ثلاث أيام. حكايات رومانى مكرم 2

انسحبت نهى من الغرفة ببطء وهي تنظر إليّ بنظرات قلقة، كأنها تخشى أن تتركني بمفردي مع هذه المرأة. أغلقت الباب خلفها، فصارت الغرفة أشبه بساحة محاكمة صامتة.

تقدمت الحاجة هدى خطوات، ووقفت عند طرف السرير، لم تمد يدها لتلمس الصغير، ولم تسألني حتى كيف حال الجرح. نظرت إليّ بعينين ضيقتين وقالت بنبرة منخفضة لكنها حادة كالموس:

— “بقى بتخلي طارق يصرخ في وشي ويبكّيني عشان حتة عزومة؟ أنا الحاجة هدى، ابني يقف قصادي ويزعقلي عشانك؟”

حاولت أن أعتدل في جلستي رغم الألم الذي عاد ينهش بطني، وقلت بصوت واهن لكنه حذر:

— “يا طنط، أنا كنت بتموت… الدكتور قال الجرح كان هيفتح…”

قاطعتني بإشارة من يدها، وعلت نبرة صوتها قائلة بتهكم:

— “بلا تموت بلا كلام فارغ! الستات طول عمرها بتولد في الغيط وتقوم تخبز وتطبخ، مفيش حد بيتدلع الدلع ده غير بنات الأيام دي. إنتِ فكرك لما تخليه يزعقلي وتتمارضي كدة إنك كسبتيه؟ لاء يا حبيبتي… طارق ابني، ومهما لف ورجع، ملوش غير حضن أمه. وأنا مش هعدي اللي حصل ده بالساهل.”

في هذه اللحظة، لم أشعر بالخوف كما كنت أشعر من قبل. ربما لأنني لمست الموت بيداي بالأمس، فلم يعد هناك شيء أخسره. نظرت في عينيها مباشرة وقلت بهدوء شديد:

— “أنا مش في تحدي معاكي يا طنط. أنا كنت عايزه أعيش بس عشان ابن الصغير ده. وطارق لما صرخ، صرخ لأنه حس إنه كان هيموتني بإيده لما سمع كلامك.”

احمرّ وجهها غضبًا، وتراجعت خطوة وهي تشير بإصبعها نحو وجهي:

— “طيب يا بنت الناس… وريني بقى هتقعدي في بيتك إزاي، وطارق اللي فرحانة بيه ده هيصرف عليكي وعلى ابنك منين بعد ما أمنع عنه قرش الشغل في المحلات بتاعتي! وافتكري إنك إنتِ اللي بدأتي.”

التفتت لتخرج بكبريائها الجريح، وفتحت الباب بقوة لتجده أمامها… كان طارق واقفًا على عتبة الغرفة.

لم يكن وجهه شاحبًا كما كان بالأمس، بل كان جامدًا، وعيناه تحملان نظرة غريبة لم أرها فيه قط. يبدو أنه كان يقف خلف الباب واستمع إلى كل كلمة قالتها والدته.

تصلبت الحاجة هدى مكانها، وحاولت أن تستعيد نبرة السيطرة بسرعة:

— “كويس إنك واقف يا طارق، اسمع بق…”

قاطعها طارق بصوت هادئ مخيف، هدوء يسبق العاصفة:

— “أنا سمعت كل حاجة يا أمي. سمعت وعرفت أنا كنت متجوز إيه وبقيت إيه.”

نظرت إليه باستنكار:

— “يعني إيه؟”

تقدم طارق خطوة داخل الغرفة، ووقف بيني وبينها، كأنه يضع جسده درعًا حاميًا لي ولابنه. قال وعيناه مثبتتان في عيني والدته:

— “يعني المحلات والشغل اللي بتذليني بيهم، أنا سايبهالك من دقيقة واحدة. كلمت حاج محمود شريكي القديم، وهبدأ معاه في الورشة الجديدة من بكرة الصبح كعامل، بلقمتي وعرقي، ولا إني أشوف مراتي بتموت بسببي عشان برستيج العيلة.”

اتسعت عينا الحاجة هدى بصدمة، ولم تنطق بحرف.

التفت طارق إليّ، وانحنى يقبل رأسي ورأس الصغير، ثم نظر إلى والدته وقال بكلمات قطعت كل حبال العودة:

— “من النهارده يا أمي، مراتي مش هتدخل بيت العيلة، ولا هتقف في مطبخ حد… بيتي الصغير هقفل بابه عليا وعلى مراتي وابني، واللي عايزنا… يجيلنا ضيف، ويحترم تعبنا.”

خرجت الحاجة هدى من الغرفة وهي تضرب الأرض بحذائها وتتوعد بصوت مرتفع، بينما ركع طارق بجانب السرير مجددًا، وأمسك بيدي وهو يرتجف. نظرت إليه، وشعرت لأول مرة منذ أيام أن هناك أملًا… لكن الطريق أمامنا كان قد بدأ يضيق، فخروجنا من تحت طوع الحاجة هدى لم يكن يعني أن الحرب قد انتهت، بل إنها بدأت للتو.

مرت الأيام الثلاثة التالية في المستشفى وثقلها يزول تدريجيًا مع كل حقنة مسكن وكل نظرة حانية من طارق، لكن الخوف من القادم كان ينمو في قلبي مثل النبتة الشيطانية.

خرجتُ أخيرًا إلى بيتي الصغير. لم يكن هناك استقبال حافل، ولا زينة معلقة، ولا أحد ينتظرنا سوى الجدران الباردة ونهى التي أصرت على مرافقكتنا لتساعدني في ترتيب السرير وتنظيف الغرفة قبل أن تودعني بدموع حائرة، وتمضي إلى بيتها وهي تخشى غضب والدتها.

صار البيت هادئًا بشكل مخيف. طارق كان يتحرك كالمجنون في المطبخ؛ يغلي الرضّاعات، يحضر لي كُوبًا من المغات دافئًا، ويحاول أن يبتسم في وجهي ليقنعني بأن كل شيء على ما يرام، لكن عروق جبهته البارزة وهاتفه الصامت تمامًا على الطاولة كانا يرويان قصة أخرى.

في المساء، جلس طارق على طرف السرير، ووضع رأسه بين يديه متعبًا. مددت يدي ببطء ولمست كتفه وقلت بصوت خافت:

— “طارق… أنت ندمان؟”

رفع رأسه بسرعة، وعيناه حمراوان من قلة النوم، وأمسك بيدي بقوة:

— “ندمان على إيه يا أمي ريان؟ ندمان إني حميتك؟ أنا ندمان على كل لحظة سبتك فيها لغيري يكسر فيكي. الشغل هيروح وييجي، والفلوس بتتوضب، بس إنتِ وابننا لو جرى لكم حاجة أنا كنت هضيع.”

ابتسمت بمرارة:

— “بس الشغل مع حاج محمود هيكون صعب عليك… إنت عمرك ما وقفت في ورشة كعامل يا طارق، إنت طول عمرك بتدير المحلات.”

بلع ريقه وصمم على نبرته القوية:

— “الراجل ميعيبوش عرق جبينه يا حبيبتي. المهم عندي إنك ترتاحي، والجرح ده يلم.”

لكن راحة البال في بيتنا لم تكن مقدرة لها أن تدوم طويلًا.

في صباح اليوم التالي، بينما كان طارق قد غادر إلى عمله الجديد منذ ساعتين فقط، استيقظت على صوت طرقات عنيفة على باب الشقة. لم يكن رنين جرس، بل كان خبطًا متتاليًا باليد وكأن أحدهم يريد هدم الباب.

توجست خيفة، وأمسكت بروب ثقيل لفيته حول جسدي المتألم، وتحاملت على نفسي حتى وصلت إلى الباب. فتحت ببطء، لتندفع إلى الداخل زوجة أخيه الأكبر، “مروة”.

دخلت مروة وعيناها تتفحصان الصالة بفضول وشماتة واضحة، ولم تنتظر أن آذن لها بالجلوس، بل جلست على الأريكة ولوت فمها قائلة بنبرة تقطر سمًا:

— “يا ألف نهار مبروك يا عروسة… حمد الله على سلامتك. شفتي بقى الدلع والتمارض وصلوكم لإيه؟”

وقفت مستندة على الحائط وأنا أشعر بالدوار:

— “جرى إيه يا مروة؟ إنتِ داخلة بيتي تخبطي كده وتتكلمي بالطريقة دي ليه؟”

وقفت مروة وفردت طولها قائلة بضحكة صفراء:

— “بيتك؟ طيب يا فصيحة، ما هو عشان بيتك ده أنا جيت. الحاجة هدى لغت التوكيل اللي كانت عاملاه لطارق في المحلات، ومش بس كده… دي بعتتني أبلغكم إن الشقة دي ملكها، ومكتوبة باسمها هي والحج الله يرحمه، وقالت لكم قدامكم أسبوع واحد بالضبط… يا إما طارق ييجي يبوس على إيدها ورجلها ويعتذر لها قدام العيلة كلها ويرجع المحلات طوع أمرها، يا إما تخلو الشقة دي عشان هي هتأجرها!”

سقطت الكلمات فوق رأسي كالصاعقة. الشقة التي فرشناها معًا قطعة قطعة، الشقة التي شهدت أحلامنا، تريد الحاجة هدى أن تطردنا منها في الشارع ومعنا طفل لم يكمل أسبوعه الأول!

شعرت بألم حاد يضرب بطني مجددًا، وتراجعت خطوتين للخلف وأنا أتنفس بصعوبة. نظرت إلى مروة وقلت بصوت يرتجف من القهر:

— “تطرد ابنها وابن ابنها في الشارع عشان عزومة؟”

لوحت مروة بيدها وهي تتجه نحو الباب:

— “الموضوع مابقاش عزومة يا حلوة، الموضوع بقى كسر كلام الحاجة هدى. وأنا بلغتكم الأمانة، والقرار في إيد طارق… يا يرجع لبيت الطاعة، يا تتدبروا لكم رصيف تقعدوا عليه.”

خرجت وصَفَقت الباب خلفها، لتتركني واقفة في وسط الصالة، والدموع تجمدت في حنجرتي. نظرت إلى غرفة الصغير وهو يبكي، ولم أعرف كيف سأخبر طارق عندما يعود من عمله وهو محمل بشقاء يومه الأول، أننا أصبحنا بلا مأوى…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *