حكايات منى السيد1
ولدت بنتي وأنا لوحدي تماماً.. وبعد الولادة بساعات، لقيت أمي بتبعتلي رسالة عيال أختك محتاجين موبايلات جديدة، حوليلي 50 ألف جنيه حالا. ما ردتش عليها. بس بعد أسبوع، لقيتها واقفة بتخبط على بابي وبتزعق إيه اللي في دماغك؟.. وفي اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة جوايا اتكسرت للأبد.
ولدت بنتي حور يوم الخميس، في مستشفى حكومي في منطقة ريفية، تحت أنوار نيون بتزّن زي التلاجات القديمة، وملايات المستشفى كانت خشنة وناشفة على جسمي المنهك. الأوضة كانت ريحتها تعقيم على ريحة شاي مر جاي من بوفيه المستشفى.
جوزي كريم كان في تدريب عسكري في محافظة تانية، وممنوع يستخدم الموبايل. ما كانش فيه حد جنبي. لا أمي واقفة بتعيط في ركن، ولا أختي داخلة ببالونات. كان فيه بس الممرضات التعبانات، وإسورة المستشفى في إيدي، و ساعة وجع قبل ما يحطوا بنتي على صدري.
سميتها حور.
للحظات قصيرة، العالم وقف. خدها كان دافي على جلدي، وصوابعها الصغيرة بتتحرك كأنها بتطمن هي الدنيا دي أمان ولا لأ.
وبعدين مسكت الموبايل.
لقيت رسائل من زمايلي، ورسالة من كريم بيعتذر فيها بدموع في عينيه إنه مش جنبي. وبعدين فتحت رسالة أمي
عيال نادية عايزين موبايلات جديدة عشان عيد ميلادهم. حوليلي 50 ألف جنيه النهاردة قبل ما العرض يخلص.
دي كانت الرسالة.
لا مبروك.. لا إنتي عاملة إيه؟.. ولا حتى البنت كويسة؟. مفيش كلمة واحدة تعترف إني لسه خارجة من عملية ولادة وجسمي كله خيوط وتعبانة.
كانت مجرد طلب جديد متغلف في شكل أزمة.
قريت الرسالة مرتين، مش عشان مش فاهمة، بس لأن جزء غبي جوايا كان لسه متمسك بآخر خيط أمل إنها تكون غلطانة. بس دي نعمت.. أمي دايماً عارفة إزاي تخلي مشاكل نادية تيجي على بابي وبمواعيد
نهائية.
إيجار.. تصليح عربية.. مصاريف مدارس.. هدايا.. دايماً فيه سبب، دايماً فيه عيل محتاج، ودايماً فيه دفعة لازم تتدفع قبل نص الليل.
نادية عندها 3 عيال ومشاكلها ما بتخلصش، وبقيت أنا البنك اللي بتسحب منه العيلة كلها. بدأت أعمل كده من أول مكافأة خدتها في شغلي، كنت بضحك على نفسي وأقول بساعدهم عشان يعدوا أيامهم الصعبة. لحد ما فهمت الحقيقة فيه ناس ما بيسموش اللي بتعمله مساعدة، بيسموه استباحة.
الساعة 618 مساءً، وحور نايمة جنبي، قلبت الموبايل على وشه.
لأول مرة، ما ردتش.
الصمت ده كان بيبان صغير من بره، بس جوايا كان صوته زي قفلة باب حديد بالمفتاح.
رجعت البيت بعد يومين، لسه بتوجع ولسه تعبانة، بمشي ببطء في الشقة. كريم كان باعت دليفري طلبات البيت قبل ما يوصل، أكياس الأكل محطوطة على الرخامة، والحفاضات مرصوصة جنب الكنبة.
حور نايمة في السبت بتاعها، وأنا بحاول أفهم يعني إيه أمومة.
وفجأة.. بدأت الرسائل.
أمي الساعة 804 الصبح انتي شوفتي الرسالة؟
نادية الساعة 837 الصبح العيال مستنيين يا نور.
أمي الساعة 912 الصبح ما تعاقبيش العيال عشان إنتي مضغوطة.
لحد الظهر، رجعت جملهم القديمة اللي حافظاها الدم عمره ما يبقى مية، إنتي معاكي مرتب ثابت، بعد اللي عملناه معاكي، ده جزاتنا؟.
سجلت كل حاجة. أخدت سكرين شوت، بعتها لكريم، وكتبت المواعيد على الموبايل، لأن التعب بيخلي الذاكرة تبهت، وأنا بقالي سنين بخلي أمي تعيد صياغة الكلام وتطلّعني أنا اللي غلطانة.
يوم الخميس، حور كان عندها أسبوع. كنت واقفة في الصالة بلبس البيت، وبحاول أطبق شوية هدوم، وفجأة الباب اتفتح بعنف.
أمي لسه معاها نسخة من المفتاح.
نعمت دخلت من غير ما تخبط، وشها مليان غضب، ودخلت زي اللي داخلة بيتها، وهبدت الشنطة على الترابيزة. حور اتفزعت وقامت تعيط.
أمي ما بصتش للبنت حتى. شورت عليا بإيدها وقالت
إيه اللي في دماغك يا بنت بطني؟
الصالة سكتت تماماً. صوت المكنسة الكهربائية اللي في الشقة اللي فوقينا كان هو اللي مسموع.
ما زعقتش. وده استغربته هي أكتر مني.
شلت حور بالراحة وضميتها لصدرى. جسمي كان بيوجعني وإيدي بتترعش، بس صوتي كان ثابت.
قلت لها وطي صوتك.. أو اتفضلي بره بيتي.
بصتلي كأني شتمتها. وبدأت الأسطوانة نادية مش عارفة تتصرف، العيال زعلانين، وانتي معاكي جوز شغال ومستقر فمن واجبك تشيلي خيبتهم.
قالت كل ده وأنا واقفة قدامها، لسه بولادة الأسبوع، وإسورة المستشفى لسه في إيدي عشان مش قادرة أدور على مقص.
قلت لها مش هبعت فلوس.
لا النهاردة.. ولا بكرة. لا عشان موبايلات.. ولا عشان نادية قالت العيال محتاجين.
وشها اتغير، وقالت ببرود اتغيرتي يا نور.. الجيش هو اللي عمل فيكي كده، خلاكي قاسية.
رديت بصوت واطي لأ.. أنا اتعلمت ما حدش يستغلني تاني.
لثانية واحدة، تخيلت إني ممكن أخد شنطتها وأحدفها بره وأغير كالون الباب وهي بتزعق. ما عملتش كده. بس قربت حور أكتر لصدرى ووقفت بينها وبين سرير البنت.
ساعتها أمي وطت صوتها، الصمت كان أرعب من الزعيق.
بصت لبنتي لأول مرة، وبعدين بصتلي، وبقّها اتلوى بابتسامة سم
فاكرة إن جوزك اللي في آخر الدنيا ده هيحميكي مننا؟
حسيت بنَفَس حور الدافي على رقبتي، وحسيت بالموبايل في جيب السويت شيرت بتاعي، كان لسه بيسجل لأن صباعي لمس الشاشة لما دخلت.
ولما قربت أمي مني زيادة، لدرجة إني شميت ريحة اللبان في نَفَسها، مالت عليا وقالت
مالت عليا وقالت بصوت واطي ومسموم انتي فاكرة إن لما تستقوي بجوزك وتعملي فيها ست بيت، هتنسي أصلك؟ إنتي من غيرنا ولا تسوي حاجة، والبت اللي في إيدك دي هي اللي هتدفع تمن عنادك ده.
الكلمة نزلت على قلبي زي التلج. مش عشان خوفت، لكن عشان اتأكدت إنها مش شايفة فيا بنتها، شايفة فيا ماكينة صراف آلي عطلت. سكت، حسيت بضربات قلب حور سريعة وهي نايمة، كأنها هي كمان حاسة بالشر اللي واقف قدامي.
خلصتي يا ماما؟ سألتها بهدوء خليها تتجنن أكتر. لو خلصتي، الباب وراكي. أنا محتاجة أرتاح، وبنتي محتاجة تنام.
عنيها وسعت من الصدمة. كانت متعودة إني أعيط، إني أعتذر، إني أطلع اللي في جيبي عشان تسكت وتخرج. بس النهاردة مفيش دموع. طلعت الموبايل من جيبي، وقفته عن التسجيل، وحطيته على الكنبة بوضوح وهي شايفاه.
أنا عارفة إنتي بتعملي إيه، قالت وهي بتلم شنطتها بعنف. بس افتكري، العيلة هي اللي بتفضل، والرجالة بيروحوا وييجوا. ولما تقعي، مش هتلاقي حد يمد إيده غيرنا.
لو دي العيلة، فأنا يغور الأهل والدم، قلتها وأنا بلف ضهري.
خبطت الباب وراها خبطة هزت حيطان الشقة. قعدت على أقرب كرسي، ورجلي كانت بتترعش من كتر التوتر. حور صحيت وصرخت، ضمتها لصدري وبدأت أهزها بدموع باردة. مش دموع حزن، كانت دموع استفاقة.
بعد ما نامت، قمت أخدت دش بارد، غسلت فيه كل ريحة المستشفى والتوتر اللي سابته أمي وراها. طلعت، لقيت رسالة من كريم على الواتساب يا نور، قلبي مقسوم نصين إني مش جنبك، طمنيني عليكي وعلى حور.
كنت عايزة أقوله كل حاجة، أحكيله عن اقتحام أمي، عن طمعها، عن التهديد اللي قالته. بس مسحت الكلام. هو هناك بيحمي الوطن، مش لازم يشيل هم حماية بيتي من أهلي. رديت بكلمة واحدة إحنا بخير، ركز في مهمتك.
مرت تلات أيام في صمت مريب. التليفون ما رنش. ولا رسالة إزيك، ولا سؤال حور عاملة إيه. كانت دي
لمحة نيوز
أول مرة يطول الصمت بالشكل ده. كنت عارفة إنهم بيحضروا لحاجة، أو بيختبروا صبري.
في اليوم الرابع، لقيت رسالة من رقم غريب. أختك نادية في المستشفى، وقعت وهي بتجري ورا العيال. تعالي حالا.
قلبي دق بسرعة. هل ده فخ؟ ولا دي حقيقة؟ مسكت شنطتي، ولبست بسرعة، وجهزت شنطة خروج لحور. كنت لسه بلم لبسها لما جاتلي رسالة تانية لو مش هتيجي، يبقى تعترفي إنك رميتي أهلك.
هنا عرفت إنها لعبة. استغلال الضعف، استغلال الضمير اللي زرعوه فيا سنين. مسحت الرسالة، وقعدت أطعم حور.
بس التحدي الحقيقي ما كانش في الرسائل، كان في اللي حصل بعد ساعة. لقيت تليفون أرضي من رقم البيت القديم. رديت، كان صوت والدي. والدي اللي كان دايماً بيفضل يراقب من بعيد، ويسمع صوت نعمت وهي بتدير حياتنا.
يا نور، قال بصوت مكسور، أبوكي بيطلب منك طلب.. تعالي النهاردة البيت. نادية تعبانة ومحتاجة تصفية نفوس.
اتنهدت. يا بابا، أنا لسه والده، حور عندها أسبوع. مش قادرة اتحرك.
مش لازم تتحركي، ابعتي الفلوس اللي طلبتها أمك، ونادية هتبقى كويسة.
الدم غلي في عروقي. حتى بابا؟ حتى هو اللي كنت فاكراه الملجأ؟ الكل شغالين في المنظومة.
قفلت الخط. ما قدرتش أرد عليه. قفلت كل حاجة. حسيت إن البيت هو المكان الوحيد اللي أقدر أتنفس فيه. بس حتى البيت، بدأ يحسسني إنه مش كفاية. هل هييجوا يقتحموه تاني؟ هل هيغيروا المفتاح؟
قررت أعمل اللي ما عملتوش في حياتي. اتصلت ب صاحب العمارة، الراجل الطيب اللي بيخاف ربنا.
يا حاج صابر، محتاجة أغير كالون الباب النهاردة، حد كان معاه نسخة وفقدت الأمان معاه.
حاضر يا بنتي، ساعة وهكون عندك.
بعد ساعة، كان الكالون الجديد راكب. حسيت بفرق كبير. حسيت إني بدأت أحط حدود حقيقية.
بالليل، وأنا قاعدة بلمع إزاز البلكونة، شفت عربية نادية واقفة تحت البيت. كان جوزها قاعد فيها، وهي واقفة بتبص على شباك الصالة. شافتني، وعملت إشارة بأيديها إني أنزل.
تجاهلتها تماماً، وقفلت الستارة.
بدأت أسمع خبط على الباب، خبط خفيف في الأول، وبعدين بدأ يعلى.
نور! افتحي، عارفين إنك جوه!
قلبي كان بيدق، بس إيدي كانت ثابتة. كنت بكتب تقرير صغير عن اللي بيحصل في النوت بوك بتاعي. التواريخ، الساعات، التهديدات. ده كان سلاحي. لو فكروا يرفعوا قضية، أو حتى يروحوا للجيش يشكوا، هيكون معايا إثبات إني كنت بتهدد في بيتي وأنا لسه في فترة نفاس.
نور، افتحي بدل ما نكسر الباب! صوت نادية كان عالي ومسمع في العمارة.
فتحت الباب بس خليت السلسلة الحديد راكبة. بصيت من الفتحة الصغيرة. نادية كانت واقفة وشعرها منكوش، وأمي واقفة وراها بتنفخ زي التور.
عايزة إيه يا نادية؟ سألتها بصوت بارد.
عايزة فلوس العيال! الموبايلات دي حاجزينها، والتاجر بيضغط علينا!
ضحكت. ضحكة طويلة ومريحة. تاجر إيه يا نادية؟ إنتي فاكراني عيلة؟ إنتي بتستغلي اسمي واسم جوزي عشان تعيشي عيشة مش عيشتك. أنا مش هبعت جنيه. ولو ما مشيتوش دلوقتي، هكلم البوليس أبلغ عن إزعاج.
أمي صرخت بوليس؟ يا قليلة الرباية! ده إحنا اللي ربيناكي!
لا يا ماما، إنتي ربيتي فيا الخوف، بس أنا اللي علمت نفسي إزاي أتخلص منه.
قفلت الباب في وشهم، وركبت الترباس. سمعت شتايم، سمعت خبط، وبعدين سمعت صوت العربية بتتحرك.
رجعت لحور، اللي كانت نايمة بسلام. بصيت لها وقلت لها يا حور، أنا مش بس بحميكي منهم، أنا بكسر دايرة من الذل بقالي سنين بلف فيها. مش هتطلعي وتلاقي حد بيستغلك، لأن أمك بقت قوية.
كنت فاكرة إن دي النهاية، بس لما فتحت الموبايل، لقيت رسالة من كريم نور، أنا راجع بعد يومين.. بس فيه حاجة غريبة حصلت.. فيه حد اتصل بالوحدة بيشتكي إنك مختطفة ومحتاجة مساعدة.. إيه اللي بيحصل؟
الرسالة دي خلتني أعرق. هما مش بس بيطالبوا بفلوس، هما بيحاولوا يدمروا سمعتي المهنية وشغلي في الجيش. هما عايزين يهدوا البيت على دماغي.
بصيت لشنطة الهدوم اللي جهزتها. كان لازم أخد قرار. هل أفضل في البيت وأواجه حربهم؟ ولا أروح لمكان تاني محدش يعرفه فيه، مكان أقدر أعيش فيه أنا وبنتي من غير ما أهلي يلاحقوني؟
وقفت قدام المراية، شفت نور الجديدة. نور اللي مش هتسمح لأي حد حتى لو كانوا أهلها إنهم يلمسوا كرامتها.
بدأت ألم أوراقي المهمة، شهاداتي، ورق حور، ومبلغ صغير من فلوسي اللي كنت محوشاه في الخزنة السرية في الشقة. لازم أخرج من هنا قبل ما يرجعوا. مش هسيب لهم فرصة يرجعوا يكسروا حياتي.
أخدت حور، ولبستها، وطلعت من الباب الخلفي للعمارة، والشنطة على كتافي. الهواء كان ساقع، والشارع فاضي. مشيت وأنا مش عارفة رايحة فين، بس كنت عارفة حاجة واحدة لأول مرة في حياتي، أنا ماشية في الطريق اللي أنا اخترته.. مش اللي هما رسموه لي.
وصلت لمحطة القطر، اشتريت تذكرتين لمدينة تانية خالص، بعيدة عن القاهرة، بعيدة عنهم. وأنا قاعدة في القطر، بتبص من الشباك، شفت خيالاتهم بتختفي ورا القضبان.
في جيبي، كان الموبايل بيرن. نمرة أمي.
قفلت الموبايل، ورميت الشريحة في سلة المهملات اللي جنب الكرسي.
بصيت لحور، اللي فتحت عنيها وبصتلي ببرراءة.
يا حور، إحنا دلوقتي أحرار. أحرار من الابتزاز، أحرار من الخوف، وأحرار من الماضي.
بدأت أكتب في النوت بوك بتاعي، الفصل الجديد حياة نور وحور، بعيداً عن أشباحهم.
بس وأنا بكتب، حسيت بحركة غريبة في القطر. راجل لابس بدلة سوداء بيبصلي من بعيد. هل بعتوه ورايا؟ هل هما مبيسبوش حد في حاله؟
لازم أكون أذكى منهم.
دخلت الحمام، غيرت شكلي، ربطت شعري بطريقة مختلفة، لبست نظارة شمسية، وخرجت من باب تاني في القطر.
الحياة بقت لعبة قط وفار، بس المرة دي، أنا اللي بختار القواعد.
نزلت في محطة مختلفة، وأخدت تاكسي لبيت صغير في حي هادي، بيت كان معروض للإيجار وكنت شفته على النت قبل كده.
دخلت البيت، رميت الشنط، وتنفست الصعداء.
لقيت التليفون اللي كنت شرياه جديد رقم محدش يعرفه بينور.
رسالة من مجهول فاكرة إنك هتهربي؟ إحنا وراكي في كل مكان.
ابتسمت، وكتبت الرد ماتحاولوش.. لإن اللي كسر الخوف، مبيخافش من خيالكم.
قعدت في البيت الجديد، بيت صغير في حي هادي بعيد عن دوشة وسط البلد، الحيطان لسه ريحتها دهان جديد، والهدوء كان مريب، بس كان أحلى هدوء دوقته في حياتي. حور كانت نايمة في سريرها الصغير اللي اشتريته بسرعة، وأنا كنت قاعدة بتابع حركة الشارع من ورا الستارة، زي جاسوسة في مهمة سرية، بس المهمة المرة دي هي حياتي وحياة بنتي.
الخوف اللي كان بيعشش في صدري بدأ يتبخر، وبدأت مكانه أحس ب غضب بارد. الغضب ده هو اللي مخليني واقفة على رجلي، وهو اللي بيخليني أخطط لكل خطوة. موبايلي الجديد اللي ما حدش في العيلة يعرف رقمه كان جنبي، مستنية أي إشارة، أي حركة غلط منهم.
عدى يومين من غير أي مشاكل. بدأت أنزل السوق اللي جنب البيت، أشتري حاجات لبنتي، وأنا لابسة طرحة جديدة ونظارة شمس كبيرة، بتأكد دايماً إني مش مراقبة. كان شعور غريب إني أكون شخص مجهول. طول عمري كنت نور اللي الكل بيعرفها، البنت الشاطرة، الضابطة اللي بتساعد الكل، والبنك
اللي بيمول طلبات العيلة. دلوقتي، أنا مجرد ست عادية، بتهتم ببيتها وبنتها، ومحدش يعرف عني حاجة.
في اليوم التالت، وأنا راجعة من الصيدلية، لمحت عربية سودة واقفة في آخر الشارع. حسيت بكهرباء في جسمي. وقفت ثانية، عملت نفسي بظبط شنطة السوق، وبصيت بتركيز. العربية كانت مركونة بوضع غريب، وإزازها فيميه غامق جداً. قلبي دق بسرعة، بس مش من الخوف، من التحدي.
طلعت البيت، وقفلت الباب ب 3 ترباس، وطلعت النوت بوك بتاعي. كتبت اليوم الثالث، رصد عربية مشبوهة، 1245 ظهراً.
قعدت جنب حور، اللي كانت بدأت تضحك في نومها، وبدأت أفكر في كريم. كان لازم أكلمه، كان لازم أطمنه، بس خايفة لو كلمته من الموبايل الجديد، يحددوا مكاني من خلال اللوكيشن أو التتبع. كان لازم أكون أذكى. كتبت رسالة مشفرة بكلمات كان بينا اتفاق عليها لو حصل طارئ. بعت الرسالة من كافيه بعيد، من واي فاي عام، ورجعت البيت بسرعة.
بليل، والهدوء بيقطع السكون، جالي رد. أنا بخير، المهم إنتي. خدي بالك، فيه استفسارات بدأت تزيد عن مكانك في الوحدة.
يعني أمي ونادية ما سكتوش.. راحوا لحد شغلي، لحد الجيش، عشان يوصلوا لي. دول فعلاً ما يعرفوش معنى الحدود. حسيت بحرقة في عيني، بس مسحتها بسرعة. ده مش وقت ضعف.
فجأة، جرس الباب رن.
تجمدت في مكاني. مين ممكن ييجي هنا؟ أنا لسه ما عرفتش حد في المنطقة. مسكت مفتاح الربط الثقيل اللي كنت مجهزاه جنب الباب، وقربت من الفتحة.
بره، كان فيه راجل لابس يونيفورم شركة توصيل طلبات. أوردر يا فندم!
حطه قدام الباب وامشي! رديت بصوت تخين.
يا فندم لازم توقيع، الأوردر ده باسم حور.
اتحجر دمي. إزاي عرفوا اسم بنتي؟ الاسم ده ما حدش يعرفه غير اللي في المستشفى، وما قلتهوش لأمي ولا نادية. ده معناه إنهم بيراقبوني من بدري.. من قبل ما أهرب حتى!
فتحت الباب ببطء، وفي إيدي مفتاح الربط مستخبية ورا ضهري. الراجل كان باصص للأرض، لابس كاب مغطي وشه. اتفضلي يا مدام.
مديت إيدي أخد الكيس، وفي اللحظة دي، الراجل رفع عينه. كانت عيون مش غريبة.. عيون ابن خالتي إبراهيم. إبراهيم اللي كان دايماً بيساعد نادية في مشاويرها.
إنتي فاكرة نفسك هتهربي يا نور؟ قال بصوت واطي ومسموم. نادية وأمي قالوا لي أراقبك، قالوا لي إنك اتجننتي وهتضحي بمستقبلك عشان شوية فلوس.
بصيت له بكل ثبات. مش إبراهيم اللي هيقول لي أعمل إيه. وروح قولهم، اللي يمد إيده على بيتي تاني، أنا اللي هروح له في عقر داره وأحاسبه.
انتي بتهددينا؟ ضحك بسخرية. ده إحنا هنخليكي تتمني الموت. كريم راجع بعد يومين، وتخيلي لما يعرف إن مراته هاربة من أهلها.
مش هيهمه، لأن كريم عارف مين اللي بيستغلني ومين اللي بيحبني.
قفلت الباب في وشه، وبدأت أسمع خبطه، صراخه، وتهديداته. العمارة كلها بدأت تصحى. لقيت الجيران بيطلعوا، وإبراهيم بدأ يهرب لما شاف الناس بدأت تجمع.
وقفت ورا الباب، قلبي بيضرب، بس عقلي كان شغال زي الكمبيوتر. إبراهيم عارف مكاني، يعني اللعبة اتكشفت. ما بقاش فيه وقت للهروب.. بقى فيه وقت للهجوم.
قعدت على الأرض، وفتحت النوت بوك. كان لازم أغير الخطة. لو فضلوا يلاحقوني، مش هعرف أعيش. لازم أوقفهم، ولازم أوقفهم بالطريقة اللي يفهموها.. طريقة القانون اللي هما بيفتكروا إنهم فوقه.
فتحت الموبايل، دخلت على الجروب الخاص بالوحدة، وطلبت اجتماع طوارئ مع صديقة عمري دينا، اللي شغالة في الشؤون القانونية. دينا، أنا في مصيبة، ومحتاجة كل التسجيلات اللي عندي تتحول لمحضر رسمي، ومحتاجة حماية.
دينا ردت فوراً نور؟ إنتي فين؟ إحنا قالبين الدنيا عليكي! كريم اتصل بيا وقالي إن فيه بلاغات عنك، إحنا محتاجينك تيجي فوراً.
هجيلك يا دينا، بس لازم أضمن إني لما أرجع، ما حدش يقدر يقرب لي.
بدأت أجهز ورق، صور، تسجيلات، وفيديوهات. كل ابتزاز تعرضت له من سنتين، كل رسالة تهديد، كل جنيه خدوه مني بالإكراه. جمعت كل ده في فلاشة واحدة.
قبل ما أتحرك، كان لازم أعمل حركة أخيرة. كتبت ورقة وسبتها في البيت، مكتوب فيها أنا عارفة إني متراقبة، والبوليس بقى في الصورة. علقتها على الباب من بره، عشان لما يرجعوا، يعرفوا إن نور ما بقتش الفريسة، نور بقت الصياد.
وأنا نازلة، حسيت إني بدأت أتصالح مع الماضي. مش بس بهرب، أنا بقطع الحبال اللي كانوا رابطيني بيها. ركبت تاكسي لمكان الاجتماع، وأنا حاسة إن حور في حضني هي القوة اللي بتدفعني.
وصلت لمكتب دينا. كانت قاعدة وشها مسموم من القلق. نور! إيه اللي عملتيه في نفسك ده؟
ما عملتش حاجة يا دينا، غير إني دافعت عن حقي.
قعدنا ساعات بنرتب الورق. دينا كانت مصدومة من كمية التهديدات اللي كنت ساكتة عليها. يا نور، إزاي استحملتي ده كله؟ ده يودي في داهية!
كنت فاكرة إن دي العيلة يا دينا.
دي مش عيلة، ده استنزاف. والنهاردة، لازم نوقف الاستنزاف ده.
بدأنا نكتب المحضر. كان محضر طويل، مليان تفاصيل عن الابتزاز، التهديد، واقتحام الخصوصية. وأنا بكتب، حسيت إن فيه حمل تقيل نزل من على كتافي.
فجأة، تليفون دينا رن. ده كريم!
خدت التليفون، صوت كريم كان مليان قلق وغضب. نور؟ إنتي فين؟ إبراهيم لسه مكلمني بيقول إنك خطفتي البنت وهربتي! إيه اللي بيحصل؟
غمضت عيني، وأخدت نفس عميق. كريم، اسمعني كويس. أنا لا خطفت، ولا هربت. أنا هربت من جحيم كان هيحرقنا إحنا التلاتة. أنا في مكتب دينا، ومعايا كل الإثباتات. لو عايز الحقيقة، اسمعني دلوقتي، ومش عايزة أي حد من أهلي يعرف مكاني.
سكت لحظة، وبعدين قال بصوت حنين وقوي أنا جنبك يا نور. مش هسيب حد يلمس شعرة منك. أنا طيارتي هتنزل الصبح، وهكون عندك قبل ما حد يعرف إنتي فين.
حسيت بدموع بتنزل على خدي. لأول مرة، حسيت إني مش لوحدي. مش لازم أواجه الدنيا دي كلها لوحدي.
كريم، مش عايزة مشاكل قانونية تضرك في شغلك.
شغلي مش أهم منك ومن حور. إحنا هنواجههم سوا، وهنخلي القانون ياخد مجراه.
قفلت التليفون، وبصيت لدينا. كريم جاي.
دينا ابتسمت. يبقى إحنا مش بس هنقدم محضر.. إحنا هنرفع قضية تمنعهم من الاقتراب مننا نهائياً.
عدت الليلة في المكتب، بنرتب الخطوات الجاية. كنت بنام وأنا حاطة إيدي على الموبايل، مش خايفة، بس مستعدة. كنت عارفة إن بكرة مش هيكون نهاية الصراع، بس هيكون بداية الانتصار.
الصبح، وأنا خارجة من المكتب، لمحت من بعيد عربية إبراهيم واقفة في زاوية الشارع. كانوا بيراقبوني!
دينا شافتهم برضه. خليهم يتفرجوا، خليهم يشوفوا إننا مش خايفين.
ركبت العربية، واتحركنا. كنت عارفة إنهم ورايا، بس المرة دي، أنا اللي كنت بوديهم للمكان اللي هيتحاسبوا فيه.
يتبع
