حكايات رومانى مكرم 2
إيد ندى كانت بترتعش وهي بتطلع الموبايل من شنطتها. شاشة التليفون كانت بتنور باسم “سامح”. بصتلي بنظرة رجاء أخيرة، كأنها بتترجاني أغير رأيي، بس أنا هزيت راسي بإصرار.
فتحت الخط، وشغلت الإسبكر وهي حاطة التليفون على السفرة في النص بيننا.
صوت سامح طلع علطول، مكنش فيه أي نبرة زعل أو اعتذار، كان صوت حاد، مليان عصبية وجفاف: “إيه يا ندى؟ أخيرًا هان عليكي تردي؟ عملتي إيه مع أمك؟ الفلوس هتحولها إمتى عشان أكلم المقاول يرجع؟”
ندى بلعت ريقها، وبصت للأرض وصوتها طلع مهزوز: “سامح.. أنا عند ماما في الشقة دلوقتي.”
“عارف إنك عندها، مصلحة عشان تخلصي الموضوع!” سامح رد بسرعة وبدون أي اهتمام بمشاعرها، “اسمعيني كويس، قولي لها إن السباك طالب عربون جديد عشان عطلة إمبارح، والشيكات القديمة دي لازم تتغير بفلوس كاش أو تحويل فوري.. مش ناقص أنا قلة قيمة قدام الناس بسبب حركات الستات دي!”
الكلام نزل على ندى زي المايه الساقعة. وشها احمر، وبصتلي وكأنها لأول مرة تسمع صوت جوزها على حقيقته بدون رتوش أو تبريرات كانت بتصنعها في خيالها.
شاورت لها بصباعي على شفايفي إنها تسكت، وسحبت التليفون ناحيتي بهدوء، وقلت بنبرة واضحة وثابتة: “صباح الخير يا سامح.”
الخط سكت فجأة. صوته اتغير تمامًا في ثانية، واتحول لنبرة مصطنعة من الأدب اللي وراها غل مكتوم: “أه.. أهلاً يا طنط. معلش مخدتش بالي إنك قاعدة معاها.. أنا بس كنت مضغوط وبشوف الحسابات..”
“لا مفيش مشكلة يا حبيبي،” قاطعته ببرود هز ثقته في نفسه، “أنا بس كنت عايزة أقولك إن ندى مش هترجع البيت النهاردة، ولا بكرة.”
“يعني إيه مش هترجع؟” صوته رجع يحتد تاني، “هو إحنا في لعب عيال؟ البيت وراه مصاريف والتزامات، وهي لازم تكون موجودة!”
“الالتزامات دي تخصك إنت يا سامح،” رديت وأنا ببص لندى اللي كانت بتسمع ودموعها بتنشف ويحل مكانها صدمة تانية، “البيت ده إنتوا اخترتوه في الضواحي عشان يناسب الوجاهة الاجتماعية بتاعتك، والسقف والسباكة دي حاجات تخص صاحب البيت اللي هو إنت. طالما إنت مش عايزني أكون جنبك في بيتك، يبقى من حقك تشيل شيلتك لوحدك بالكامل.. وريني بقى هتمشي أمورك إزاي من غير ‘حركات الستات’ دي.”
“إنتي بتخربي بيني وبين بنتك؟” صرخ سامح من ورا الخط، ووشه الحقيقي ظهر تمامًا، “ماشي يا طنط! خليها عندك بقى، واشبعي بيها! وبيتك الأنيق ده مش هيدخله مسمار واحد، وهتشوفي بنتك هتعيش إزاي لما الناس تعرف إنها سابت بيت جوزها عشان الفلوس!”
“الناس عارفة كويس مين اللي دفع تمن السقف ومين اللي كان بيمشي المركب يا ابن الأصول،” رديت بقوة وعيني في عين بنتي، “والخط اللي بينا اتقطع خلاص.”
قفلت الخط في وشه تمامًا.
ندى كانت قاعدة مذهولة، باصة للتليفون المقفول وكأنها مش مصدقة إن سامح ممكن يتخلى عنها بالسهولة دي لمجرد إن الفلوس وقفت.
قمت وقفت، وبصيت لها وقلت: “قومي يا ندى، اغسلي وشك. إحنا هننزل دلوقتي حالا.”
ندى رفعت راسها وقالت بصوت مبحوح: “على فين يا ماما؟”
“على بنك محمد الله يرحمه،” قلتها وأنا ببتسم لأول مرة من أيام، “هنعمل حاجة كان زماني عملتها من تلات سنين.”
الصوت مكنش طالع بزعيق ولا بتهديد زي ما توقعنا، بالعكس، كان صوت راجل كبير في السن، نبرته هادية وفيها أسى: “يا بنتي، أنا الحاج عبد الحميد صاحب شركة الأجهزة والمقاولات. أنا مش بتصل عشان أطالب بفلوس.. أنا بتصل عشان أبلغك إن جوزك سامح جه المعرض عندي من ساعتين، وكان معاه دفتر شيكات جديد وعايز يمضي على نفسه وصولات أمانة تانية عشان يلحق الشغل، ولما رفضت، قالي كلام غريب جداً.. قالي إنك إنتي وأمك نصبتوا عليه وسحبتوا الفلوس من وراه عشان تخربوا بيته.”
الحاج عبد الحميد سكت شوية، وأخد نفسه وكمل: “أنا عارف أبوكي الله يرحمه يا ندى، وعارف الست والدتك مدام فاطمة وأصلها الطيب. أنا اتصلت بيكي عشان أقولك.. جوزك مش في أزمة سباكة ولا سقف يا بنتي. سامح دخل في مضاربات وديون برة الشغل من شهور، والفلوس اللي والدتك كانت بتبعتها مكنتش بتروح للبيت.. كانت بتروح لسد ديونه في السُّكر واللعب. والنهاردة لما الحنفية اتقفلت، قناع الأدب وقع تماماً، وهو دلوقتي بيجهز ورق عشان يرفع قضايا تمكين ويتبلى عليكم.”
ندى نزلت التليفون من على ودنها بالراحة، كأنها مش قادرة تشيل وزنه. الصدمة المرة دي مكنتش بتوجع، الصدمة دي كانت زي المشرط اللي بيقطع آخر حبل واصل بينها وبين الوهم اللي عاشت فيه. بكت، بس المرة دي دموعها كانت نظيفة، دموع فوقان.
بصيت لها وخدتها في حضني وسط الشارع، وقلت لها: “الحمد لله يا بنتي.. الحمد لله إن الحقيقة ظهرت بأقل الخساير. الفلوس بتروح وتيجي، بس العمر والكرامة لو راحوا مابيرجعوش.”
## الحكمة من وراء السطور
> **العطاء بلا حدود لا يصنع إنسانًا ممتنًا، بل يصنع إنسانًا اتكاليًا يرى حقك واجباً عليك، وفضلك فرضاً تلتزم به.**
>
في حياة كل واحد فينا “خط أحمر” لازم يترسم بوضوح. الاستقرار الحقيقي مش في كتر الفلوس ولا في البيوت الأنيقة اللي في الضواحي، الاستقرار الحقيقي هو إننا نعرف قيمتنا ونحميها. الأمومة مش معناه إننا نكون “شيك على بياض” يتصرف في أي وقت ويترمي صاحبه في وقت الضيق؛ الأمومة الحقيقية هي إننا نكون السند وقت الأزمة الحقيقية، والدرع اللي بيعلم أولادنا إزاي يواجهوا الدنيا بكرامة وعزة نفس، مش بإنحناء وتبرير للصغيرين.
رجعت أنا وندى شقتي الهادية. ريحة معقم الليمون كانت لسه مآنسة المكان، والناس سلموا علينا بأدب. قعدنا، شربنا القهوة في كبايات محمد الله يرحمه، وبدأنا نرتب حسابات حياتنا من جديد.. بس المرة دي، الحسابات كانت مظبوطة بالملّيم، ومفيش فيها خانة واحدة تانية للوجع أو الاستغلال.