حكايات اسما السيد 2

الأيام اللي بعدها عدت على زين ببطء قاتل.

كان يصحى كل صباح وهو متوقع إن سارة هتتصل.

أو تبعت رسالة.

أو حتى تظهر فجأة قدام باب الشركة.

لكن ده ماحصلش.

الغريب إن غيابها بدأ يظهر في أماكن عمره ما كان يتخيلها.

لما نسي موعد اجتماع مهم لأول مرة من سنين.

لما اكتشف إنه مش عارف مكان أوراق كان محتاجها فورًا.

لما رجع البيت بالليل ومحدش سأله إذا كان أكل ولا لأ.

لما مرض يومين متتاليين ومافيش حد حطله الدوا جنب السرير.

كان دايمًا فاكر إن كل الحاجات دي بتحصل لوحدها.

زي الكهرباء.

زي الميه.

زي التكييف.

حاجات موجودة وخلاص.

لحد ما اختفت.

وساعتها بس عرف قيمتها.

أما سارة فكانت حياتها في سيدني بتتغير بسرعة.

بدأت شغلها الجديد.

رجعت تلبس الملابس اللي بتحبها.

رجعت تقرأ الكتب اللي كانت مخبياها.

رجعت تشتري شموع اللافندر اللي كان بيكره ريحتها.

والأهم من ده كله…

رجعت تضحك.

ضحك حقيقي.

مش الضحكة المؤدبة اللي كانت بترسمها كل ما حد يسألها إذا كانت سعيدة.

في أحد الأيام كانت قاعدة في مكتبها الجديد لما وصلها إيميل من محاميها في القاهرة.

فتحت الرسالة.

وقرأت التفاصيل بهدوء.

ثم أغمضت عينيها للحظة.

المرحلة الأخيرة بدأت.

في نفس الأسبوع كان زين داخل اجتماع مع الشركاء الجدد.

ومن أول دقيقة عرف إن الوضع اختلف.

الناس اللي اشترت أسهم سارة ماكانوش مجرد مستثمرين.

كانوا محترفين.

بيسألوا عن كل تفصيلة.

بيراجعوا كل عقد.

وبيفتحوا ملفات قديمة محدش قرب منها قبل كده.

وده كان مزعج جدًا بالنسبة له.

بعد الاجتماع استدعاه رئيس المجموعة الاستثمارية لمكتب خاص.

رجل خمسيني هادئ اسمه فؤاد الجارحي.

صافحه وجلس أمامه.

ثم قال بهدوء:

“أنا حابب أسألك سؤال شخصي.”

زين عقد حاجبيه.

“اتفضل.”

فؤاد فتح ملف صغير.

وأخرج منه صورة.

ولما شافها زين اتجمد مكانه.

كانت صورة سارة.

فؤاد ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

“مدام سارة إنسانة محترمة جدًا.”

زين ما ردش.

فؤاد كمل:

“عارف إنها كانت سبب رئيسي في إننا نهتم بالشركة من الأساس؟”

زين حس بضيق في صدره.

لأنه لأول مرة يسمع حد يتكلم عن سارة بالطريقة دي.

طول عمره كان شايفها زوجته.

لكن العالم بره كان شايفها حاجة تانية.

شخص ناجح.

مؤثر.

ذكي.

مستقل.

فؤاد أغلق الملف وقال:

“بالمناسبة… هي كانت تقدر تدمر الشركة بسهولة.”

زين رفع رأسه بسرعة.

“إيه المقصود؟”

“المقصود إنها كانت تملك معلومات وحقوق وأوراق كفاية تخلي الوضع مختلف تمامًا.”

سكت لحظة ثم أضاف:

“لكنها ماعملتش كده.”

زين رجع للخلف في مقعده.

وفجأة شعر بشيء غريب.

مش الخوف.

ولا الغضب.

الندم.

لأن أول مرة بدأ يسأل نفسه سؤالًا ماكانش مستعد لإجابته.

ماذا لو كانت سارة فعلًا أفضل شيء حصل في حياته؟

وماذا لو خسرها للأبد؟

في تلك الليلة رجع إلى الشقة.

وقف في الصالة المظلمة.

ثم مشى ناحية أوضة الضيوف.

الأوضة اللي كانت سارة حاطة فيها كتبها وكل الحاجات اللي كانت بتحبها.

فتح الباب.

وكانت شبه فاضية.

لكن في أحد الأدراج نسيَت شيئًا واحدًا.

دفتر صغير.

جلس على الأرض وفتحه.

في البداية ظن أنه دفتر ملاحظات عادي.

لكن بعد صفحات قليلة اكتشف الحقيقة.

كان مذكراتها.

صفحات كتبتها على مدار شهور.

ولم تكن تعرف أنها يومًا ما ستقع بين يديه.

قرأ أول صفحة.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

ومع كل سطر كان وجهه يشحب أكثر.

لأن الصفحات لم تكن تتحدث عن خيانته.

ولا عن ياسمين.

ولا حتى عن مشاكل الزواج.

كانت تتحدث عن الوحدة.

عن امرأة كانت تختفي ببطء داخل بيتها.

عن أحلام تخلت عنها.

عن فرص رفضتها.

عن ليالٍ كاملة بكت فيها بجواره وهو نائم ولم يشعر بها.

وفي آخر صفحة توقف قلبه تقريبًا.

لأنها كانت مكتوبة قبل سفره بيومين فقط.

وكان فيها سطر واحد.

“أنا لم أعد أحاول إنقاذ زواجنا… أنا فقط أحاول إنقاذ نفسي.”

أغلق الدفتر ببطء.

وشعر لأول مرة منذ سنوات أن كل النجاحات التي حققها لا تساوي شيئًا.

لأنه بينما كان منشغلًا ببناء شركاته وثروته…

كان يهدم الإنسان الوحيد الذي أحبه بصدق.

لكن بينما كان جالسًا في الظلام ممسكًا بالدفتر…

كان هناك شيء آخر يحدث على بعد آلاف الكيلومترات.

شيء لم يكن يعرف عنه شيئًا.

لأن سارة لم تسافر إلى سيدني من أجل العمل فقط.

كانت تحمل سرًا كبيرًا أخفته عنه طوال الأشهر الأخيرة.

سرًا سيجعله يفهم أن خسارته لم تكن مجرد زوجة…

بل كانت أكبر بكثير مما يتخيل.

في صباح اليوم التالي لم يستطع زين التوقف عن التفكير في الجملة الأخيرة.

“أنا لم أعد أحاول إنقاذ زواجنا… أنا فقط أحاول إنقاذ نفسي.”

ظل يقرأها عشرات المرات.

ثم مئات المرات.

وكأن عقله يرفض استيعاب أن المرأة التي كانت تركض خلفه طوال عام كامل هي نفسها المرأة التي قررت أخيرًا أن تتوقف.

لأول مرة منذ سنوات لم يذهب إلى الشركة مبكرًا.

جلس وحده في الشقة.

يتنقل بين الغرف.

كل زاوية فيها كانت تحمل أثرًا لها.

كل رف.

كل درج.

كل تفصيلة صغيرة.

حتى الصمت نفسه كان يشبهها.

وعندما فتح هاتفه وجد رسالة من محاميه.

كانت رسالة قصيرة.

“هناك مستندات خاصة بالسيدة سارة يجب أن تطلع عليها.”

بعد ساعة كان يجلس في مكتب المحامي.

الرجل وضع أمامه ملفًا أزرق سميكًا.

وقال بهدوء:

“هذه الأوراق كانت جاهزة منذ ثلاثة أشهر.”

زين رفع رأسه.

“إيه الأوراق دي؟”

المحامي تردد للحظة.

ثم دفع الملف نحوه.

“اقرأ بنفسك.”

فتح زين الملف.

وفي الصفحة الأولى شعر بأن الأرض تميد تحته.

كانت تقارير طبية.

عشرات التقارير.

تحاليل.

أشعة.

نتائج فحوصات.

وتواريخ تمتد لأشهر كاملة.

قلب الصفحة الأولى.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

وقبل أن يصل إلى النهاية كان وجهه قد فقد لونه بالكامل.

لأن سارة كانت مريضة.

ولم يكن يتحدث عن نزلة برد.

ولا إرهاق عادي.

كانت تمر بأزمة صحية حقيقية منذ شهور.

أزمة احتاجت متابعة مستمرة وأطباء وعلاجًا طويلًا.

جلس يحدق في الأوراق غير مصدق.

ثم سأل بصوت مخنوق:

“أنا… أنا ماعرفتش ليه؟”

المحامي نظر إليه طويلًا.

ثم قال:

“لأنها كانت تحاول تقولك.”

سكت لحظة.

وأضاف:

“أكتر من مرة.”

بدأت الذكريات تضربه بعنف.

مرة دخلت عليه المكتب وقالت إنها محتاجة تتكلم.

قال لها إنه مشغول.

مرة طلبت منه يرافقها لموعد مهم.

اعتذر بسبب اجتماع.

مرة بكت من غير سبب واضح وهو افترض أنها حساسة زيادة عن اللزوم.

مرة قالت إنها تعبانة.

فرد من غير ما يرفع عينه عن اللابتوب:

“ارتاحي شوية وهتبقي كويسة.”

فجأة بدأت كل القطع تتجمع أمامه.

وكان المنظر أبشع مما تخيل.

سارة لم تخفِ مرضها.

هو الذي لم يكن يسمع.

خرج من مكتب المحامي وهو يشعر بثقل هائل فوق صدره.

وفي تلك الليلة ظل مستيقظًا حتى الفجر.

لأول مرة لم يكن يفكر في الشركة.

ولا في الأسهم.

ولا في الخسائر.

كان يفكر فيها فقط.

في عدد المرات التي خذلها فيها دون أن ينتبه.

في عدد المرات التي كانت تحتاجه فيها ولم يكن موجودًا.

وفي الناحية الأخرى من العالم كانت سارة تسير على كورنيش سيدني قرب البحر.

الهواء البارد يحرك شعرها.

والشمس تميل نحو الغروب.

كانت تبدو أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.

لأنها أخيرًا اتخذت القرار الأصعب.

قرار النجاة.

توقفت أمام المياه للحظة.

وأخرجت هاتفها.

وجدت أكثر من مائتي مكالمة فائتة من زين.

وعشرات الرسائل.

رسائل طويلة.

رسائل اعتذار.

رسائل رجاء.

رسائل يسأل فيها أين هي.

وكيف حالها.

ولماذا لم تخبره.

قرأت بعضها.

ثم أغلقت الشاشة.

ليس لأنها تكرهه.

ولا لأنها تريد الانتقام.

بل لأنها كانت متعبة.

متعبة جدًا.

لدرجة أن قلبها لم يعد يملك طاقة لحمل وجع شخص آخر.

حتى لو كان ذلك الشخص زين.

في تلك اللحظة وصلتها رسالة جديدة.

لكنها لم تكن منه.

كانت من المستشفى.

موعد جديد بعد أسبوع.

الموعد الذي كانت تنتظره منذ شهور.

الموعد الذي سيحدد شكل حياتها القادمة كلها.

نظرت إلى الرسالة طويلًا.

ثم أغلقت الهاتف.

وأكملت سيرها بمحاذاة البحر.

غير مدركة أن زين في القاهرة كان على وشك اكتشاف الحقيقة الأخيرة.

الحقيقة التي لم تخبر بها أحدًا تقريبًا.

الحقيقة التي جعلتها تقبل وظيفة في قارة أخرى وتترك كل شيء خلفها.

لأن سارة لم تكن تهرب من زواج فاشل فقط…

كانت تحارب معركة أكبر بكثير في صمت.

معركة قد تغير مستقبلها بالكامل.

يتبع

مر الأسبوع ببطء شديد على الطرفين.

زين كان يعيش حالة لم يعرفها طوال حياته.

العجز.

لأول مرة يمتلك المال والعلاقات والنفوذ ولا يستطيع الوصول إلى شخص واحد فقط.

أما سارة فكانت تحاول أن تركز على عملها الجديد.

تحاول أن تبني روتينًا جديدًا.

تحاول أن تبدأ من الصفر.

لكن هناك موعدًا كان يقترب كل يوم.

الموعد الذي كانت تخشاه منذ شهور.

وفي صباح يوم الإثنين جلست في قاعة الانتظار بالمستشفى.

كانت أصابعها متشابكة فوق حجرها.

وعيناها معلقتين بالباب المغلق أمامها.

عندما نادتها الطبيبة دخلت بهدوء وجلسَت.

ثم وضعت الطبيبة الملف أمامها.

وبعد لحظة صمت طويلة ابتسمت.

ابتسامة صغيرة.

هادئة.

وقالت:

“النتائج مطمئنة.”

شعرت سارة وكأنها نسيت كيف تتنفس.

ظلت تنظر إليها لثوانٍ طويلة.

ثم سألت بصوت مرتجف:

“حضرتك متأكدة؟”

ابتسمت الطبيبة مرة أخرى.

“متأكدة.”

في تلك اللحظة فقط انهمرت دموع سارة.

أول دموع حقيقية منذ شهور.

ليست دموع خيانة.

ولا فراق.

ولا وحدة.

بل دموع نجاة.

لأن الأشهر الماضية كلها كانت معلقة على هذه اللحظة.

الأشهر التي كانت تذهب فيها للفحوصات وحدها.

وتنتظر النتائج وحدها.

وتواجه خوفها وحدها.

كانت قد أقنعت نفسها أنها مستعدة لأي نتيجة.

لكن الحقيقة أنها كانت مرعوبة.

مرعوبة من فكرة أن تضيع حياتها قبل أن تعيشها.

خرجت من المستشفى بعد ساعات وهي تشعر بخفة لم تشعر بها منذ زمن طويل.

وكأن حملًا ثقيلًا أُزيل أخيرًا عن كتفيها.

في نفس اليوم تقريبًا كان زين يجلس في مكتبه عندما دخلت عليه سكرتيرته.

وضعت ظرفًا فوق المكتب.

وقالت:

“ده وصل من محامي مدام سارة.”

رفع رأسه بسرعة.

وأمسك الظرف.

فتحه بيد مرتعشة.

وفي الداخل وجد مستندًا واحدًا فقط.

نسخة من توكيل رسمي تم إلغاؤه.

ثم ورقة أخرى.

كانت رسالة قصيرة للغاية.

قرأها مرة.

ثم أعاد قراءتها.

ثم للمرة الثالثة.

لأن الكلمات كانت أبسط من أن يصدقها.

“عندما كنت أحتاجك لم تكن موجودًا.

الآن أنا بخير.

وأتمنى أن تكون بخير أنت أيضًا.”

لا اتهامات.

لا شتائم.

لا تهديدات.

فقط جملة هادئة.

لكنها كانت أقسى من أي شيء آخر.

لأنها أكدت له شيئًا كان يحاول الهروب منه.

سارة لم تعد تنتظره.

لم تعد تحاول معاقبته.

لم تعد تحاول إرجاعه.

هي فقط أكملت طريقها.

وللمرة الأولى شعر بالخوف الحقيقي.

الخوف من أن يكون قد تأخر.

في تلك الليلة عاد إلى الشقة.

جلس في الظلام.

وأعاد قراءة الرسالة عشرات المرات.

ثم فتح هاتفه.

ودخل على صور قديمة لم ينظر إليها منذ شهور.

صور الخطوبة.

صور كتب الكتاب.

صور الفرح.

وفي كل صورة كانت سارة تبتسم له وكأنه أهم شخص في العالم.

أما هو…

فكان ينظر للكاميرا.

أو للهاتف.

أو لأي شيء آخر.

إلا لها.

أغلق الهاتف فجأة.

وشعر بشيء ينكسر داخله.

وفي اللحظة نفسها تقريبًا كانت سارة تجلس على شرفتها المطلة على البحر.

تحمل كوبًا من الشاي الساخن.

وتنظر إلى الأفق البعيد.

لأول مرة منذ زمن طويل لم تكن تفكر في زين.

ولا في ياسمين.

ولا في الخيانة.

كانت تفكر في نفسها.

في حياتها الجديدة.

في الأحلام التي دفنتها وعادت تحييها من جديد.

وفي المستقبل الذي بدأ أخيرًا يبدو ممكنًا.

رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة.

رقم دولي من القاهرة.

ترددت للحظة.

ثم ردت.

وجاءها صوت لم تسمعه منذ سنوات.

صوت جعلها تعتدل في جلستها فورًا.

“مساء الخير يا سارة… معاكِ عمرو الشاذلي.”

توقفت أنفاسها للحظة.

لأن عمرو الشاذلي لم يكن مجرد اسم.

كان الرجل الذي أسس الشركة العالمية التي كانت تحلم بالعمل فيها منذ تخرجها.

والرجل الذي رفضت عرضًا للعمل معه قبل سنوات بسبب زواجها من زين.

ابتسم الصوت على الطرف الآخر وقال:

“واضح إنكِ مستغربة اتصالي.”

لم تستطع الرد.

فأكمل:

“أنا في سيدني الأسبوع الجاي… وعندي عرض مهم جدًا ليكي.”

وفي القاهرة…

لم يكن زين يعلم أن الحياة التي تركتها سارة خلفها بدأت تفتح لها أبوابًا لم تكن تتخيلها.

أبوابًا قد تجعل عودتها مستحيلة.

وأصعب بكثير مما يتصور.طوال الأسبوع التالي لم تستطع سارة إخراج مكالمة عمرو الشاذلي من رأسها.

كانت تعرف اسمه جيدًا.

أي شخص عمل في مجال الإدارة والاستثمار في الشرق الأوسط كان يعرفه.

رجل بنى مجموعة شركات من الصفر.

ورفض مئات المشاريع.

واختار عددًا قليلًا جدًا من الأشخاص للعمل معه.

وكان من بينهم سارة.

أو هكذا كان من المفترض أن يحدث قبل عام.

قبل أن تتخلى عن كل شيء من أجل زواجها.

وفي صباح يوم الجمعة دخلت إلى الفندق الذي حدد لها موعد اللقاء.

كان الفندق يطل على الميناء الشهير في سيدني.

الزجاج يحيط بالمكان من كل جانب.

وضوء الشمس ينعكس فوق المياه الزرقاء.

استقبلها أحد الموظفين وقادها إلى قاعة اجتماعات خاصة.

وعندما دخلت وجدته جالسًا أمام النافذة.

وقف فور رؤيتها.

وصافحها بابتسامة هادئة.

ثم قال:

“أخيرًا اتقابلنا.”

جلست أمامه وهي لا تزال تشعر بالتوتر.

لكن الرجل لم يضيع الوقت.

فتح ملفًا أمامه.

وقال مباشرة:

“أنا هسألك سؤال واحد بس.”

نظرت إليه.

فقال:

“لو ماكنتيش اتجوزتي زين… كنتي فين دلوقتي؟”

تفاجأت من السؤال.

وسكتت للحظة.

ثم قالت بصراحة:

“يمكن في مكان أكبر من اللي أنا فيه.”

هز رأسه.

وكأنه كان يتوقع الإجابة.

ثم دفع الملف نحوها.

“وأنا شايف إن لسه قدامك فرصة توصلي للمكان ده.”

فتحت الملف.

وبدأت تقرأ.

وفي كل صفحة كانت عيناها تتسع أكثر.

منصب تنفيذي إقليمي.

صلاحيات واسعة.

فريق عمل كامل تحت إدارتها.

راتب لم تكن تحلم به حتى قبل سنوات.

وبرنامج شراكة يمنحها نسبة من الأرباح مستقبلاً.

رفعت رأسها ببطء.

غير مصدقة.

فابتسم عمرو وقال:

“العرض ده كان المفروض يوصلك من سنة.”

سكت لحظة.

وأضاف:

“لكن واضح إن الظروف وقتها ما ساعدتش.”

أغلقت الملف بهدوء.

وكانت تحاول السيطرة على مشاعرها.

لأنها للمرة الأولى منذ وقت طويل شعرت أن الحياة تعوضها عن شيء.

تعوضها عن كل مرة تنازلت فيها.

وكل مرة اختارت شخصًا آخر على حساب نفسها.

وفي نهاية اللقاء قال لها عمرو:

“فكري براحتك.”

لكنها كانت تعرف الإجابة بالفعل.

في تلك الليلة.

وعلى بعد أكثر من أربعة عشر ألف كيلومتر.

كان زين يتخذ قرارًا آخر.

قرارًا لم يتخيل يومًا أنه سيتخذه.

كان جالسًا في مكتبه عندما أغلق اللابتوب فجأة.

واستدعى مساعده.

وقال:

“احجز أول رحلة لسيدني.”

المساعد نظر إليه باستغراب.

“حضرتك عندك اجتماعات الأسبوع الجاي.”

رد زين دون تردد:

“ألغيهم.”

“وعندك مؤتمر المستثمرين.”

“يتأجل.”

“وفيه—”

قاطعه زين:

“قولت احجز الرحلة.”

خرج المساعد.

وبقي زين وحده.

ينظر إلى صورة قديمة لسارة على شاشة هاتفه.

كانت صورة التقطها لها دون أن تنتبه.

كانت تضحك وقتها.

ضحكة حقيقية.

من النوع الذي لم يره منها منذ شهور قبل رحيلها.

ظل يتأمل الصورة طويلًا.

ثم همس لأول مرة بصوت مسموع:

“أنا آسف.”

لكن الغرفة كانت فارغة.

ولم يكن هناك أحد ليسمعه.

بعد ثلاثة أيام كانت سارة تجلس في مكتبها الجديد تراجع بعض الملفات.

عندما وصلها بريد إلكتروني قصير.

فتحته دون اهتمام.

لكنها تجمدت في مكانها فور قراءة السطر الأول.

كان من إدارة الاستقبال في مقر الشركة.

“نود إبلاغك أن السيد زين المنصوري حضر صباح اليوم ويطلب مقابلتك.”

توقفت أنفاسها للحظة.

وأعادت قراءة الرسالة مرة ثانية.

ثم ثالثة.

وكأن الكلمات قد تتغير.

لكنها لم تتغير.

زين وصل إلى سيدني.

وصل فعلًا.

وبعد كل ما حدث…

جاء يبحث عنها بنفسه.

أما في الطابق الأرضي من المبنى…

فكان زين واقفًا أمام مكتب الاستقبال.

يحمل في يده ظرفًا بني اللون.

الظرف الذي احتفظ به طوال الرحلة.

والذي يحتوي على شيء واحد فقط.

شيء كان يجب أن يعطيه لسارة منذ زمن طويل جدًا.

شيء قد يغير كل ما بينهما…

أو ينهيه إلى الأبد…..يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *