حكايات اسما السيد 2
بدأ عقلي يعمل بسرعة خرافية، حركة الثواني أصبحت بطيئة كأن الزمان توقف في هذه الصالة المظلمة. الراجل اللي عشت معاه سنين، اللي كان بيطبطب عليا لما أرجع أعيط من كلام الناس، اللي كان بيحلف لي إني أجمل ست في عيونه… كان هو السجان اللي بيصنع سجني بيده! الحب اللي كنت فاكراه طوق نجاة، كان مجرد قيد ناعم ملفوف حولين رقبتي، وما ظهرش على حقيقته إلا لما قررت أفك القيد وأتنفس.
كان بيقرب مني بثبات، السرنجة في إيده اليمين، وعينيه فيها نظرة حاسمة خالصة من أي تردد. مفيش في وشه غضب ولا جنون، كان فيه هدوء أرعب بكثير من الصراخ. هدوء شخص خطط لكل حاجة بدقة، وشايف إن اللي بيعمله ده هو “العقل” و”المنطق” الوحيد.
— دانيال.. ارجوك — بدأت أتراجع بجسمي الملزوق في الباب المقفول، إيديا ورايا بتفرك السطح الخشبي المحبب في محاولة يائسة للتصرف — أنت مش في وعيك.. أنت فاهم أنت بتعمل إيه؟ دي جيمة! دي حياتي!!
— دي مش جري\مة يا ياسمين.. دي حماية لعلاقتنا — رد بصوت واطي ومريح، نفس النبرة اللي كان بيكلمني بيها لما أكون خايفة من القلق — العالم برة قاسي.. الناس برة ما بيحبوش غير الشكل. أنا الوحيد اللي حبيتك لروحك.. لما كنتِ حاسة إنك ولا حاجة، كنتِ بتشوفيني كل حاجة. لو وشك أتحسن.. لو بقيتِ زي ما بتتمني.. هتسيبيني. هتبصي في المراية وتقولي “أنا استاهل أحسن من دانيال”. أنا مش هسمح لك تدمرينيا بالسطحية دي.
— أنا عمري ما كنت هسيبك! — صرخت والدموع بتجمع في عيني من تحت الغرز والشاش اللي بدأ يشد على بشرتي من القلق — أنا حبيتك عشان أنت دانيال! مش عشان أنا حاسة إني قبيحة! انت ليه مش فاهم ده؟!
— عشان أنتِ مش عارفة نفسك يا ياسمين — قرب خطوتين كمان، بقى بيني وبينه أقل من مترين — الضعيف لما بيبقوا قوي بيكفر باللي سندوه في ضعفه. دي الطبيعة البشرية.. وأنا مش هراهن بحياتي وحبي على احتمالات.
في اللحظة دي، وأنا شايفاه بيرفع السرنجة وبيستعد يندفع عليا عشان يثبتني، عقلي الغريزي للنجاة اشتغل. النظرات المكسورة والخوف اللي عشت فيهم طول حياتي اختفوا فجأة، وحل محلهم غضب أعمى، غضب السنين اللي اتسرقت مني، وغضب الثقة اللي اتدمرت في ثانية.
نظرت تحتي بسرعة.. على اليمين كان فيه تربيزة صغيرة بتاعة الفازة. الفازة نفسها كان شالها عشان كريسستالها بيعكس الضوء، لكن التربيزة الخشبية التقيلة كانت لسه مكانها.
قبل ما يقفز عليا، هبطت بجسمي بسرعة وضغطت بكتافي وركبتي تحت حرف التربيزة، ورفعتها بكل القوة اللي اختزنتها من وجع سنين، ورميتها في اتجاه رجليه.
التربيزة الخشبية الخرسانية خبطت في قصبتين رجليه بقوة عملت صوت مكتوم، ودانيال أطلق صرخة ألم مكتومة وفقد توازنه. السرنجة طارت من إيده واتحدفت على الأرض، وسقط هو على ركبه وهو بيمسك رجليه.
ما استنيتش ثانية. ده ما كانش وقت الخوف، ده كان وقت الجري.
عديت من فوقه وهو بيحاول يمسك في رجلي، ظفره علم في بنطلوني لكنني زقيته برجلي التانية بكل غل، وجريت ناحية الطرقة المؤدية لأوضة النوم. كنت عارفة إن الباب الرئيسي مقفول، والشباك الوحيد اللي مفيش عليه حديد حمايته هو شباك أوضة النوم اللي بيطل على البلكونة الجانبية للجيران.
— ياسمين!! — صوته زأر في الصالة، نبرة الهدوء المريض اختفت وحل محلها غضب وحشي — ياسمين ارجعي هنا!! مش هتهربي مني!!
سمعت صوت حركته وهو بيمشي بصعوبة ورايا، بيعرج من الخبطة لكن مسرع.
دخلت أوضة النوم، وقسعت الباب بسرعة ولفت المفتاح. الباب الخشبي اهتز بعد ثانية واحدة بس لما خبط فيه بجسمه كله.
— افتحي الباب!! — كان بيضرب الباب بقبضته بجنون — افتحي بدل ما أكسره! مش هتعرفي تطلعي من البيت ده! المفاتيح كلها معايا!!
تجاهلت صراخه وجريت على الشباك. الشباك الزجاجي كان مغلق بجرار، والشتر الخشبي الخارجي كان ينزل بالنصف. رفعت الشتر بكل قوتي وأنا بنهث، الهواء البارد بتاع الليل صدم وشي الملفوف بالشاش، ودخل في صدري كأنه أكسجين جديد ينقذ حياتي.
بصيت تحت.. الدور الثاني. المسافة بين بلكونتنا وبلكونة الشقة المجاورة كانت حوالي متر ونص، وفيه مواسير غاز ممتدة على الحيطة بين الشقتين. شقة الجيران كانت منورة، وصوت التلفزيون طالع منها.
— يا أستاذ جلال!! — صرخت بكل ما أوتيت من قوة وأنا بمد نص جسمي برة الشباك — الحقوني!! يا ناس!! الحقوووني!!
في نفس اللحظة، الباب الخشبي بتاع الأوضة عمل صوت طقطقة مرعبة، الفتحة القريبة من القفل بدأت تتكسر تحت ضربات دانيال المتتالية بكتفه أو بحاجة تقيلة كان شايلها في إيده.
— مش هيلحقوكي يا ياسمين! — صوته كان جايلى من فتحة الباب المكسورة — الشارع فاضي والمبنى مش سامعك! تعالي هنا بالذوق بدل ما الأمور تتطور!
رجع يضرب الباب بقوة أكبر، واللوح الخشبي بدأ ينفصل عن الإطار.
كنت عارفة إني لو استنيت ثانية واحدة كمان، هيدخل وهيثبتني، والمرادي مش هيرحمني. بصيت للمواساير الشارع، وللبلكونة التانية. الخوف من السقوط من الدور الثاني كان ولا حاجة قصاد الخوف من السائل اللي كان في السرنجة.
طلعت رجلي الأولى على حرف الشباك الخارجي، وبعدين رجلي التانية. كنت واقفة على إفريز رخامي ضيق جدًا، وإيديا ماسكة في إطار الشباك الخشبي من البرة. الريح كانت بتهز الشاش على وشي، وعيني كانت بتتغطي بالدموع والدم الجاف.
الباب اتكسر تماماً!
دانيال دخل الأوضة، كان شايل في إيده شاكوش أخدها من صندوق الأدوات في الممر، وشه كان مليان عرق وعينيه جاحظة بشكل مرعب. لما شافني واقفة على حرف الشباك برة السور، اتجمد في مكانه لثانية.
— ياسمين.. أنتِ مجنونة؟ — قالها بصوت ارتعش فيه الخوف لأول مرة — أنتِ هتقعي! المسافة عالية!! انزلي ندخل جوة ونبتكلم!
— أبعد عني!! — صرخت فيه وأنا بأقلب إيدي اليمين وبمسك في ماسورة الغاز الباردة الممتدة على الحيطة — لو قربت خطوة واحدة هرمي نفسي!!
— أنتِ مش فاهمة.. أنا بساعدك! — بدأ يقرب ببطء وحذر، حاطط الشاكوش على الأرض ومادد إيديه الاتنين لي — العالم مش هيقبلك يا ياسمين! محدش هيحبك زيي! أنتِ فاكرة لو بقيتي حلوة هتعيشي مرتاحة؟ الناس طماعين! أنا الوحيد اللي صنتك لما الكل رماكِ!!
— أنت ما صنتنيش!! — صرخت والدموع بتغرق وشي وتكوي الجروح — أنت كنت بتتغذى على كسرتي! أنت كنت بتحب ضعفي مش بتحبني أنا! أنت كنت حاسس إنك بطل عشان متجوز واحدة مفكرة نفسها قبيحة! أنت أحقر من كل الناس اللي اتنمروا عليا في حياتي!!
الكلام ده كان زي الرصاصة اللي ضربته في غروره. وشه اتحول من ترجي لغضب أسود، وانتدفع ناحية الشباك بسرعة عشان يمسك إيدي.
في نفس اللحظة، نقلت وزني بالكامل على ماسورة الغاز، وسيبت إطار الشباك.
رجلي زلقت على الرخام الناعم!
