حكايات صافى هانى 2

حسام ركّب سماعة صغيرة في ودني وشغّل المقطع.

صوت وشوشة أجهزة، وبعدين صوت كريم وهو بيهتف بعصبية:

“أنا مش بطلب كتير يا دكتور مدحت، أنا محتاج اتنين مليون جنيه أخلص بيهم أزمتي قبل ما أسافر الخليج، وإلا أقسم بالله أروح للنيابة وأعترف بكل حاجة.. أصل أنا خلاص خسران كل حاجة، حتى مريم مخليها زي الميتة في البيت ومش هتعرف تعمل حاجة لو اتكلمت!”

رد عليه صوت راجل كبير في السن، مبحوح ومستفز، صوت مدحت سليم وهو بيضحك بسخرية باردة:

“إنت بتلوي دراعي يا كريم؟ إنت ناسي نفسك ولا إيه؟! ناسي إن إنت اللي قولتلي ليلتك وإحنا في العمليات: ‘متخلوش مريم تعرف، وإدوني فلوس أفك زنقتي وأنا مستعد أقول إنها ماتت فوراً وأمضي على استلام الج\ثة من غير تشريح’؟ وناسي إن بنتك مكنتش هتموت لو مكانش فيها نزيف شرياني وإنت بنفسك منعتهم يدخلوها غرفة القسطرة عشان مريم متلحقش تشوفها قبل ما تطلع المؤتمر؟! إنت اللي قتلتها بإيدك يا كريم.. دم بنتك في رقبتك إنت قبل ما يكون في رقبة ابني عمر!”

السماعة وقعت من ودني لوحدها.

الدنيا لفت بيا، والأرض مالت تحت رجلي لدرجة إني سندت على حافة الترابيزة بكل قوتي عشان مقفش.

كريم.. كريم كان يقدر ينقذها! ليلى كانت عايشة، وكان ممكن تتلحق لو اتعملها القسطرة فوراً، بس هو فضل الفلوس، فضل إنه يضحي بالبنت عشان يقبض التمن ويمسح ديونه، وخلى مدحت سليم يدفنها بسرعة قبل ما المؤتمر يخلص وأرجع من السفر!

كل مشهد عشته معاه في السبع سنين عدى قدام عيني زي شريط سينما مرعب..

دموعه المزيفة..

حضنه الدافي اللي كنت بستخبى فيه وأنا منهارة..

صوته وهو بيقولي “أنا جنبك يا حبيبتي”..

نظراته ليا وهو بيقول “إنتي مكسورة ومهملة ومحدش هيتحملك غيري”..

ده مكنش بيحميني من الحزن.. ده كان بيكسر فيا كل يوم، بيطفي روحي حتة حتة، عشان يضمن إني عمري ما أقوم على حيلي ولا أفكر أسأل سؤال واحد!

“دكتورة مريم.. إنتي كويسة؟” صوت حسام كان قلقان وهو شايف وشي شاحب تماماً.

رفعت راسي، ولقيت إن الدموع نشفت من عيني. خلاص، مبقاش فيه دموع، بقى فيه يقين واحد بس: الحساب لازم يتقفل، وكل ثانية عشتها في الذل والوجع لازم تترد لهم أضعاف.

“فين الفيلا يا حسام؟” سألته بهدوء تام، هدوء مرعب، هدوء أوضة العمليات قبل أول فتحة مشرط.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *