حكايات صافى هانى 2

لكن كريم… كريم كان في عالم تاني خالص.
كان متسمر مكانه قدامي، عيونه مبرقة، وريقه نشف لدرجة إنه بيحاول يبلعه بصعوبة بالغة. بص للشنطة اللي وقعت على الأرض، وللورق والشيكات اللي اتنثرت على البلاط، وبصلي بصوت بيتهدج زي الطفل المذنب:
“مـ.. مريم؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟ إنتي إزاي جيتي؟ إنتي فاهمة غلط.. أنا.. أنا كنت بحميكي! دول ولاد كلب كانوا بيهددوني بيكي وبشغلك زمان!”
ضحكت.. ضحكة خفيفة من أعماق قلبي، ضحكة ست اتنفست لأول مرة من سبع سنين.
قربت منه خطوة واحدة، ونظرات الاحتقار اللي كان بيبصهالي إمبارح في الصالة عكستهاله أضعاف مضاعفة. وطيّت على الأرض بهدوء، رفعت ورقة التنازل وإيصال الشيك المختوم، ووقفت قدام وشه وقولتله:
“بتحميني؟ بتحميني من إنك تبيع دم بنتك اللي من صلبك؟ بتحميني وإنت مانع دكاترة الطوارئ يدخلوها قسطرة شريانية عشان متلحقش تعيش وأنا أعرف الحقيقة؟ سبع سنين معيشني في وهم إني مذنبة، وإني عاجزة، وإني مكسورة، وإنك الملاك الحارس اللي ضحى بعمره عشاني.. وإنت في الحقيقة الشيطان اللي قبض تمن روحها عشان يسد ديون القمار بتاعته؟”
كريم صرخ، صرخة رعب وهستيريا وهو بيحاول يمد إيده يمسك دراعي:
“اسمعيني بس! هفهمك.. أنا عملت ده عشان إحنا الاتنين نعيش! ليلى كانت هتموت كده كده! كانت هتموت والتقرير قال كده!”
وقبل ما تلمس إيده عبايتي، إيد حسام منصور كانت أسرع منه، مسكه من ياقة قميصه ونطره لورا بقوة رمت كريم على الأرض جنب جزمة مدحت سليم:
“اخرس يا حيوان! متجيبش سيرة بنتك على لسانك القذر ده!”
رئيس النيابة بص للمأمور وقال بحزم:
“حرزوا الفلاشات والتسجيلات والشيكات دي فوراً، ووثقوا كل حاجة بالصوت والصورة، كل المتهمين دول مقبوض عليهم في حالة تلبس بابتزاز وتزوير أوراق رسمية وتستر على جري\مة ق\تل بالخطأ واشتراك في القتل بالامتناع العمدي.”
الكلابشات الحديدية لمعت تحت شمس الضهر، وصوت تكاتها وهي بتقفل على إيدين كريم، وعمر، ومدحت سليم، كان زي أحلى لحن سمعته وداني في حياتي.
كريم كان بيزحف على الأرض وهو بيبكي بدموع حقيقية المرة دي، دموع ذل وخوف من حبل المشنقة أو سنين السجن الطويلة:
“سامحيني يا مريم! أرجوكي ارحميني.. قولي كلمة واحدة للنيابة.. أنا جوزك! أنا مليش حد غيرك!”