حماتى عزمتنى 3
محمود دخل ووشه متبهدل وعينيه حمرا من كتر الغضب، وبمجرد ما خطى عتبة الباب، بص لأحمد ونزل فيه ضرب من غير ما ينطق بكلمة واحدة!
البيت كله اتقلب في ثانية.. مروة بدأت تصرخ، وأمي وأبويا قاموا يحجزوا بينهم وهم مش فاهمين حاجة. محمود كان بيضرب بغل وكأنه بيصفي حساب السنين كلها، وأحمد اللي كان من لحظة عامل فيها “سبع الرجال” بقى يتنافض تحت إيد أخوه ويحاول يحمي وشه وهو بيصرخ: “إنت اتجننت يا محمود؟! بتمد إيدك عليا عشان خاطر حتة حرمة؟!”
محمود زقه بعيد عنه لدرجة إن أحمد هبد في الحيطة، وقال وهو بيلهث وصوته بيرعش من القهر: “الحرمة دي تبقى مراتي يا ندل! الحرمة دي اللي أمك طردتها بالليل بكلمة منها وإنت واقف بتشجعها! وجاي هنا تكمل فجرك على راجل في مقام أبوك؟”
التفت محمود ليا ومسح عرق من على جبهته وقال: “متخافيش يا صبر.. أبوكي مش هيتلوى دراعه، والشيكات اللي الكلب ده بيهددك بيها.. مبقاش ليها عوز!”
أحمد سحب منديل يمسح الدم اللي نازل من مناخيره وقال بنبرة غل: “يعني إيه مبقاش ليها عوز؟ الشيكات معايا وفي جيب سديري البدلة في شقتي، وأقدر أوديها القسم في ثانية!”
محمود ضحك بمرارة وطلع من جيبه ظرف أسود كبير ورماه في حجر أحمد: “شقتك مين يا أبو شيكات؟ إنت نسيت إن أمك مدياك نسخة من مفتاح شقتك القديمة، والنسخة دي كانت معايا؟ أنا روحت الشقة من ساعة، وقلبت الدولاب اللي إنت مخبي فيه ورقك، وجبت الشيكات دي.. وباقي وصلات الأمانة اللي كنت كاتبها على خلق الله ومستقوي بيهم!”
أحمد فتح الظرف بسرعة وهو مش مصدق، وأول ما شاف الشيكات وإمضاء أبويا عليها، وشه اتقلب زي الميتين.. وبص لمحمود بذهول: “إنت بتسرقني يا محمود؟ بتسرق أخوك عشان خاطرهم؟”
محمود زعق فيه بصوت هز العمارة: “أنا برجع الحق لأصحابه! أنا فوقت لنفسي وفهمت إن طاعتي لأمي مش معناها إني أظلم مراتي وأشارك في قهر بنات الناس! من النهاردة يا أحمد، لا إنت أخويا ولا أعرفك، والبيت اللي أمي ممشياه بالظلم والغل أنا قاطع رجلي منه!”
التفت محمود لمروة وقال لها وعينيه مليانة ندم: “سامحيني يا مروة.. أمي رمت عليا يمين طلاق وكنت فاكر إني هضعف، بس وحق رب العباد ما في مخلوق على الأرض يقدر يفرقني عنك.. إنتي مراتي وأم عيالي، والنهاردة هنقل حاجتنا كلها ونقعد في شقة إيجار بعيد عن السم ده كله.”
مروة جريت على جوزها وعيطت في حضنه، وأنا واقفة ببص للمشهد بقلب بارد وعقل شغال.
التفت لأحمد اللي كان قاعد في الأرض بيلم الشيكات من الظرف وهو مكسور وعينه مكسورة تماماً.. مبقاش معاه س/لاح يهددني بيه، وفوق كل ده، الفلاشة اللي في إيدي لسه بتمثل حبل المشنقة اللي حوالين رقبته.
قربت منه، وطيت وأخدت من إيده الشيكات بكل هدوء، وولعت ولاعة كانت على الترابيزة، وحرقت الشيكات قدام عينيه لحد ما بقت رماد.
بصيت له وقلت بنبرة حاسمة كالسيف: “أظن كده حسابنا صفي في الشيكات يا ابن الحاجة ثريا.. بس حساب الفلاشة لسه مبدأش. الشغل اللي سرقته، والمناقصات المضروبة، لو عايزني ما أوديهاش لصاحب الشركة الساعة ٩ الصبح وأسيبك تتسحب بالكلابشات من وسط زمايلك.. يبقى تنفذ اللي هقولهولك بالحرف.”
أحمد بص لي برعب ودموعه نزلت من الخوف على مستقبله ووظيفته: “عايزة إيه يا صبر؟ هطلقك.. هطلقك والله ومن غير قض*ية ولا محاكم!”
ابتسمت ببرود وقلت له: “الطلاق ده أمر مفروغ منه وهيحصل في هدوء.. بس قبل الطلاق، هتيجي معايا دلوقتي حالا، ورجلك فوق رقبتك، تروح لـ “الحاجة ثريا”، وقدام سلايفك كلهم، هتقول لها إنك طلقتني لإنك مش مالي عيني، وإن الشقة الجديدة بتاعتي أنا لوحدي ومفيش راجل له كلمة عليا.. وهتعتذر لي قدامهم عن كل كلمة اتقالت في حقي.. وإلا، قسماً بالله العظيم يا أحمد، ليلتك الجاية هتبات فيها في التخشيبة!”
أحمد بلع ريقه وبص في الأرض باستسلام كامل.. السبع اللي كان جاي يجرجرني من شعري، بقى واقف زي التلميذ الخايب مستني إشارتي.
نزلت أنا ومحمود ومروة، وأحمد ماشي ورايا زي ضلي.. ركبنا العربيات وطلعنا على بيت الحاجة ثريا عشان نقفل الحساب القديم.
أول ما وصلنا وفتحنا الباب، لقينا الحاجة ثريا قاعدة في الصالة، وحواليها سلايفه الباقيين، وأول ما شافت أحمد داخل ومعاه أنا ومحمود، وقفت بانتصار وقالت: “عفارم عليك يا أحمد! جبت الحرباية من شعرها وجيت؟”
لكن مكنتش تعرف إن الصدمة اللي مستبياها من ابنها “الحمش” هتهد كل جبروتها في ثانية!
الحاجة ثريا وقفت على حيلها، والابتسامة شاقة وشها من الودن للودن، وبصت لي بنظرة كلها تشفي وكأنها بتقول: “أهو جه اللي هيكسر لسانك”. التفتت لأحمد وقالت بصوت عليا مسموع عشان السلايف كلهم يسمعوا:
“وريني بقى يا واد يا أحمد هتعمل إيه في اللي مدت إيدها على أمك؟ عرفتها مقامها ولا لسه؟”
أحمد كان واقف ورايا، راسه في الأرض، عينه مش قادرة تيجي في عين أمه ولا في عين أي حد من اللي قاعدين. النفس عنده كان طالع بطلوع الروح.
خطيت خطوة لقدام وقلت بكل برود: “قول لها يا أحمد.. قول لأمك إنت جاي تعمل إيه، ومين فينا اللي عرف مقامه بالظبط.”
الحاجة ثريا حواجبها اتعقدت وبصت لأحمد بحدة: “في إيه يا واد؟ متنطق! واقف زي الخيبة وراها ليه؟”
أحمد بلع ريقه، وأخد نفس طويل كأنه بيجر حبل المشنقة، وقال بصوت واطي ومكسور: “أنا جاي أقولك يا أمي.. إن صبر مغلَطتش.. وصبر مش جارية، دي ست البنات، وأنا اللي مش مالي عينها ولا أستاهلها.”
الصالة كلها اتقلبت في ثانية لـ صمت رهيب. سلفتي التانية “عبير” سابت الموبايل من إيدها وتنحت، والحاجة ثريا وشها جاب ألوان، وعينيها برزت لبرة من الصدمة: “إنت بتقول إيه يا مقصوف الرقبة؟ إنت اتجننت؟ البت دي عملت لك عمل ولا سقتك إيه؟”
أحمد كمل كلامه اللي أنا محفظاهوله بالحرف وهو عينه في الأرض: “ولا عمل ولا غيره يا أمي.. أنا طلقت صبر في هدوء وبكل احترام، والشقة الجديدة دي بتاعتها هي ومن فلوس شقاها، ومفيش راجل ليه كلمة عليها.. وأنا جاي هنا قدام الكل أعتذر لها عن أي كلمة اتقالت في حقها وفي حق أهلها في البيت ده.”
الحاجة ثريا رزعت إيدها على صدرها وصوتت بصوت هز جدران البيت: “يا خيبتك السودة في ابنك يا ثريا! يا فضيحتك وسط الناس! بقى الكلبة دي تلوي إيدك وتخليك تيجي تعتذر لها في بيتي وعمرك ما عديت كلمتي؟ برة! برة بيتي يا أحمد، لا إنت ابني ولا أعرفك ليوم الدين!”
أحمد مبصش وراه، لف وضهره ومشي زي العيل الصغير الخايف من العقاب، خرج من الباب وهو شايل خيبته وكسرته اللي عاش سنين يداريها ورا نرجسية أمه.
بصيت للحاجة ثريا اللي كانت بتقعد على الكنبة وهي بتنهج وضغطها عالي، والغل هيموتها، وقلت لها والنبرة كلها ثقة: “الدور والباقي عليكي يا حاجة ثريا.. البيت اللي بنيتيه على الظلم وخراب البيوت وقهر بنات الناس، أهو بيتفرفط قدام عينيكي. أحمد ضاع بمشيه ورا كلامك، ومحمود ومروة أهو ماشيين بكرامتهم، ومبقاش ليكي سلطة على حد.. اشبعي بقى بالحيطان وبمصمصمة الشفايف.”
التفت لمروة ومحمود وقلت لهم: “يلا بينا.. متقعدوش في مكان مفيش فيه بركة.”
خرجنا كلنا، وقفلنا الباب ورا صوت صراخ الحاجة ثريا وعياطها اللي مكنش على ابنها، بل على “برستيجها” وسيطرتها اللي اتهدت في ليلة واحدة وعلى إيد أكتر واحدة كانت بتستضعفها.
محمود أخد مروة وطلعوا يلموا حاجتهم عشان يبدأوا صفحة جديدة، وأنا نزلت، ركبت عربيتي وسوقت في شوارع المحروسة الهادية. الشمس كانت طلعت خلاص، ونورها كان مالي الدنيا..
فتحت تليفوني، وبعت رسالة لأحمد على الواتساب: “ورقة طلاقي توصلني على شقتي الجديدة في خلال ٤٨ ساعة.. وأول ما الورقة تستلمها إيدي، الفلاشة هتنزل في مية مغلية، ونقفل الصفحة دي للأبد. مبروك عليك حضن أمك.”
قفل تليفوني وحطيته جنبي.. لأول مرة من سنين أحس إن الهوا بيدخل صدري صافي ومن غير كتمة. أنا مشيت، وسبت ورايا بيت كان فاكر إن الستات بتتكسر بالصوت العالي.. ومكنوش يعرفوا إن الست لما بتقرر تاخد حقها، بتهد المعبد على دماغ اللي فيه.
وصلت شقتي، دخلت وقفت في البلكونة وبصيت للسما.. الحكاية قربت تقفل خلاص، وورقتي هتوصل، بس اللعبة لسه فيها خيط واحد أخير مكنتش عاملة حسابه، خيط هيغير ترتيبات حياتي اللي جاية كلها!
وقفت في البلكونة والنسمة الباردة بتخبط في وشي، وكنت فاكرة إن كل الخيوط اتربطت خلاص، وإن اللعبة انتهت لصالحي بنسبة 100%. بس القدر دايماً بيكون شايل مفاجأة في السطر الأخير مبيعملش حسابها أعتى المحامين.
تليفوني رن.. بصيت على الشاشة لقيت الرقم غريب، بس مش غريب أوي، الرقم ده أنا شفته قبل كده في دفاتر شركة المقاولات اللي كان أحمد شغال فيها. فتحت الخط وجالي صوت راجل وقور بس نبرته صارمة جداً:
“ألو.. مدام صبر معايا؟”
قلت بقلق حاولت أداريه: “أيوة أنا.. مين معايا؟”
رد وقال: “أنا المهندس عاصم، رئيس مجلس إدارة شركة المقاولات اللي كان شغال فيها أحمد.. طليقك.”
قلبي دق بسرعة، وكلمة “طليقك” خلتني أفهم إن الأخبار بتطير بسرعة. قلت له: “أهلاً بشمهندس عاصم.. خير، في حاجة تخص أحمد؟ أنا مبقاش ليا صلة بيه.”
المهندس عاصم سكت لحظة وبعدين قال بنبرة هادية بس تخوف: “أنا عارف يا مدام صبر إن مفيش صلة، وعارف كمان إن أحمد اترفد من الشركة من ساعتين بالظبط بناءً على تحقيقات داخلية كنا شغالين عليها بقالنا شهر.. اللعب في المناقصات وحديد التسليح إحنا كشفناه من فترة من غير فلاشات.. بس مش ده السبب اللي مخليني أكلمك.”
سألته واستغرابي بيزيد: “أمال في إيه يا فندم؟”
رد وقال: “أحمد وهو خارج من الشركة مكسور ومطرود، حاول يساومني.. قال لي إن مع طليقته فلاشة عليها ورق يخص الشركة وإنه خايف توديها للصحافة أو المنافسين، وكان بيحاول يرمي بلاوي أكبر عليكي عشان يحمى نفسه.. أنا طبعاً فاهم ألاعيبه، بس يهمني أأمن شركتي. الفلاشة اللي معاكي دي يا مدام، أنا عايزها.. ومستعد أشتريها منك بالثمن اللي تطلبيه، أو الأصح.. مستعد أعوضك عن كل قرش دفعته في شقتك الجديدة، وتشتغلي معايا مسؤولة حسابات ومراجعة في الفرع الجديد للشركة.. أنا محتاج عين صاحية زيك مبترحمش ومبتفوتش فايتة.”
سكتت من الصدمة.. الفلاشة اللي كنت شايلاها عشان أحمي بيها نفسي وألوي بيها دراع الندل، بقت هي المفتاح السحري اللي هيفتح لي باب المستقبل ويأمن لي شغلي ومكاني في حتة تانية خالص! ابتسمت وقلت له: “طلبك مجاب يا بشمهندس.. الفلاشة هتكون عندك على المكتب الساعة 9 الصبح، بس من غير مقابل مادي.. أنا مابيعش ورق، أنا بهادي بيه ولاد الأصول اللي هيقدروا شغلي وأمانتي.”
قفلت مع البشمهندس عاصم وأنا مش مصدقة إن ربنا عوضني بالسرعة دي.. “ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب”.
بعد 48 ساعة بالظبط، الباب خبط.. كان المحضر ومعاه ورقة طلاقي رسمياً. استلمتها ووقعت، وبصيت للورقة وأنا حاسة إن قيد حديد اتفك من حوالين رقبتي. في نفس اليوم عرفت من مروة إن الحاجة ثريا جاية لها جلطة خفيفة من كتر الصدمة والفضائح وسط الجيران، بعد ما محمود نقل حاجته وقطع علاقته بيها، وأحمد بقى قاعد في البيت عاطل، لا شغلة ولا مشغلة، وشه في الأرض ومبقاش قادر يرفع عينه في حد.
البيت اللي اتمطى بالظلم، اتهد على دماغ صاحبه.
دخلت أوضتي، لبست أشيك طقم عندي، وحطيت الفلاشة في شنطتي.. وبصيت لنفسي في المراية، مكنتش شايفة “صبر” الضعيفة المقهورة اللي كانت بتدخل بـ “يا هادي” وتخرج بـ “حسبي الله ونعم الوكيل”.. كنت شايفة ست قوية، حرة، مفيش حد كاسر عينها، وبتبدأ حياتها من جديد وهي رافعة راسها للسما.
خرجت وقفلت باب شقتي ورايا.. قفلته على الماضي كله، ونزلت للمستقبل اللي بيبتسم لي.