حبيب العمر حكايات اسما 4
جريت في الشوارع زي المجنونة، مكنتش حاسة بالبلاط ولا بالناس ولا بالعربيات اللي كانت بتمشي جنبي.. كان صوت الدكتور وهو بيقول “تعالي قبل ما يفوت الأوان” بيرن في ودني ويزلزل الأرض تحت رجلي.
وصلت المستشفى وطلعت السلم جري لحد العناية المركزة. الطرقة كانت مقلوبة، والممرضات بيجروا بأجهزة غريبة، والدكتور المسؤول كان واقف بيكلم دكتور جراحة تاني بعصبية وصوت مكتوم. أول ما شافوني، الدكتور جرى عليا وقال بلهفة: “رنا.. النزيف بدأ فجأة وضغط على الفص الجبهي، وده مخليه مش قادر يجمع أي كلمة، بس عمال يكرر حروف من اسمك.. لازم تدخلي فوراً، نبضه بينزل وإحنا بنجهز لأشعة مقطعية تانية عشان نشوف لو هنفتح الجرح تاني، بس الحالة حرجة جداً.”
دخلت الأوضة وأنا بنهج، وقلبي كان هيقف من الخوف. بصيت على السرير.. أدهم — اللي عشت معاه سنة كاملة بحبه على إنه أحمد — كان وشه شاحب زي الأموات، شفايفه كانت زرقا، وعينيه كانت نص مفتوحة وبتتحرك يمين وشمال برعب، كأنه غرقان في كابوس مش عارف يخرج منه.
قربت منه، وركبتي ساندة على السرير بالعافية. مسكت إيده الساقعة، وحطيتها بين إيديا الاتنين، وبدأت أبكي بحرقة وقلت: “أنا هنا.. أنا رنا يا أدهم.. أنا جيت.. متسيبنيش.”
أول ما سمع اسم “أدهم” من بوقي، حرك راسه براحة وبطء ناحيتي، عينه التايهة ركزت في عيني، ودمعة نزلت من طرف عينه وسالت على المخدة. حاول يتكلم، بس صوته كان مجرد حشرجة ضعيفة، طالع بالعافية من وسط خراطيم الأكسجين.. قال: “ر.. رنا.. س.. سامـ.. حيني.. أنا.. أحمد.. مات.. أنا.. بحبـ..”
“عارفة.. عارفة كل حاجة يا حبيبي، والله العظيم عارفة ومسامحاك” قاطعت كلامه وأنا ببوس إيده وبضغط عليها بكل قوتي، كأني بحاول أضخ من روحي جوة جسمه عشان يفضل عايش. “أحمد ماماتش يا أدهم.. أحمد سابلي روحه فيك.. الروح اللي حمتني، والراجل اللي وقف جنبي، واللي بكي معايا، واللي لبسني الدبلة دي هو أنت.. أنا مش عايزة الماضي، أنا عايزاك أنت.. عيش عشان خاطري، عيش عشان الوعد والفستان الأبيض.”
جهاز ضربات القلب بدأ يصفر بنغمات سريعة ومضطربة، والدكتور دخل بسرعة ومعاه ممرضين: “رنا، ارجعي لورا فورا، لازم ننقله أوضة الأشعة حالاً، النزيف بيزيد وضغط الدم بيقع!”
أنا وممرضتين كنا بنتحرك مع السرير وهو بيجري في طرقة المستشفى الضلمة رايحين ناحية أسانسير الأشعة. أدهم كان لسه ماسك طرف صباعي الصغير بقوة غريبة، كأنه غريق متمسك بقشة.. وقبل ما باب الأسانسير يقفل وإحنا نازلين، لقيت الممرضة اللي حكتلي السر زمان واقفة بعيد، وبتبصلي بنظرة مرعوبة، وبتشاورلي بإيدها على شنطتي!
بصيت لشنطتي اللي كنت شايلاها على كتفي.. مكنتش واخدة بالي إن الكشكول البني القديم كان مفتوح من الجنب، وفي حاجة تانية برزت من الجلاد المقطوع.. ورقة مطبقة أربع تربع ومكتوب عليها من برة بخط أحمر برضه: “إلى رنا.. الحقيقة كاملة في حال لو مت قبل ما أقولها.”
سحبت الورقة بسرعة والأسانسير بينزل بينا للدور الأرضي.. فتحتها وإيدي بتموت من الرعشة، وبدأت أقرأ السطور اللي كانت صدمة تالتة هدت كل اللي فات.. الخط مكنش خط أدهم، ولا كان خط أحمد.. الخط كان خط الدكتور المسؤول عن الحالة!
الورقة كان مكتوب فيها: “رنا.. لو تقرأي الكلام ده، فغالباً أنا بقيت في السجن أو أدهم مات.. أنا مش مجرد دكتور لأحمد وأدهم.. أنا كنت الصديق التالت ليهم في الغربة.. وأحمد ماماتش في حادثة عربية يا رنا.. أحمد اتقتل.. وأدهم عايش باسم أخوه مش عشان يخدعك.. أدهم عايش باسم أحمد عشان يحميكي من نفس الناس اللي قتلوا أخوه، والسرطان اللي عنده ده.. مكنش سرطان طبيعي.. أحمد اتسمم، وأدهم اتمس ل جسمه نفس المادة!”
وقفت مكاني مش قادرة أتنفس، الكلام كان بيتحول لسراب مرعب حواليا.. بصيت لأدهم اللي كان نايم على السرير وباب الأسانسير بيتفتح، وبصيت للدكتور اللي كان واقف بيوجه الممرضين، وفجأة حسيت إن نظرات الدكتور ليا اتغيرت.. م بقتش نظرة خوف على مريض.. بقت نظرة حد مستني يشوف رد فعلي بعد ما قريت الورقة!
الدكتور بص للورقة اللي في إيدي، وعينه لمعت بنظرة باردة خلت جسمي كله يتنفض. قرب مني بخطوات بطيئة والممرضين بيزقوا سرير أدهم بسرعة لداخل أوضة الأشعة. وقف قدامي في الطرقة الفاضية، وقال بصوت واطي جداً وفيه فحيح زي الأفاعي: “قريتيها صح؟ مكنتش عايزك تعرفي دلوقتي يا رنا.. بس أهو، النصيب.”
رجعت لورا وضهري خبط في حيطة الطرقة الساقعة، وقلت بصوت بيترعش ومنهار: “أنت.. أنت مين؟ وأحمد حبيب عمري جرى له إيه؟”
الدكتور ابتسم نص ابتسامة مرعبة وقال: “أنا اللي عيشت في ضل أحمد وأدهم سنين برة مصر.. أحمد كان ذكي، وشغلنا في المعامل الطبية برة كان بيكسب ملايين، بس هو قرر يبيعنا ويقفل الشغل ويرجعلك.. كان فاكر إن الحب أهم من الفلوس. لما رفض يدينا تركيبات الأدوية الجديدة اللي اخترعها، كان لازم يختفي.. وأدهم غبي، افتكر لما ياخد هويته وينزل مصر هيحميكي ويحمي الشغل.. المادة اللي سممنا بيها أحمد كانت بتعمل ورم بطيء في المخ بيبان في الأشعة كأنه سرطان طبيعي.. وأدهم شرب من نفس الكأس قبل ما ينزل مصر، بس الكمية كانت أقل، عشان كده عاش السنين دي كلها معاكي وهو عارف إنه هيموت في الآخر بالسرطان.”
نزلت دموعي وحسيت إن الدنيا بتتهد فوق دماغي، وسألته: “وليه وافقت تعمل له العملية؟”
ضحك بصوت مكتوم وقال: “عشان أدهم افتكر إني ندمت وجاي أساعده، واشترط عليا إنه مش هيديني الأبحاث اللي أحمد مخبيها غير لو نجحت العملية وعاش.. وأنا دخلت العمليات وشيلت الورم فعلاً عشان أخد اللي أنا عايزه.. بس النزيف اللي حصله دلوقتي؟ ده مش من مضاعفات العملية يا رنا.. ده حقي جواه.. أنا حقنته بمادة في المحلول من عشر دقايق هتخليه يموت إكلينيكياً في ظرف ساعة، والكل هيفتكر إنها جلطة ومضاعفات جراحة.. ومحدش هيشك فيا.”
صرخت بكل صوتي وحاولت أجري ناحية أوضة الأشعة عشان أنقذ أدهم، بس الدكتور مسك دراعي بعنف وضغط عليه وقال: “لو نطقتي بكلمة واحدة، أو حاولتي تعملي شوشرة، المادة دي هتوصل للأجهزة فوراً، وهتموتيه بإيدك.. اسمعي الكلام.. ادخلي معاه أوضة الأشعة، واستني لحد ما النبض يقف.. وبعدها هتاخدي جثته وتدفنيها، وتعيشي حياتك.. الأبحاث كدة كدة أنا عرفت طريقها.. كانت في الكشكول البني اللي في إيدك، في الصفحات المقطوعة اللي أدهم افتكر إنه حماها!”
بصيت للكشكول اللي في إيدي، واكتشفت إن الجلاد بتاعه كان سميك وفيه تجويف سري.. الدكتور مد إيده وأخده مني بعنف، وسابني وفتح باب أوضة الأشعة ودخل كأنه دكتور شريف رايح ينقذ مريضه.
دخلت وراه وأنا حاسة بقلة حيلة بتموتني.. بصيت لأدهم اللي كان محطوط تحت جهاز الأشعة الكبيرة، ملامحه كانت بتتألم وعينه مقفولة، وجهاز النبض بدأ يقل تاني: “بيب…… بيب…… بيب”.
الدكتور وقف يدير الأجهزة ووشه مديني ضهره، وبدأ يجهز حقنة تانية عشان ينهي الموضوع تماماً.
في اللحظة دي.. وأنا ببص على أدهم ودموعي بتغرق قميصي الأبيض.. لمحت صوابع إيد أدهم اليمين بتتحرك.. فتح عينه براحة وبصلي.. النظرة دي مكنتش نظرة موت ولا ضعف.. كانت نظرة ذكاء حادة جداً.. أدهم حرك شفايفه من غير صوت وهو بيبص لجيب البالطو بتاع الدكتور اللي واقف مديله ضهره، وكأنه بيقولي كلمة واحدة: “الموبايل”.
فهمت فوراً.. أدهم مكنش غايب عن الوعي لما الدكتور حقنه بالمادة، وكان سامع كل حاجة!
وفجأة، الباب الخارجي لأوضة الأشعة اتفتح بعنف، ودخلت ممرضة الطوارئ القديمة ومعاها اتنين من رجال الأمن بتوع المستشفى، ووراهم ظابط شرطة برتبة كبيرة!
الدكتور اتخض لورا والحقنة وقعت من إيده، ووشه اتقلب لمية لون وهو شايف الشرطة جوة الأوضة.. الظابط قرب والدكتور رفع إيده برعب وقال: “في إيه؟ أنا دكتور وبعالج المريض!”
الظابط بص للدكتور بكل برود، وطلع موبايل كان شغال فيه تسجيل صوتي.. وصوت الدكتور كان طالع منه بوضوح وهو بيقولي في الطرقة: *”المادة اللي سممنا بيها أحمد كانت بتعمل ورم.. وأنا حقنته بمادة في المحلول من عشر دقايق…”*
بصيت لأدهم وأنا مش مصدقة.. أدهم كان دايس على زرار الاتصال السريع في موبايله اللي كان مخبيه تحت الملاية، والخط كان مفتوح مع الممرضة الشريفة اللي سمعت كل الاعتراف، وبلغت شرطة المستشفى فوراً!
الظابط كلبش إيد الدكتور اللي كان بيصرخ ويقول: “أنتوا مش فاهمين حاجة! ده مجرم!”.. بس العساكر زقوه لبرة.
جريت على أدهم وأنا بصرخ: “دكتور تاني بسرعة! أدهم اتمم!”.. الممرضة جرت على المحلول وشالته فوراً، ودكتور الطوارئ دخل بسرعة وبدأ يديله مضادات للسموم..
أدهم مسك إيدي اليمين، وضغط عليها بآخر طاقة فضلاله.. النبض كان ضعيف جداً، وعينه بدأت تقفل تاني وهو بيبتسم بتعب وبيقول بصوت مقطوع: “أنا.. جبتلك.. حق أحمد.. يا رنا.. ودلوقتي.. أنا.. جاهز.. أموت..”
الأجهزة بدأت تطلق صفارة مستمرة وطويلة.. وعين أدهم قفلت تماماً، وإيده سابت إيدي ووقعت على السرير!
شريط الأجهزة صفر، والصوت المستمر “بييييييييييييييب” ملا الأوضة، كأنه بيعلن نهاية كل حاجة. دكاترة الطوارئ جيروا على السرير، وبدأوا يعملوا إنعاش قلبي رئوي لأدهم بكل قوتهم. الصدمة الأولى بالكهربا.. جسم أدهم اتنفض لفوق ورجع وقع على السرير، والمؤشر لسه خط مستقيم.
أنا كنت واقفة في ركن الأوضة، ضامة كشكول المذكرات البني لصدري، ودموعي نازلة في صمت. مكنتش قادرة أصرخ ولا أنطق.. كنت بس ببص لقميصي الأبيض وطرحة الفرح الرخيصة اللي الممرضة كانت شايلاها على جنب. افتكرت أحمد اللي مات وغدروا بيه في الغربة، وافتكرت أدهم اللي عاش في ضل أخوه وضحي بعمره وصحته عشان يحميني، وشرب السم عشان يجيب حق أخوه ويقفل الدائرة دي للأبد.
الدكتور صرخ: “كمان صدمة.. شحن على 360.. ابعدوا!”
جسمه اتنفض تاني.. وفي اللحظة دي، وكأن روحه رفضت تمشي وتسيبني لوحدي في وسط الكدب ده كله.. المؤشر اتهز.. وطلع صوت النبض الضعيف تاني: “بيب….. بيب….. بيب”.
الدكتور مسح عرق جبهته وبصلي وقال بنهجة: “المضاد للسم بدأ يشتغل والقلب استجاب.. النبض بيرجع، بس لازم يتنقل لغسيل كلى فوري عشان نطهر جسمه من بقايا المادة دي.. ادعيله يا رنا، الجاي صعب بس الأمل موجود.”
مرت تلات أسابيع كاملة في المستشفى.. أسابيع مكنتش بعرف فيها ليل من نهار. أدهم قضاهم بين العناية وغرفة غسيل الكلى، وجسمه كان بيحارب السموم بكل قوة.. وأنا مكنتش بسيبه، كنت بقعد جنبه أحكيله عن طفولتنا، عن أحمد الله يرحمه، وعن حبي ليه هو.. الروح اللي حمتني وعيشتني أحلى سنة في حياتي.
بعد شهر.. أدهم فتح عينيه بالكامل.. كانت نظرة عينه صافية، والتعب بدأ ينسحب من ملامحه براحة. بص لإيدي اللي لسه لابسة الدبلة، وابتسم بتعب وقال بصوت واطي: “أنا لسه عايش يا رنا؟”
دموعي نزلت، وبست جبهته وقلتله: “عايش يا قلب رنا.. والعدالة خدت مجراها.. الدكتور المحال للمحاكمة بتهمة القتل والشرطة قفلت القض..ية.. وأنت خلاص، خفيت.”
أدهم مسك إيدي وقال بصوت مليان دموع ونفس صافي: “أنا أسف إني عيشتك في كدبة.. بس أنا كنت أحمد في حبه ليكي.. والله العظيم كنت بحبك بكل كياني.”
قلتله: “أنا حبيت الراجل اللي عاش معايا وسندني.. والراجل ده هو أنت يا أدهم.. ومش هسمحلك تغيب عني تاني.”
بعد ست شهور من اليوم ده.. كنت واقفة قدام المراية الكبيرة في أوضة الفرح.. لابسة الفستان الأبيض الواسع اللي حلمنا بيه، والطرحة الطويلة المطرزة. الباب اتفتح، ودخل أدهم.. كان لابس بدلة سودا كاملة، شيك جداً، وشه كان رجعله نضارته وصحته بالكامل.. وقف يبصلي وعينه بتلمع بالدموع.. قرب مني، مسك إيدي اللّي فيها الدبلة، وباسها وقال: “وعدتك إني هقوم على رجلي وألبسك الفستان الأبيض.. ومخلفش بوعدي.”
خرجنا سوا والقاعة كانت مليانة نور وفرحة، والكل كان بيصقف ويزغرد.. وإحنا بنرقص وسط الناس، حطيت راسي على صدره، وسمعت دقات قلبه المنتظمة.. وعرفت إن الحكاية اللي بدأت بألم في أوضة مستشفى، انتهت بأجمل بداية لعمر جديد.
### الحكمة من القصة
الحياة مش دايماً بتمشي حسب الأسامي والعناوين اللي بنختارها لنفسنا، السند الحقيقي مش في الإسم، السند في الروح اللي مستعدة تضحي وتتحمل النار عشان تحميك.
* **الحب الحقيقي أفعال مش كلام:** أحمد حب رنا في طفولتها ووعدها بالحمية، وأدهم كمل الوعد وحماها بروحه وجسمه.. الوفاء للوعود هو اللي بيصنع الرجال.
* **الحقيقة بتظهر مهما طال الكدب:** الدكتور افتكر إن الذكاء والمؤامرات والسموم هتديله الثروة والأبحاث، بس العدالة الإلهية خلت نهايته تكون بنفس السلا..ح اللي استخدمه، والتسجيل الصوتي اللي سجله أدهم وهو بيموت كان دليل نهايته.
* **الـ 20% أمل دايماً تستاهل المحاربة:** لو رنا استسلمت لكلام الدكاترة الأولاني والكدبة اللي عاشوا فيها، كان أدهم مات بالسم والسرطان والسر اتدفن.. بس التمسك بالأمل، حتى لو كان ضعيف، هو اللي بيغير المقادير ويصنع المعجزات.