حسيت بالهوا بيتسحب من تحت جسمي، أيديا اتمسكت بالماسورة بجنون، وضوافري اتحفرت في المعدن والدهان القادم. جسمي اتدلدل في الهواء بين السماء والأرض، صرخة رعب طلعت من حلقي هزت السكون بتاع الشارع.
دانيال وصل للشباك ومد إيده يحاول يمسكني، لكنه كان متأخر ثانية.
— ياسمين!! — صرخ وهو بيحاول يوصل لإيدي.
كنت متدلية على ارتفاع ستة أمتار، إيديا بتترعش والماسورة بتعمل صوت صرير تحت وزني. بصيت للجنب، بلكونة الجيران كانت على بعد خطوات. استجمعت كل قوة في دراعاتي، وبدأت أرجح جسمي زي البندول، مرة.. اتنين.. وفي المرة التالتة، سيبت الماسورة وأنا برمى جسمي باتجاه السور الحديدي لبلكونة الجيران.
خبطت في السور الحديدي بقوة رهيبة!
الصدمة أخدت النفس من صدري، وضائعي اتهشمت على الحديد، لكن إيديا الاتنين اتمسكوا بالأسياخ الحديدية بكل غريزة البقاء اللي فيا. رجلي كانت بتدلدل في الهواء، لكنني قدرت أرفس برجلي لحد ما حطيتها على البروز الخرساني، وضغطت على نفسي لحد ما تسلقت السور ووقعت جوة أرضية بلكونة الجيران.
وقعت على السيراميك وأنا بنهث، جسمي كله بيتألم، الشاش على وشي اتفك جزء منه وبقى معلق على جمب، وجروحي كانت بتنزف دم فريش من المجهود والصدمة.
باب البلكونة الزجاجي بتاع الجيران اتفتح بسرعة بجنون. خرج منه الأستاذ جلال وجارته مراته وهما مفزوعين، ماسكين في إيديهم عصاية هوكي.
— فيه إيه؟! مين ده؟! — صرخ الراجل وهو بيشوفني مرمية على الأرض والشاش غرقان دم.
— الحقوني.. — قلتها بصوت بحاح وخافت وأنا بشاور على بلكونتي — دانيال.. دانيال عاوز يقتلني.. اطلبوا الشرطة!! اطلبوا البوليس بسرعة!!
الست صرخت لما شافت منظري، وجلال بص ناحية شباك شقتي.
دانيال كان واقف في الشباك، بيبص علينا. وشه كان شاحب كأنه ج\ثة، لما شاف الجيران طلعوا وشافني نجحت أربُك، عرف إن اللعبة انتهت. الشباك اتقفل بسرعة، وسمعت صوت خطوات جيريه جوة الشقة.
— يا ساتر يا رب! مدام ياسمين؟! — مراته عرفتني من صوتي ومن بقايا وشي — إيه اللي حصل لك يا بنتي؟! تعال جوة!! جلال، اطلب النجدة فوراً!! اطلب الإسعاف!!
دخلوني جوة الصالة بتاعتهم. قعدوني على الكنبة، والست جابت ملاية حطتها عليا وهي بتترعش. جلال مسك التليفون وبدأ يصرخ فيه بيكلم البوليس ويوصف الحالة والعنوان.
أنا كنت قاعد ساكتة تماماً. الارتجاف كان ماسك جسمي كله من أطراف صوابعي لحد فكي. حطيت إيدي ببطء على وشي.. الجزء اللي اتفك منه الشاش.
بشرتي كانت ورمة، مشدودة، وفيها ألم شديد.. لكن لما لمست أطراف مناخيري من تحت التورم.. حسيت بإن الهيكل نفسه.. العظم والغضاريف.. كان مظبوط. الدكتور كان عامل شغل ممتاز فعلاً. العملية كانت ناجحة تماماً زي ما الدكتور قال لي.. ودانيال كان عاوز يدمر كل ده عشان يفضل هو المحور الوحيد لحياتي.
بعد عشر دقايق، صويت سرينات الشرطة والإسعاف كان مالي الشارع تحت المبنى. أضواء الكشافات الحمرا والزرقا كانت بتعكس على جدران الصالة من خلال الشباك.
رجال الشرطة اقتحموا المبنى، وصوت ضرباتهم على باب شقتي كان بيسمع في العمارة كلها. وبعد دقائق من الصراخ والمحاولات، سمعت صوت الباب الخشبي الرئيسي وهو بيتكسر تحت أقدام رجال البوليس.
جلال خرج للممر يستكشف الوضع، ورجع بعد دقائق ووشه أصفر ومحتار.
— البوليس دخل الشقة يا مدام ياسمين.. — قال وهو بيبص لي بأشفاق — الشقة فاضية.. هو هرب من باب الخدم المتروك ورا العمارة. بس البوليس أخد الحاجات اللي كانت في المطبخ، وأخد السرنجة اللي كانت مرمية في الصالة.
غمضت عيني وأنا باخد نفس عميق. هرب.. دانيال هرب وبقى طليق في الشارع.
الإسعاف دخلت شقة الجيران، الممرضين شالوني ببطء على النقالة، وحطوا ماسك أكسجين على وشي. وأنا طالعة من العمارة على النقالة، الشارع كان مليان ناس من المنطقة، الجيران كلهم طالعين في البلكونات وواقفين في الشارع يتفرجوا.
نفس النظرات القديمة.. نفس التهمس.. نفس العيون اللي بتبص لي باستغراب وخوف من شكل الشاش المليان دم والمنظر الدرامي.
لكن المرادي.. ما لفيتش وشي.
ما بصلتش الناحية التانية.
رفعت رأسي بثبات على الوسادة بتاعة النقالة، وبصيت في عيونهم كلهم واحد واحد. الخوف اللي عاش معايا 15 سنة مات الليلة دي على السور الحديدي للبلكونة. التورم هيروح، والجروح هتلم.. لكن الشخصية الضعيفة المكسورة اللي كانت بتستخبى ورا دانيال، ماتت ومش هترجع تاني.
في المستشفى، الأطباء طمنوني. الجروح كانت سطحية ناتجة عن الاحتكاك، الشاش اتغير، والدكتور الجراح اللي عمل لي العملية جه مخصوص لما بلغوه باللي حصل.
قعد قصادي في الأوضة وهو بيبص لي بحزن واستغراب شديد.
— أنا مش قادر أصدق إن دانيال يعمل كده.. — قال وهو بيفحص الخياطة — لما جه كلمني بعد العملية، كان بيترجاني أقولك إن فيه مضاعفات! كان عاوزني أكذب عليكِ وأقولك إن الوش اتدمر! أنا طردته من مكتبي وقلت له دي أمانة مهنية والعملية نجحت بنسبة 100%.. ما اتخيلتش إنه هيوصل للجنون ده ويفبرك كل ده في البيت!
— هو كان عاوز يبقيني مكسورة يا دكتور.. — قلتها بصوت هادي وثابت — عشان يفضل هو بطل الرواية.
— أنتِ بطلة روايتك يا ياسمين — قالها وهو بيحط الضمادة الأخيرة الجديدة على وشي — والتورم ده هيروح خلال أسبوعين.. والنتيجة هتكون زي ما تحلمي وأفضل.
مرت الأيام في المستشفى تحت حراسة شرطة بسيطة لحد ما أخدوا أقوالي. أتيحت لي الفرصة إني أرجع بيتي القديم، بيت أهلي اللي سبته من سنين، ونظفت نفسي من كل أثر لدانيال. المحامي بتاعي رفع قض\ية طلاق للضرر وقض\ية شروع في قتل، والبوليس نشر صورته في كل مكان كهارب من العدالة.
بعد أسبوعين بالضبط..
كنت واقفة في حمام بيت أهلي. الحمام كان فيه مراية كبيرة، مغطية الحيطة كلها.
كان ده اليوم اللي الدكتور قاللي فيه إني أقدر أشيل الضمادة الأخيرة بنفسي في البيت.
إيديا كانت ثابتة. مفيش أي ارتعاش. مفيش أي خوف.
مسكت طرف الضمادة الفينيلية البيضا، وبدأت ألفها ببطء حولين رأسي. الضمادة بتنزل.. والطبقات بتطيح واحدة ورا التانية..
لحد ما الضمادة الأخيرة سقطت في الحوض.
رفعت رأسي وبصيت في المراية.
التورم كان اختفى تقريباً، متبقي بس أثر أحمر خفيف جداً بينتفي مع الوقت. المناخير كانت متناسقة تماماً مع ملامح وشي، مرسومة بدقة وجمال طبيعي مش متكلف، مرسومة بالطريقة اللي كنت بدعي ربنا بيها كل ليلة وأنا طفلة بنام وعيني مليانة دموع.
لكن الأهم من المناخير.. كانت العينين.
العينين اللي كانت دايمًا مكسورة وبتبص للأرض، كانت بتلمع بقوة وحجم وثقة ما شفتهمش قبل كده في حياتي. كنت جميلة.. مش بس بسبب العملية، لكن بسبب الست اللي خرجت من الجحيم دي واقفه على رجلها.
ابتسمت للمراية.. لأول مرة في حياتي، ابتسمت لانعكاسي بصدق.
وفجأة.. سمعت صوت تكّة خفيفة جاية من صالة الشقة برة.
صوت قدم بيمشي بحذر شديد على خشب الأرضية.. نفس الخطوة المترددة اللي بعرفها كويس جداً..
صوت دانيال وهو بيلف مفتاحه السري في قفل الباب الخارجي!