حكايات اسما 2

لم تكن أزل تعرف أيهما أشد إرباكًا؛ أن تكتشف أن رجلًا انتظرها خمسة عشر عامًا، أم أن تكتشف أن قلبها، الذي ظنت أنها درّبته طويلًا على الصمت، لم يتعلم الصمت أصلًا.

منذ ذلك اليوم في أرض شاهين، تغيّر كل شيء بينهما.

لم يعد يختبئ خلف السخرية دائمًا.

ولم تعد هي قادرة على إقناع نفسها بأن ما بينهما مجرد أثر قديم من حياة انتهت.

صار حضوره قريبًا بصورة تُربكها.

وفي كل مرة كانت تحاول أن تضع حدودًا واضحة، كان القدر نفسه يتفنن في دفعهما إلى بعضهما.

في صباح الاثنين، كانت أزل في المستشفى تراجع ملفات إحدى الحالات حين دخلت الممرضة وقالت:

— دكتورة، فيه دكتور جديد جاي من القاهرة، الإدارة باعتاه يساعد في القسم شهرين.

رفعت أزل رأسها.

— تخصصه إيه؟

— باطنة وحالات حرجة.

بعد دقائق، دخل الطبيب.

كان في أواخر الثلاثينات، أنيقًا، هادئًا، يحمل ابتسامة سهلة.

مد يده.

— دكتور سليم فؤاد.

صافحته أزل.

— أزل الشافعي.

ابتسم.

— أعرف.

رفعت حاجبها.

— تعرف؟

— سمعت عنك قبل ما أجي. قالولي إنك هنا بتاكلي الشغل أكل.

ضحكت.

— الناس بتحب المبالغات.

قال:

— أتمنى دي تكون مبالغة لطيفة.

بدأت بينهما علاقة عمل سلسة.

سليم لم يكن فضوليًا.

ولم يحاول التقرب منها بصورة ثقيلة.

كان يعرف كيف يتحدث.

وكيف يخفف ضغط النوبات.

وكيف يضحكها دون أن يتجاوز حدوده.

وذلك تحديدًا ما جعله خطرًا في عين شاهين.

في ظهر أحد الأيام، كان شاهين داخل المستشفى يراجع مع مدير الوحدة بعض الأعمال الجديدة.

خرج من المكتب، فوجد أزل واقفة مع سليم في نهاية الممر.

كانت تضحك.

ضحكة كاملة.

رفع شاهين عينيه إليهما.

لم يفهم شيئًا مما يقوله سليم، لكنه لم يحتج.

رأى فقط أزل تضع يدها على فمها وهي تضحك.

شيء ثقيل تحرك في صدره.

اقترب.

لاحظته أزل.

ابتسامتها خفت قليلًا.

قال شاهين:

— دكتورة أزل.

ردت:

— نعم؟

نظر إلى سليم.

قالت:

— دكتور سليم، زميلنا الجديد.

مد سليم يده.

— أهلًا.

صافحه شاهين.

— أهلًا.

قال سليم مبتسمًا:

— حضرتك المهندس شاهين، صح؟ صاحب مشروع التوسعة؟

— أيوه.

— شغل محترم جدًا.

قال شاهين باقتضاب:

— شكرًا.

نظرت أزل إليه.

عرفت فورًا.

هذه ليست نبرته الطبيعية.

قالت:

— كنت عايزني في حاجة؟

قال:

— كنت جاي أسلم المخططات.

— سيبها عند السكرتارية.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *