مرة ينطق اسمي بهذه الطريقة منذ سنوات.

بلا مصلحة.

بلا طلب.

بلا أوامر.

فقط ندم.

ثم قال:

“أنا كنت غبي.”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

وأجبته:

“أخيرًا فهمت.”

وغادر.

أما أنا…

فعدت إلى نافذتي.

أنظر إلى المدينة.

وأعتقد أن كل شيء انتهى.

لكنني كنت مخطئة.

لأن الملف الأخير الذي وصل إلى مكتبي بعد دقائق…

احتوى على مفاجأة أخطر من ياسمين نفسها.

مفاجأة تتعلق بوالد كريم الراحل.

وحسابات سرية.

وثروة مخفية منذ أكثر من عشرين عامًا.

ثروة تكفي لقلب موازين اللعبة كلها من جديد.

وفي اللحظة التي فتحت فيها الصفحة الأولى…

أدركت أن الحرب لم تنتهِ بعد.

بل بدأت الآن فقط.
الفصل الخامس

في البداية ظننت أن الملف وصل بالخطأ.

أغلقت الصفحة الأولى.

ثم فتحتها مرة أخرى.

الاسم نفسه.

التوقيع نفسه.

والتاريخ يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.

جلست ببطء على الكرسي.

وأخذت أقرأ من جديد.

كان الملف يخص والد كريم.

الرجل الذي توفي منذ سنوات طويلة.

الرجل الذي كان الجميع يصفه بأنه رجل أعمال محترم بنى ثروته بعرق جبينه.

لكن الحقيقة التي كانت أمامي الآن مختلفة تمامًا.

مختلفة بصورة مرعبة.

لأن جزءًا كبيرًا من ثروة عائلة الشاذلي لم يأتِ من التجارة.

ولم يأتِ من العقارات.

ولم يأتِ من الاستثمارات.

بل من أموال اختفت في ظروف غامضة.

وأصول تم نقل ملكيتها بطرق معقدة.

وشركات أُنشئت بأسماء وهمية.

ثم أُغلقت قبل أن يلاحظها أحد.

رفعت رأسي عن الملف.

وأخذت نفسًا عميقًا.

لأول مرة منذ ليلة الزفاف…

شعرت أن الأمر أكبر من مجرد خيانة زوج.

وأكبر من مجرد امرأة انتهازية.

هناك شيء أعمق.

وأخطر.

—

بعد ساعتين فقط…

وصل كريم إلى مكتبي مرة أخرى.

لكن هذه المرة كان يبدو مختلفًا.

أكثر هدوءًا.

وأكثر تعبًا.

وكأنه كبر عشر سنوات خلال أسبوع واحد.

جلس أمامي دون أن يطلب الإذن.

ثم قال:

“المحامي بلغني إن في ملفات جديدة.”

لم أجب فورًا.

دفعت الملف نحوه.

وقلت:

“اقرأ.”

أخذ الملف.

وبدأ يقلب الصفحات.

ومع كل صفحة…

كان وجهه يزداد شحوبًا.

ثم توقف فجأة.

وقال بصوت مرتجف:

“مستحيل.”

أشرت إلى الورقة.

“الأرقام حقيقية.”

هز رأسه بعنف.

“أبويا عمره ما يعمل كده.”

لكن المستندات لم تهتم بمشاعره.

كانت واضحة.

وقاسية.

ولا تترك مجالًا للشك.

—

مرّت دقائق طويلة.

لم يتكلم خلالها أي منا.

ثم قال أخيرًا:

“يعني كل اللي كنت فاكره صح… كان كدب؟”

نظرت إليه.

وأجبت بهدوء:

“مش كله.”

رفع عينيه نحوي.

فأكملت:

“أبوك كان بيحبك.”

“وده واضح.”

“لكن واضح كمان إنه أخفى حاجات كتير.”

خفض رأسه.

وبدا لأول مرة كطفل ضائع.

لا كرجل أعمال.

ولا كزوج سابق.

