حكايات اسما 3

بل أن تجد من لا يضغط عليها حين تؤلمك.

مرت الشهور.

افتتحت أزل مركزًا طبيًا صغيرًا لعلاج النساء والأطفال في القرى المحيطة.

ساعدها شاهين في المبنى.

لكن حين اقترح أن يكتب اسمه على لوحة التبرعات، رفضت.

قالت:

— ليه؟

قال:

— المشروع بتاعك.

— وإنت دفعت جزء كبير.

— وأنا جوزك.

قالت:

— برضه.

ابتسم.

— خلاص اكتبي “فاعل خير وسيم جدًا”.

ضربته بالملف.

— اطلع بره.

ضحك.

أما آدم، فكانت علاقته بشاهين تكبر بهدوء.

لم يناده “بابا”.

وشاهين لم يطلب.

كان “عمو شاهين”.

حتى جاء يوم عيد ميلاد شاهين الأول بعد الزواج.

أعطاه آدم صندوقًا صغيرًا.

فتحه.

كان بداخله قلم معدني.

نقش عليه:

إلى أبي الذي لم يحاول يومًا أن يأخذ مكان أبي.

توقف شاهين.

قرأها مرة.

ثم ثانية.

رفع عينيه إلى آدم.

قال:

— إنت كاتب “أبي”؟

ارتبك آدم.

— لو مش عاجباك نرجعها “عمو”.

نهض شاهين واحتضنه.

ولأول مرة، رأته أزل يبكي بلا محاولة لإخفاء دموعه.

قال آدم داخل حضنه:

— يا عم ما تعيطش عشان القلم مش غالي.

ضحك شاهين وهو يمسح عينيه.

— يا ابني اسكت بدل ما أرميك من البلكونة.

قالت أزل:

— شاهين!

ضحك الثلاثة.

بعد عامين، كانت أزل في السابعة والثلاثين.

لم تكن تفكر في الحمل.

بل كانت قد أقنعت نفسها أن حياتها مكتملة.

لكن في صباح شتوي، وقفت في حمام المركز الطبي تحمل نتيجة تحليل.

وظلت تحدق فيها.

دخلت الممرضة.

— دكتورة، حضرتك كويسة؟

أزل لم ترد.

جلست.

وضعت يدها على بطنها.

ذكرتها اللحظة بنفسها وهي في الثامنة عشرة.

حين جلست على أرض الحمام بعد أن عرفت بحمل آدم.

لكن الفرق هذه المرة كان هائلًا.

في المرة الأولى، جاء الطفل في حياة لا تملكها.

أما الآن…

فكانت حياتها ملكها.

اتصلت بشاهين.

قال:

— ألو؟

لم تتكلم.

قال بسرعة:

— أزل؟ مالك؟

قالت:

— تعالى المركز.

— في حاجة؟

ابتسمت.

— تعالى بس.

وصل.

دخل مكتبها مذعورًا.

— في إيه؟

ناولته الورقة.

قرأ.

ثم توقف.

رفع عينيه.

— ده…

هزت رأسها.

— أيوه.

جلس على الكرسي.

قالت:

— إنت قعدت ليه؟

قال:

— رجلي مش شايلاني.

ضحكت.

نظر للورقة مرة ثانية.

— حامل؟

— آه.

— إحنا؟

ضحكت أكثر.

— لأ الجيران يا شاهين.

رفع رأسه إليها.

وبدأ يضحك ويبكي في الوقت نفسه.

قال:

— أنا هبقى أب.

اقتربت منه.

وضعت يدها على كتفه.

— إنت أب من زمان.

رفع عينيه إليها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *