انا عندى 25سنه حكايات رومانى مكرم 2

الكلمات طلعت من بقه زي الخنجر اللي غرس في صدري. النفس اتقطع من سدري، ورجليا ما بقتش شيلاني. بصيت له بذهول ودموعي اتجمعت في عيني، ومش قادرة أنطق بحرف واحد.. عز الدين عارف! عارف من أول أسبوع إني باخد الوسيلة ومخبية عليه!

عز الدين كمل كلامه بنفس النبرة الهادية اللي تقطع الخلف، بس كان فيها حزن يهد جبال:

* أنا ما تكلمتش يا نورا.. قلت صبية وصغيرة، ويمكن خايفة من الشيل والمسؤولية بدري. قلت هسيبها على براحتها لحد ما تطمن لي وتحس إن الشقة دي بيتها بجد مش مجرد سجن ذهبي. بس أنا مش غبي يا بنت الناس.. أنا أكلت السوق وعجنت الدنيا قبل ما تتولدي، واللي يوصل لسن ده وبيشغّل ملايين، بيفهم لغة العيون قبل لغة الكلام.

دمعتي نزلت سخنة على خدي، وجسمي كله كان بيتكتك. قربت منه وأنا بترعش:

* عز الدين.. أنا…

رفع إيده بالراحة وووقفني، ومسح دموعي بطرف صباعه وقال:

* بكرة هنروح مع بعض المكتب، وهكتب لك كل المحلات والأراضي زي ما كنت مرتب.. بس عشان تبقى دي آخر حاجة أقدر أقدمهالك لو العمر خلص فجأة.

سابني ودخل أوضته وقفل الباب على نفسه بهدوء كاسر. قعدت على الأرض في الصالة وأنا حاسة إن الدنيا بتدور بيا. في اللحظة دي، تليفوني نور تاني برسالة من طارق:

*”بكرة بعد ما يوقع على الإقرارات، النقط اللي هتديهاله في العصير مش هتبان في أي تحليل.. هتبان إنها سكتة قلبية طبيعية لراجل في سنه. الملايين كلها بقت في إيدنا يا نورا!”*

مسكت التليفون وأنا حاسة إني واقفة على هاوية. الشيطان بيزقني أبيع كل حاجة عشان وهم الحب القديم والفلوس اللي هنعمل بيها “لعب”، وبين راجل شايلني على راسه وشايف كل خيانتي وساكت وبيحميني حتى من نفسي.

الصبح طلع، والشمس دخلت الصالة كأنها بكشاف كاشف كل الستر. عز الدين خرج من أوضته لابس بدلة سوداء أنيقة، وبص لي وقال بصوت جاف:

* يلا يا نورا.. عشان نلحق الميعاد مع الأستاذ طارق ورجالته.

نزلت معاه والأرض بتتهز تحت رجلي. وصلنا المكتب في وسط البلد، وكانت العمارة قديمة وأسانسيرها بيزيق. أول ما فتحنا باب المكتب، لقيت طارق قاعد ورا مكتب زجاجي كبير، وبجنبه محامي وراجلين من بتوع امبارح.

طارق أول ما شافني، عينيه لمعت بجمود وجشع، وبص لعز الدين بابتسامة خبيثة وقال:

* أهلاً يا حاج عز الدين.. أهلاً يا مدام نورا. الأوراق جاهزة للتوقيع.. بس الأول تشربوا حاجة؟

ولمحت طارق بيمد إيده بالراحة ورا المكتب، وبيحرك كاس عصير يانسون دافي مجهز مخصوص لعز الدين!

عيني جت على كاس العصير، وجسمي كله اتجمد في مكانه. طارق كان بيبص لي بنظرة كلها تهديد ووعيد، عيون بتقول لي: “دي اللحظة اللي اتفقنا عليها.. اخلصي منه وتعيشي ملكة!”

عز الدين قعد على الكرسي بكل هدوء، وحط إيده على العكاز الأبنوس اللي ماسكه، وبص لطارق بنظرة ثابتة زي الصخر. المحامي حط العقود والأوراق القديمة على المكتب وقال بصوت رسمي:

* تفضل يا حاج عز الدين، دي عقود التنازل عن المحلات الثلاثة في وسط البلد، ومزرعة طريق إسكندرية الصحراوي، كلها باسم المدام نورا.. تنازل نهائي لا يرجع فيه.

طارق مسك الكاس بابتسامة صفرا، وزقّه بالراحة ناحية عز الدين وقال:

* اتفضل اشرب حاجة دافية يا حاج الأول، المشوار كان طويل والأعصاب محتاجة تهدى قبل التوقيع.

عز الدين مد إيده بالبطيء.. كان رايح يمسك الكاس! قلبي كان بينبض في زوري، وعقلي اتكهرب. افتكرت كلام عز الدين ليا بالليل: *”أنا اديتك قلبي وثقتي قبل فلوسي”*.. وافتكرت طارق وهو بيستغلني وبيقول “نخلص منه ونلعب بالفلوس لعب!”.

في اللحظة دي، حسيت إن الغشاوة اتزاحت عن عيني.. طارق مش بيحبني، طارق شايفني مجرد أداة وسلّم يوصل بيه للثروة، ولو خلص من عز الدين، بكرة يخلص مني بنفس الطريقة!

قبل ما صوابع عز الدين تلمس الكاس، صرخت بصوت هز أركان المكتب:

* لااااااا! متشربش يا عز الدين!!

طارق اتنفض من مكانه، ووشه اتغير وبقى زي العفريت:

* انتِ اتجننتي يا نورا؟! فيه إيه؟!

مسكت الكاس بسرعة ورميته على الأرض بكل قوتي، القزاز اتكسر والعصير اتدفق على السجادة، وفي ثواني معدودة.. بدأت السجادة تطلع دخان خفيف وريحة نفاثة ومريبة!

المحامي وقّف مصدوم، وعز الدين ما اتحركش من مكانه ولا ملّي واحد.. بص لي بنظرة هادية جداً، وكأنه كان مستني اللحظة دي بالذات عشان يشوف اختياري الأخير.

طارق زعق وهو بيحاول يمسكني من إيدي:

* انتِ بوظتي كل حاجة يا غبية!!

لكن عز الدين خبط بعكازه على الأرض خبطة قوية رنت في الأوضة، وفي نفس اللحظة.. باب المكتب المقفول اتكسر ودخل منه أربعة رجال أمن ومعاهم ظابط بشرطة المباحث!

الظابط بص لطارق وقال بصوت صارم:

* الأستاذ طارق.. أنت مقبوض عليك بتهمة التخطيط للقتل العمد، واستدراج المواطنين، والشروع في النصب والابتزاز!

طارق وشه اصفرّ وبص لي بغل وقال:

* انتِ بلّغتي عني يا نورا؟! انتِ اللي اتصلتي بيهم؟!

لكن المفاجأة الكبرى كانت لما عز الدين وقف بكل هيبة، وبص لطارق وابتسم ابتسامة سخرية وقال:

* لا يا شاطر.. مش هي اللي بلغت.. أنا اللي مراقب المكالمات والرسائل من أول يوم اتصلت بيا فيه على التليفون، وكل خطوة مشيتها كانت تحت عيني وبترتيبي أنا!

طارق اتسمر في مكانه، وشه اتقلب ألوان والعرق بدأ ينزل من جبينه زي المية. بص لعز الدين بذهول ومش قادر ينطق كلمة واحدة، والتفت ليا بنظرة كلها غل وكراهية.

الظابط قرب وقيد إيدين طارق والمحامي اللي كان واقف بيترعش وركبه بتخبط في بعضها. الظابط بص لعز الدين وقال:

* كل تسجيلات المكالمات والرسائل المتبادلة بين المتهم وبين المقربين منه بقت في الملف يا حاج عز الدين، بجانب عينة العصير اللي اتكبت دي هتاخدها الأدلة الجنائية حالاً وتتحرز.

طارق وهو بيتسحب لبرة المكتب، صرخ بصوت هيستيري وهو بيبص لي:

* مش هسيبك يا نورا! انتِ افتكرتي نفسك بقيتي هانم؟! انتِ بعتيني عشان الفلوس وهتفضلي طول عمرك خايفة مني! بكرة أخرجلك وأوريكي!!

الشرطة أخدت طارق ورجالته، وبقى المكتب فاضي وهادي، مفيش فيه غير صوت نفَسي المتلاحق ودقات قلبي اللي كانت زي الطبول.

وقفت في نص الأوضة، حافية العينين من الخجل، مش قادرة أرفع عيني في عين عز الدين. الراجل اللي كنت فاكراه مغفل ودرويش، طلع سابق الكل بخطوات، حاميني من نفسي ومن الشيطان اللي كان هيضيعني، وحط حياته على المحك عشان يختبر معدني الحقيقي.

عز الدين قرب مني بخطوات هادية، وقف قدامي وهو ماسك عكازه، وبص لي بنظرة عميقة ما كانش فيها غضب، كان فيها حزن نبيل وألم مكتوم.

قال بصوت واطي ودافئ:

* عرفتي دلوقتي الفرق بين اللي بيحبك بجد وبيحميكي، وبين اللي بيستغلك وعايز يرميكي في النار عشان شهوته والفلوس؟ أنا كنت عارف كل رسالة، وكل كلمة، وكان ممكن أبلغ من أول يوم وأخلص منك ومنه.. بس أنا حبيت أديكي الفرصة الأخيرة يا نورا، كنت عايز أعرف هل الشيطنة تملكت منك للأخر، ولا لسه فيه جواكي حتة نظيفة تستاهل تتصان.

دموعي نزلت زي المطر، ووقعت على ركبي قدامه وأنا بحاول أمسك إيده أقبلها:

* سامحني يا عز الدين.. أنا كنت غبية وعمياء، الشيطان كان عامي بصري بس والله العظيم ما كنت هسمح له يلمس منك شعرة! أنا عرفت قيمتك متأخر أوي..

عز الدين سحب إيده بالراحة، وهز رأسه بأسى وقال:

* اعقلي يا نورا وقومي.. الحساب مش هنا، ولا الكلام ده وقته. الفلوس والشقة والمبلغ اللي في البنك باسمك، أنا مش هاخد منك حاجة.. بس فيه قرار تاني خالص لازم يتأخذ دلوقتي، قرار هيرجع كل حاجة لمكانها الصح.

مسك إيدي وقومني، وخرجنا من العمارة والشارع كان ساكت كأنه بيستعد لللحظة الحاسمة. ركبنا العربية، والعربية اتحركت بينا في طريق غريب مش طريق البيت.. طريق كنت أول مرة أشوفه!

وصلت العربية قدام مبنى قديم وراقي في نفس الوقت، يفتضحه هدوء مريب.. مبنى الشهر العقاري والمحكمة الشرعية.

نزلت وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني، وعز الدين كان ماشي جمبي بخطوات ثابتة ووقار عجيب، كأنه قاضي رايح يصدر حكمه النهائي والعدل. دخلنا القاعة، وعز الدين وقف قدام المأذون والمحامي بتاعه اللي كان مستنينا هناك.

التفت لي عز الدين، وبص في عيني بابتسامة حزينة بس صلبة، وقال بصوت هز كياني:

* يا نورا.. أنا اديتك الأمان، وحطيت بين إيديكي ثروتي وكرامتي، وحميتك من السجن ومن الشيطان اللي كان هيضيعك. ومسحت عنك تهمة مشاركة في جربمة قتـل، لأنك في لحظة الحق اخترتي ضميرك وصرختي.

دموعي كانت بتنزل بسكتة، ومش قادرة أتكلم، كمل عز الدين وهو بيطلع ورقة من جيبه:

* أنا هسيب لك الشقة، والفلوس اللي في البنك، والدهب.. مش كره فيكي ولا زهد، بس عشان أضمن إنك ما تحتاجيش لحد تاني، ولا تجبري نفسك تبيعي نفسك أو ضميرك عشان القرش. بس وجودك معايا بعد النهاردة استنزاف لرحلتي اللي فاضل فيها خطوات. أنا ادتيك الستر.. وأنتي حرمتيني من العيل اللي كنت بحلم بيه من ورا ظهري.. وكل واحد فينا لازم يدفع تمن اختياراته.

وبص للمأذون وقال بصوت جاف وثابت:

* اكتب يا شيخنا.. “أنا عز الدين، أطلّق زوجتي نورا طلقة أولى بائنة لا رجعة فيها”.

في اللحظة دي، حسيت كأن السقف وقع عليا، بس في نفس الوقت حسيت براحة غريبة.. طلقني، بس سابني مستورة، وساب لي درسي اللي عمره ما هيتمسح من عقلي.

خرجت من المبنى وأنا بمتلك الشقة والملايين والدهب.. بس بمتلك قلب مكسور وضمير صحي بعد فوات الأوان. الفلوس اللي كنت فاكراها هتخليني “أتلعب بيها لعب”، بقت مجرد ورق مالوش قيمة قصاد راجل خسرت حمايته وحبه الصافي.

### **الحكمة من القصة:**

* **الطمع يقل ما جمع:** البحث عن وهم الوفرة مع الخيانة بيمحي النعمة الحقيقية اللي في إيد الإنسان، وما فيش أصعب من إنك تكتشف إنك بعت جوهرة عشان شوية زجاج مكسور.

* **الستر والأمان لا يُقدّران بمال:** الحب الحقيقي مش كلام حلو ووعود وردية من أشخاص استغلاليين؛ الحب هو الأمان، والستر، والتضحية، والراجل اللي بيحميكي من نفسك قبل ما يحميكي من الناس.

* **لا يصح إلا الصحيح:** مهما اختلفت العقول وتدبرت الشياطين، الحق دايماً بيظهر، والضمير اللي بيصحى في الوقت المناسب ممكن ينقذ صاحبه من الهاوية.. حتى لو دفع التمن من قلبه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *