حكايات اسما 3

جمدت الكلمات الهواء.

لم يتحرك شاهين.

لم يرمش.

كان هناك غضب صامت يتكون داخله، لكنه لم يكن غضبًا يحتاج إلى صراخ.

كان غضب رجل اكتشف أن خمسة عشر عامًا كاملة لم يسرقها القدر وحده.

كان هناك من ساعده.

ظل شاهين بعد رحيل الرجل واقفًا بجوار النافذة.

الظرف أمامه.

لم يفتحه.

كان يستطيع.

لكنه لم يفعل.

لأن الرسالة لم تعد له وحده.

اتصل بأزل.

ردت بعد رنتين.

— ألو؟

قال:

— إنتِ فين؟

لاحظت صوته فورًا.

— في المستشفى. مالك؟

— محتاج أشوفك.

— حصل حاجة؟

سكت.

قالت:

— شاهين؟

— مفيش خطر. بس لازم تشوفي حاجة.

بعد ساعة، كانت جالسة أمامه في المكتب.

وضع الظرف على الطاولة.

في اللحظة التي رأت فيها خطها، تغير لون وجهها.

لم تمد يدها.

بقيت تحدق فيه.

قالت:

— ده…

— جوابك.

رفعت عينيها إليه.

— إزاي؟

حكى لها.

كل شيء.

عبد المقصود.

مراد.

الأمر بحرق الرسالة.

والجملة.

حين انتهى، كانت أزل صامتة.

قال شاهين:

— أنا مفتحتوش.

نظرت إليه.

— ليه؟

— لأنك كتبتيه وإنتِ في حالة يمكن متحبيش حد يقراها دلوقتي.

ارتجفت شفتاها.

قال:

— لو عايزة تفتحيه، افتحيه. لو عايزة تحرقيه، احرقيه. لو عايزة تديني إياه، هديني.

مدت يدها أخيرًا.

أخذت الظرف.

لم يكن مجرد ورق.

كان صوت بنت في الثامنة عشرة، انتظرت خمسة عشر عامًا كي يسمعها أحد.

فتحت الظرف.

أخرجت الورقة.

كان الحبر قد بهت.

بدأت تقرأ.

وبعد السطر الأول، انكسرت أنفاسها.

قال شاهين:

— أزل…

رفعت يدها.

— استنى.

وأكملت.

قرأته في صمت.

مرة.

ثم مرة ثانية.

ثم مدت الورقة إليه.

قال:

— متأكدة؟

هزت رأسها.

أخذها.

كانت كلماتها القديمة بسيطة.

لا بلاغة فيها.

فقط خوف.

“شاهين، أنا آسفة. أنا مش كويسة. مش عارفة أكلمك ولا أوصلك. أنا بحاول أعيش. متفتكرش إني نسيتك. أنا كل يوم بفتكرك. لو كنت زعلان مني، حقك. بس متكرهنيش. أنا مشيت بالعافية. أنا كان نفسي أختارك.”

توقف شاهين عند آخر جملة.

أنا كان نفسي أختارك.

أغمض عينيه.

خمسة عشر عامًا من الغضب تراجعت فجأة أمام بنت صغيرة كانت تستغيث على الورق.

قال بصوت مبحوح:

— يا أزل…

بكت.

لكن هذه المرة لم تكن دموع ضعف.

كانت دموع حداد.

حداد على السنوات.
على الفرصة الأولى.

على الشاب الذي ظن أنه مرفوض.

وعلى الفتاة التي ظنت أن صوتها لم يصل لأنه لم يعد يريد سماعه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *