حكايات اسما 3

وصل الرجل إلى شاهين قبل الظهر بقليل.

كان في أواخر الستينات، عريض الكتفين رغم انحناءة العمر، وملامحه تحمل ذلك النوع من التعب الذي يتركه حمل سرٍّ طويل.

دخل مكتب شاهين وهو يضم ملفًا بنّيًا إلى صدره.

قال السكرتير:

— بيقول الموضوع يخص الأستاذ مراد… ويخص الدكتورة أزل.

مجرد سماع اسمها جعل شاهين يرفع رأسه.

قال:

— دخله.

دخل الرجل.

وقف لحظة كأنه يختبر الكلمات في رأسه قبل أن ينطق بها.

— إنت المهندس شاهين عبد الرحيم؟

— أيوه.

— أنا عبد المقصود… كنت شغال مع مراد الله يرحمه من أكتر من عشرين سنة.

أشار شاهين إلى الكرسي.

— اتفضل.

لكن الرجل لم يجلس.

قال:

— أنا مش جاي على فلوس.

تصلبت ملامح شاهين.

— أمال جاي ليه؟

نظر الرجل إلى الملف في يده.

ثم مدّه إليه.

— عشان حاجة كان لازم توصل من زمان.

فتح شاهين الملف.

وجد أوراقًا قديمة، بعضها مصفرّ الأطراف.

وبينها ظرف مغلق.

وفي مقدمة الظرف كان مكتوبًا بخط أنثوي صغير:

إلى شاهين.

توقف قلبه.

رفع عينيه إلى الرجل.

— ده إيه؟

قال عبد المقصود:

— جواب.

— من مين؟

نظر إلى الاسم.

هو يعرف الخط.

رآه على دفاتر المدرسة.

على قصاصات صغيرة كانت أزل تخفيها له بين صفحات الكتب.

قال بصوت خافت:

— أزل.

هز الرجل رأسه.

— أيوه.

وقف شاهين.

— الجواب ده كان فين؟

— عند مراد.

تغير وجهه بالكامل.

قال:

— إنت بتقول إيه؟

ابتلع الرجل ريقه.

— أنا كنت بشتغل معاه وقتها. يوم من الأيام جاله ظرف من مصر. هو فتحه… قراه… واتعصب.

قبض شاهين يده.

— وبعدين؟

— بعدها اداني الظرف وقاللي أحرقه.

الصمت الذي وقع بعدها كان ثقيلًا.

قال شاهين:

— وإنت محرقتهوش؟

— لأ.

— ليه؟

نظر الرجل إلى الأرض.

— معرفش. يمكن عشان طريقة كلامه خلتني أحس إن الورقة دي فيها ظلم لحد. خبّيتها.

رفع شاهين الظرف بيد بدأت ترتجف.

— من خمستاشر سنة؟

— تقريبًا.

— وساكت كل ده؟

قال الرجل بصوت مكسور:

— أنا غلطت.

شاهين لم ينكر.

قال:

— آه، غلطت.

ثم أضاف:

— جدًا.

خفض الرجل رأسه.

— بعد وفاة مراد وأنا بصفي حاجات قديمة عندي، افتكرت الظرف. ولما سمعت إن الدكتورة أزل رجعت وإنك موجود… قلت لازم أوصله.

سكت شاهين.

ثم قال:

— مراد قراه؟

— كله.

— قال حاجة؟

تردد الرجل.

ثم قال:

— قال جملة.

رفع شاهين عينيه.

— إيه؟

قال الرجل:

— “طول ما أنا عايش، الواد ده مش هيعرف إنها لسه عايزاه.”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *