حكايات انجى الخطيب 2

**الجزء الثالث**
وقفت أمل في منتصف الصالة، وسط حالة الذعول والذهول اللي خيمت على الستين واحد من كبار العيلة وشركاء عثمان. بصت لعثمان بنظرة مليانة قسوة ووجع، وقالت الجملة اللي هزت البيت كله:
“أنا مش جاية هنا عشان أخد من عزك ولا أعيش في فيلتك.. أنا جاية أقولك إن الست اللي ماتت في حارة اليهود ورضعتني وربتني بشقاها، بألف راجل منك.. أنت مش أب، أنت مجرد راجل ظلم اتنين ستات، ورمى بنته للفقر عشان شكوكه المريضة!”
عثمان المنشاوي كان واقف مش قادر يتنفس. وش أبيض كأنه ج\ثة، أساور البدلة بتترعش، وحاول يخطو خطوة واحدة ناحية أمل وهو بيمد إيده بقلة حيلة وبيقول بصوت متقطع: “أنتِ.. أنتِ شبه أمي الله يرحمها.. نفس الرسمة.. أنتِ بنتي؟”
أمل رجعت خطوة لورا، واستخبت ضهري، وقالت بثبات: “متلمسنيش.. اسمي أمل، وبس.”
في اللحظة دي، أمي فردوس قامت من مكانها زي اللي صحيت من كابوس طال 28 سنة. مشيت ببطء، خطواتها كانت ثقيلة ومترددة، وعينيها متثبتة على أمل. الصمت في القاعة كان مرعب، محدش كان قادر يتنفس. أمي قربت من أمل، رفعت إيدها المترعشة ولمست وشها.. شافت في ملامحها الشبه الصريح من عيلتها، شافت قطعة منها اتسرقت منها يوم ولادتها من غير ما تحس.
أمي انهرت في البكاء، بكاء صوته يقطع القلب، وحضنت أمل بقوة وهي بتصرخ: “28 سنة.. 28 سنة حرموني منك وأنا مش عارفة! 28 سنة بيجلدوني بذنب ما عملتوش، وتاركين بنتي في الشارع!”
أمل في الأول اتجمدت، بس مع دموع أمي فردوس وحضنها الدافئ، انهرت هي كمان وبكت في حضن أمي الحقيقية لأول مرة في حياتها.
عمي الكبير “إبراهيم” قام من على السفرة، مسك الورق اللي أنا رميته، وقرأ شهادة المواليد واعتراف الممرضة ميرفت ونتيجة الـ DNA. بص لعثمان بنظرة قرف وقال قدام العيلة كلها: “طول عمرك يا عثمان عالي الصوت ومترفع على الكل، وطول عمرك ذابح مراة أخوك وبنتك بالباطل.. طلعت أعمى، وعشت 28 سنة بتدمر في بيتك بجهلك!”
عثمان بص لحواليه، لقى عيون العيلة كلها بتنطق بالاحتقار. شركاؤه في التجارة بيبصوله بذهول، وعمامي اللي كانوا بيهزوا راسهم لموافقته بقوا يبصوله بقرف.
حاول يبص لياسين – الابن المدلل – وقال بصوت مكسور: “ياسين.. اتكلم يا بني.. أنت شايف الشبه.. قول حاجة!”