ولا كوريث إمبراطورية.

مجرد ابن اكتشف أن صورة والده التي عاش عمره كله يؤمن بها…

لم تكن كاملة.

—

في تلك الليلة…

عاد كريم إلى منزل والده القديم.

الفيلا المهجورة التي لم يدخلها أحد منذ سنوات.

كانت تقع على أطراف القاهرة.

خلف أسوار عالية.

وأشجار ضخمة.

وممر حجري طويل.

فتح الباب بنفسه.

ودخل.

كان المكان مغطى بطبقات من الغبار.

لكن كل شيء بقي كما هو.

المكتب.

الصور.

الستائر.

حتى رائحة المكان.

وكأن الزمن توقف داخله.

بدأ يبحث.

لا يعرف عمّا يبحث تحديدًا.

لكن شيئًا داخله كان يخبره أن هناك إجابة ما مخبأة بين الجدران.

مرت ساعة.

ثم ساعتان.

ثم ثلاث.

حتى توقف أمام لوحة قديمة معلقة فوق المكتب.

شيء فيها بدا غريبًا.

اقترب أكثر.

ثم مد يده.

وحركها.

فصدر صوت خافت.

نقرة معدنية.

تجمد مكانه.

ثم سحب اللوحة بالكامل.

لتظهر خلفها خزنة حديدية صغيرة.

—

في اللحظة نفسها…

كنت ما أزال في مكتبي.

أراجع بقية الملفات.

حين دخلت مساعدتي بسرعة غير معتادة.

وقالت:

“في حاجة لازم تشوفيها.”

رفعت رأسي.

فوضعت جهازًا لوحيًا أمامي.

وعليه رسالة وصلت منذ دقائق.

مرسلها مجهول.

لكن محتواها جعل الدم يتجمد في عروقي.

كانت صورة.

صورة قديمة جدًا.

يظهر فيها والدي.

ووالد كريم.

وشخص ثالث لم أره من قبل.

لكن أسفل الصورة كانت جملة واحدة:

“إذا أردتِ الحقيقة كاملة… ابحثي عن الرجل الثالث.”

—

أما كريم…

فكان يقف أمام الخزنة.

يحاول فتحها.

وبعد عدة محاولات…

استجاب القفل أخيرًا.

انفتح الباب المعدني ببطء.

وظهر ما بداخله.

ملفات.

عقود.

وأسطوانات تخزين قديمة.

لكن أكثر ما لفت انتباهه…

كان ظرفًا أصفر كبيرًا.

مكتوبًا عليه بخط يد والده:

“إلى كريم… إذا كنت تقرأ هذا الآن، فمعنى ذلك أن كل شيء انكشف.”

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

وأخذ الظرف بيد مرتجفة.

ثم فتحه.

وبدأ يقرأ.

ومع أول سطر…

اتسعت عيناه بشكل مرعب.

لأن الرسالة بدأت بكلمات لم يكن يتخيل أن يقرأها يومًا:

“يا ابني… أنا لست الرجل الذي كنت تظنه.”

—

في الوقت نفسه تقريبًا…

وصلني اتصال من رقم دولي.

رقم لم أعرفه.

ترددت ثانية.

ثم أجبت.

جاءني صوت رجل مسن.

هادئ.

وواثق.

وقال مباشرة:

“أنتِ سارة عبد الرحمن؟”

عقدت حاجبي.

“نعم.”

ساد الصمت لحظة.

ثم قال:

“أنا الرجل الموجود في الصورة.”

تجمدت يدي فوق الهاتف.

وأكمل:

“والحقيقة التي تبحثين عنها ستغير كل شيء تعرفينه عن عائلتك.”

شعرت بأنفاسي تتباطأ.

ثم سألته:

“مين حضرتك؟”

فجاء الرد الذي قلب كل شيء:

“أنا الشريك الرابع.”

ارتجف قلبي.

لأن كل الملفات كانت تتحدث عن ثلاثة شركاء فقط.

ثلاثة.

وليس أربعة.

لكن الرجل أكمل بهدوء:

“وأحدهم خان الباقين.”

ثم أغلق الخط.

وبقيت أنظر إلى الهاتف.

وأدرك أن قصة كريم وياسمين لم تكن سوى الباب.

أما ما خلف الباب…

فكان سرًا عمره أكثر من عشرين سنة.

سرًا قادرًا على إسقاط أسماء كبيرة.

وتدمير إمبراطوريات كاملة.

وربما…

إعادة كتابة تاريخ عائلتي وعائلة كريم من البداية.

الفصل السادس

لم ينم كريم تلك الليلة.

جلس داخل مكتب والده القديم.

والمصباح الأصفر الوحيد فوق المكتب يلقي ظلالًا طويلة على الجدران.

بين يديه كانت الرسالة.

الرسالة التي كتبها والده قبل سنوات.

الرسالة التي شعر منذ اللحظة الأولى أنها ستغير حياته.

أخذ نفسًا عميقًا.

ثم أكمل القراءة.

“يا كريم…

إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن، فمعنى ذلك أن الأسرار التي دفنتها بدأت تخرج إلى النور.

وأعرف أنك الآن غاضب.

وربما تكرهني.

لكن قبل أن تحكم عليّ…

اسمع الحقيقة كاملة.”

توقف كريم للحظة.

ثم تابع.

“منذ خمسة وعشرين عامًا تأسست شركة صغيرة.

لم تكن باسم الشاذلي.

ولا باسم عبد الرحمن.

كانت مجرد حلم لأربعة رجال.”

شعر كريم بتسارع نبضاته.

أربعة.

نفس الرقم الذي ذكره الرجل المجهول.

تابع القراءة.

“أنا.

ووالد سارة.

وشخص اسمه عادل مراد.

والشريك الرابع.”

هنا توقف السطر.

وكأن الكاتب تعمد ذلك.

ثم أكمل في الصفحة التالية.

“الرجل الذي لا يجب أن يعرف أحد أنه كان موجودًا.”

—

في القاهرة…

كنت أجلس في مكتبي بعد منتصف الليل.

وأمامى الصورة القديمة.

أربعة رجال يقفون بجوار بعضهم.

أبي.

ووالد كريم.

والرجل الذي اتصل بي.

وشخص رابع.

لكن وجهه كان مشوشًا عمدًا.

وكأن أحدهم حاول إخفاء هويته.

دخل مدير الأمن الخاص بالمجموعة.

ووضع ملفًا جديدًا أمامي.

قال:

“لقينا حاجة.”

فتحت الملف.

وكانت الصدمة.

لأن الاسم الموجود داخله…

أعرفه جيدًا.

بل وأراه تقريبًا كل أسبوع.

شخص قريب جدًا من العائلة.

شخص لم يخطر ببالي للحظة.

—

في الفيلا القديمة…

واصل كريم القراءة.

“في البداية كنا إخوة.

بنينا كل شيء معًا.

لكن عندما بدأت الأموال تكبر…

بدأ الخوف.”

أغلق كريم عينيه.

كان يشعر بأن والده يجلس أمامه الآن.

ويتحدث إليه بنفسه.

“الخيانة لم تأتِ من الخارج.

الخيانة خرجت من بيننا.”

انقبض قلبه.

ثم وصل إلى السطر الأخطر.

“والشخص الذي خان الجميع…

لم يكن أنا.”

—

رفع كريم رأسه بسرعة.

وشعر ببرودة تسري في جسده.

أكمل القراءة.

“أعرف أن الجميع سيعتقدون أنني المذنب.

لأنني أخذت الأموال واختفيت.

لكن الحقيقة مختلفة.”

ثم ظهرت جملة جعلته يتجمد.

“أنا سرقت الأموال لأحميها.”

—

في اللحظة نفسها…

كنت أراجع الملف الجديد.

وأشعر بأن كل ما عرفته سابقًا ينهار.

لأن الوثائق تشير إلى أن والدي لم يكن الضحية الوحيدة.

بل كان يحاول كشف مؤامرة أكبر.

مؤامرة تورط فيها أحد أقرب الأشخاص إليه.

وأحد أكثر الأشخاص نفوذًا اليوم.

—

رن هاتفي.

مرة أخرى.

الرقم الدولي نفسه.

أجبت فورًا.

جاءني صوت الرجل العجوز.

هادئًا كما كان دائمًا.

قال:

“هل عرفتِ من هو الشريك الرابع؟”

أجبت:

“أظن ذلك.”

ضحك.

ضحكة قصيرة حزينة.

ثم قال:

“لا.”

عقدت حاجبي.

“ماذا تقصد؟”

فأجاب:

“الاسم الذي وجدتيه ليس الشريك الرابع.”

شعرت بالتوتر يتصاعد.

“إذن من هو؟”

ساد الصمت.

ثم قال:

“الشريك الرابع مات رسميًا منذ عشرين سنة.”

تجمدت يدي.

وأكمل:

“لكن الحقيقة…

أنه ما زال حيًا.”

—

في الفيلا…

وصل كريم إلى آخر صفحات الرسالة.

وكانت الصدمة الأخيرة تنتظره.

“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة…

فابحث عن الخزنة الثانية.”

توقف.

ثم نظر حوله.

خزنة ثانية؟

بدأ يبحث بعينيه.

حتى وقع نظره على مكتبة ضخمة في آخر الغرفة.

اقترب منها.

ثم وجد شيئًا غريبًا.

أحد الكتب مثبت بطريقة مختلفة.

سحبه.

فصدر صوت ميكانيكي خافت.

وببطء…

تحرك جزء من الحائط.

ليظهر ممر صغير مخفي.

شعر كريم بأن قلبه يقفز داخل صدره.

وتقدم إلى الداخل.

—

أما أنا…

فكنت أستمع إلى الرجل على الهاتف.

حين قال فجأة:

“لو كنتِ تريدين الحقيقة كاملة…

اذهبي غدًا إلى الإسكندرية.”

“لماذا؟”

“لأن الشخص الذي تبحثين عنه هناك.”

“من؟”

أجاب بكلمة واحدة فقط.

ثم أغلق الخط.

كلمة جعلتني أقف من مكاني فورًا.

وأعيد النظر إلى الصورة القديمة.

مرة.

ثم مرتين.

ثم عشر مرات.

لأن الاسم الذي نطقه…

كان اسم شخص أعتقدت طوال حياتي أنه مات.

—

في الجهة الأخرى…

وصل كريم إلى نهاية الممر السري.

ووجد بابًا فولاذيًا ضخمًا.

احتاج عدة دقائق حتى فتحه.

وحين انفتح أخيرًا…

توقف تنفسه.

الغرفة كانت مليئة بالملفات.

والوثائق.

وصناديق مغلقة.

لكن الشيء الذي صدمه حقًا…

كان صورة معلقة على الحائط.

صورة حديثة.

ليست قديمة.

التُقطت قبل أقل من عام.

وتضم أربعة أشخاص.

أربعة.

تمامًا كما في الصورة الأولى.

لكن الصدمة لم تكن في عددهم.

بل في أحد الوجوه الموجودة بالصورة.

لأن الشخص الذي يفترض أنه مات منذ عشرين سنة…

كان يقف بينهم مبتسمًا.

حيًا.

وبصحة كاملة.

وتحت الصورة كانت عبارة قصيرة بخط اليد:

“الحقيقة تبدأ من هنا.”

أما كريم…

فلم يكن يعلم بعد أن الشخص الموجود في الصورة…

على وشك أن يدخل حياته من جديد.

وأن اللقاء القادم لن يكشف فقط سر والده.

بل سيكشف السر الأخطر على الإطلاق…

السبب الحقيقي وراء اختيار كريم نفسه منذ البداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *