حكايات الهوارى 2
خرجت أمي من الأوضة وشنتتها في إيدها، بصت لي بنظرة كلها غل وجبروت وقالت وهي بتفتح الباب:
— “هتيجي لي راكع يا رامي.. بكرة البت دي تركبك وتندم على طردة أمك، وساعتها مش هقبل عذرك!”
رزعت الباب وراها رقعة هزت الشقة، ومع قفلة الباب.. حسيت كأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح، بس ساب وراه دمار.
التفت لآية.. كانت لسه قاعدة على الكنبة، ضامة يوسف لصدقها وجسمها كله بيترعش، عينيها كانت زايفة وبتبص للباب كأنها مش مصدقة إن “الحاجة شريفة” مشيت بجد، أو كأنها مستنياها ترجع تقتحم البيت في أي لحظة.
قمت من على الأرض وقعدت جنبها، حاولت أمد إيدي عشان أطبطب على كتفها، لكن أول ما لمستها اتنفضت لورا غصب عنها.. الحركة دي كانت بمثابة سكين اتغرس في قلبي، للدرجة دي بقت تخاف من أي لمسة؟ للدرجة دي أنا بقيت مصدر رعب ليها زي أمي؟
نزلت عيني في الأرض وقلت بصوت مخنوق بالدموع:
— “متخافيش يا آية.. والله العظيم ما حد هيلمسك تاني، ولا حد هيقدر يسمعك كلمة تجرحك طول ما أنا عايش.. أنا عارف إن كلمة آسف مش هتشفي الوجع اللي سبتهولك، بس وحياة ابني ما هسيبك غير لما أصلح كل اللي انكسر.”
مردتش عليا، فضلت ساكتة ودموعها بتنزل في صمت. أخدت منها يوسف براحة عشان أهدي صريخه، والحمد لله إن عيني جت على علبة اللبن الصناعي اللي جبتها. قمت بسرعة للمطبخ، غسلت الببرونة وعقمتها بمية مغلية كأني بعمل أدق عملية جراحية، وعملت للواد رضعة دافية.
رجعت الصالة، قعدت جنبها وبدأت أرضع يوسف.. الواد كان بيمص الببرونة بنهم وجوع مرعب، كأنه مأكلش من أيام، وبدأ صوته يهدى بالتدريج وعينيه تقفل من التعب. آية كانت مراقبة المنظر، ولأول مرة من أسبوعين أشوف ملامح وشها بتهدى، ونظرة الذنب اللي في عينيها بدأت تتبخر وهي شايفه ابنها بيشبع وأخيرًا سكت.
بعد ما يوسف نام، حطيته في سريره براحة، ورجعت لآية.. لقيتها لسه قاعدة بنفس وضعتها، وجوعها باين على وشها الدبلان.
دخلت المطبخ بسرعة، رميت طبق الفضلات المعفن في الزبالة وغسلت إيدي مية مرة كأني بطهر نفسي من ذنبي. فتحت الثلاجة، ملقتهاش فيها غير مية بيضا! أمي مكنتش بتسيب في الثلاجة حاجة تتأكل عشان آية متمشيش إيدها عليها بغيابي. نزلت جري على السوبر ماركت اللي تحت البيت، اشتريت جبنة، بيض، لبن، عسل، حلاوة طحينية، وعيش طازة سخن.. واشتريت فرخة بلدي جاهزة من المطعم اللي جمبنا وسيرفيس شوربة دافي.
طلعت الشقة ورصيت الأكل كله على السفرة، وقربت من آية، مسكت إيدها براحة وقومتها:
— “عشان خاطري يا آية.. قومي كلي.. أنتي بقالك أسبوعين مشفتيش لقمة تفتح النفس.. كلي عشان تقدري تقفي على رجليكي.”
بصت للأكل بنظرة ذهول، كأنها مش مصدقة إن كل ده ليها.. قعدت وبدأت تاكل ببطء في الأول، وبعدين بدأت تاكل بنهم وهي بتحاول تخبي دموعها. كنت قاعد قدامها، وكل لقمة بتبلعها كانت بتقطع في فروة راسي من الندم.. أنا كنت فين؟ إزاي الغمامة دي كانت على عيني؟
لما خلصت وأكلت وشربت الشوربة الدافتة، وشها بدأ يرد فيه الدم غصب عنها، وبدأت أنفاسها تبقى منتظمة. بصت لي وقالت بصوت ضعيف وناشف:
— “أنت مشيت مامتك بجد يا رامي؟ مش هترجع تاني؟”
مسكت إيدها وضغطت عليها:
— “مش هتعتب البيت ده تاني يا آية.. بيتي مش هيدخله حد يهينك أو يظلمك، حتى لو كانت أمي.. أنا اللي غلطت من الأول لما سلمتها المركب وعميت عيني عن تعبك.. حقك عليا.”
هزت راسها وقالت بنبرة عتاب وجعاني أكتر من الزعيق:
— “أنا مكنتش زعلانه منها يا رامي.. أنا كنت بزعل منك أنت.. لما كنت بتيجي تعبان وتكرر كلامها وتقولي (حاولي أكتر).. كنت بحس إن مفيش حد في الدنيا دي معايا، وإني لوحدي وبموت.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، ولسه جاي أرد عليها وأبوس راسها عشان أطيب خاطرها، سمعت تليفوني بيرن في جيب بنطلوني برقم غريب..
رديت وبصوت متوجس:
— “ألو؟ مين معايا؟”
جاءني صوت راجل خشن ومنفعل من الناحية التانية:
— “أستاذ رامي؟ أنا الأسطى محروس بتاع التاكسي.. والدتك الحاجة شريفة معايا في العربية، والست مكلومة ومغمى عليها والضغط عِلي عليها ومش عارف أوديها فين.. إحنا في طريقنا للمستشفى العام!”
الدنيا لفت بيا، والتليفون كان هيقع من إيدي. بصيت لآية اللي ملامح وشها رجعت تتخطف تاني من الخوف لما شافت منظري وتغير صوتي.
الأسطى محروس كان لسه بيتكلم على الناحية التانية وصوته واطي وفيه وشّة:
— “يا أستاذ رامي.. الست رمت طوبتها في العربية وفضلت تصرخ وتقول ابني رماني وابني طردني لحد ما قاطعت النفس.. أنا داخل بيها على طوارئ مستشفى الدمرداش، الحقني هناك!”
قفل السكة.. وسبت التليفون على السفرة وأنا حاسس إن دماغي هتنفجر.
أمي؟ الحاجة شريفة اللي طول عمرها بتهد جبال، يغمى عليها والضغط يعلى عليها بسبب طردتي ليها؟
جوايا انقسم نصين.. نص بيقول لي دي أمك مهما عملت، ومهما كانت قاسية وجبروت، لو جرى لها حاجة هتعيش عمرك كله شايل ذنبها، والنص التاني باصص لآية اللي قاعدة قدامي، البنت اللي لسه مأكلتش لقمة نضيفة من أسبوعين بسببي وبسبب أمي.
آية وقفت من على الكنبة بتوجع، وقربت مني وهي سانده على السفرة، وقالت بصوت مرعوش:
— “في إيه يا رامي؟ الحاجة شريفة جرى لها حاجة؟”
بصيت في عينيها وملقتش فيهم شماتة.. لقيت فيهم خوف حقيقي! الست اللي اتظلمت واتجوعت، أول ما حست إن حماتها في خطر، ظهر أصلها الطيب ونضافتها من جوه.
بلعت ريقي وقلت لها:
— “السواق بيقول تعبت ونقلها المستشفى.. أنا لازم أروح أشوف في إيه يا آية.. لازم أطمن عليها.”
آية هزت راسها بسرعة وقالت لي:
— “انزل يا رامي.. انزل فورًا ده مهما كان دي أمك.. روح معاها ومتقلقش عليا، أنا كويسة ويوسف شبعان ونايم جوه.”
نزلت على ركبي تاني قدام آية، ومسكت إيديها وبستها بحرارة:
— “أنا مش هغيب.. هروح المستشفى أشوف الدكتور هيقول إيه وأطمن عليها، ومش هسيبك لوحدك كتير.. خلي الباب مقفول عليكي بالترباس، ومتفتحيش لأي حد.”
نزلت جري على السلم كأن القطر بيجرى ورايا.. ركبت أول ميكروباص قابلني، وطول السكة وأنا ببص من الشباك وأفكاري بتطحن في دماغي.. هل أمي فعلاً تعبت؟ ولا ده فخ جديد عشان تكسرني وترجع البيت وهي كاسرة عيني وعين مراتي؟ ما هي طول عمرها ذكية وبتعرف تلعب بكل الأوراق! بس لو طلعت فعلاً بتموت؟ لو جرالها جلطة بسببي؟ ربنا هيسامحني إزاي؟
وصلت المستشفى العام، وكنت بجري في السيب بتاع الطوارئ زي المجنون، بسأل الأمن والتمريض لحد ما ديرت وشي وشوفت الأسطى محروس واقف قدام غرفة الكشف وبيمسح عرق جبينه.
جريت عليه:
— “أمي فين يا أسطى محروس؟”
شاور لي على الأوضة وقال:
— “جوه يا ابني.. الدكاترة معلقين لها محاليل وبيحاولوا ينزلوا الضغط.. الست كانت هتموت في العربية من كتر الزعل.”
دخلت الأوضة بخطوات مرعوبة.. شوفت أمي نايمة على السرير، وشها شاحب، ومركبين في إيدها كانيولا، وجنبها دكتور شاب ماسك جهاز الضغط.
أول ما أمي فتحت عينها وشافتني، دارت وشها الناحية التانية، ونزلت دمعة من عينها وقالت بصوت مبحوح وضعيف جداً.. صوت عمري ما سمعته منها قبل كده:
— “جاي ليه يا رامي؟ جاي تتأكد إني مت عشان يفضى لك البيت؟”
قربت منها وقلبي وجعني غصب عني، ومسكت إيدها:
— “سلامتك يا أمي.. أنا مكنتش عايز الأمورتوصل لكده.. بس أنتي اللي اضطريتيني.”
الدكتور شدني على جنب براحة وقال لي بنبرة جادة:
— “أنت ابنها؟ والدتك ضغطها 200/110.. وده مؤشر خطر جداً وممكن يدخلها في جلطة في أي لحظة. واضح إنها تعرضت لزعل شديد أو صدمة عصبية قوية.. لازم تبعد عن أي توتر نهائي الفترة دي، وتفضل تحت الملاحظة لحد بكرة الصبح.”
هزيت راسي للدكتور وأنا مشتت.. بصيت لأمي لقيتها بتبص لي بنظرة فيها انكسار، بس وراه نظرة تانية غامضة مكنتش قادر أفسرها.. نظرة كأنها بتقولي: “أنا كسبت الجولة دي يا رامي”!
تليفوني رن في جيب الصديري.. طلعت الشاشة، لقيت رقم “آية”.. فتحت الخط بسرعة وأنا حاطط إيدي على قلبي، بس مسمعتش صوت آية.. سمعت صوت صريخ، وخبط ورزع عنيف على باب شقتي، وصوت راجل غريب برة الباب بيزعق وبيتعدى بالألفاظ، وآية بتصرخ من جوه بهستيريا: “الحقني يا رامي!!! بيفتحوا الباب عليا!!!”