حبيبتى احنا بقالنا 3 سنين 2
ريهام خرجت من عيادة الدكتور ورجليها مش شايلاها، الدموع كانت مغرقة وشها بس المرة دي مكنتش دموع حزن، كانت دموع من صدمة الحقيقة اللي عرفتها متأخر. “يعني محمود كان سليم؟ وأنا اللي ضحيت بنفسي وبسمعتي قدام نفسي عشان ميتجرحش، وفي الآخر سابني في شهر واحد عشان يتجوز غيري؟!”
رجعت بيتها وفضلت طول الليل صاحية منمتش، تفكر في سيف الصغير وكلامه في الكراسة، وفي محمود اللي دارت بيه الأيام وبقى عاجز قدام ولاده بعد وفاة مراته.
تاني يوم، ريهام اشترت تورتة كبيرة ولعب كتير ونزلت راحت على بيت محمود زي ما وعدت سيف. خبطت على الباب، وفتحت لها الشغالة برضه بنفس الوش العبس، بس ريهام زقتها بهدوء ودخلت وهي مبتسمة وبتقول بصوت عالي: “سيف.. دودو.. أنا جيت!”
سيف أول ما شافها جرى عليها وحضنها بشدة وهو فرحان: “ميس ريهام! أنتِ جيتي بجد؟ أنا مكنتش مصدق!”
ريهام حطت الحتة والتورتة وقالت له: “أنا عمري ما أقول كلمة ومعملهاش يا بطل، يلا عشان نغير هدومنا ونحتفل بعيد ميلادك.”
محمود خرج من أوضته على الصوت، كان باين عليه التعب والهم، وبص لريهام بنظرة كلها خجل وانكسار. ريهام اتجاهلت نظراته تماماً وركزت مع الأولاد؛ قعدت تأكل سيف وتلعبه، وأخدت دودي الصغيرة في حضنها ونضفت لها هدومها وأكلتها بنفسها، والطفلة كانت متبتة في ريهام وكأنها لقت أمها اللي انحرمت منها.
محمود ملقاش كلمة يقولها غير: “شكراً يا ريهام.. أنا مش عارف أقولك إيه، أنتِ بتعملي ده كله بعد كل اللي عملته فيكي؟”
ريهام بصت له برأس مرفوعة ونبرة هادية وقاتلة: “أنا بعمل ده لله وللأطفال دول يا محمود، سيف ابني في الفصل ودودي طفلة ملهاش ذنب.. أما بالنسبة للي عملته فيا، فربنا كبير.”
محمود دمع وقال: “أنا ندمان يا ريهام.. ندمت من أول يوم مشيتي فيه، بس كنت بقنع نفسي إن البيت محتاج طفل.. ولما اتجوزت وسيف جه، وبعده دودي ومراتي ماتت، عرفت إن الدنيا ملهاش أمان، وإنك كنتِ نعمة أنا مقدرتهاش.”
ريهام ابتسمت بسخرية وقالت له: “تفتكر لو كنت أنت اللي مبتخلفش يا محمود، أنا كنت هسيبك بعد شهر؟”
محمود طأطأ رأسه في الأرض وقال: “عارف إنك أصيلة ومكنتيش هتعمليها.. أنا اللي كنت أناني.”
هنا ريهام وقفت، وبصت له بعيون قوية وقالت الكلمة اللي كانت مخبياها: “عايزة أقولك على حاجة يا محمود.. أنا امبارح كنت عند الدكتور اللي عملنا عنده التحاليل زمان.”
محمود رفع رأسه بسرعة واستغرب: “دكتور إيه؟ وتحاليل إيه دلوقتي؟”
ريهام: “الدكتور قالي إن المعمل كان مبدل تحاليلك مع مريض تاني بالصدفة.. وأنت كنت سليم من الأول وبتخلف عادي.. يعني أنا مكنتش بكدب عليك لما قولتلك إن العيب مني، أنا ساعتها روحت وجبت النتيجة وعرفت إن (التحاليل المتبدلة) بتقول إنك مبيخلفش، وطلبت من الدكتور يقول إن العيب مني عشان أهلي ميزعلوكش بكلمة وتفضل راجل في نظر الكل!”
محمود وقف ومبقاش قادر ينطق، الصدمة شلت لسانه: “أنتِ.. أنتِ عملتي كدة عشان تحميني؟ وأنا.. وأنا طردتك وطلقتك في شهر؟!”
ريهام: “آه عملت كدة.. وأنت مستحملتش شهر واحد ورميتني عشان تتجوز وتجيب عيال.. والقدر لف لفته وخلاك تخلف فعلاً، بس حرمك من الزوجة اللي صانتك، وسابلك طفلين أيتام محتاجين رعاية أنت مش ملاحق عليها.”
محمود انهار وبكى بحرقة، وقرب من ريهام وحاول يمسك إيدها وهو بيترجاها: “سامحيني يا ريهام.. أبوس إيدك ارجعيلي، البيت ده محتاجلك، والأولاد دول ملهمش غيرك.. أنا مستعد أعمل أي حاجة بس ترجعيلي ونبدأ من جديد.”
ريهام سحبت إيدها بهدوء، وبصت لسيف ودودي اللي كانوا بيبصوا لها ببراءة، وبصت لمحمود وقالت له: “الموضوع مبقاش بالسهولة دي يا محمود.. الجرح اللي في قلبي محتاج وقت عشان يلم، وأنا مش هظلم نفسي تاني.”
محمود بلهفة: “يعني في أمل؟ عشان خاطر الأولاد طيب؟”
ريهام بصت للأرض وفكرت في سيف ودودي اللي ارتبطوا بيها، وفكرت في كرامتها اللي اتهانت..
ريهام سحبت إيدها بهدوء، وبصت لمحمود وقالت له بنبرة حاسمة: “أنا مش هرجعلك يا محمود عشان أنت ندمان، ولا هرجع عشان أنت محتاج لـ دادة لأولادك.. أنا لو فكرت أتدخل في حياة الأولاد دول، هيكون عشان ربنا وعشان قلبي اللي وجعني على سيف ودودي.”
محمود دموعه نزلت وقال بصوت مكسور: “والله العظيم ما قصدت كدة يا ريهام.. أنا شاريكي أنتِ، وعرفت قيمتك بعد ما الدنيا بهدلتني.. أنا مستعد أصبر العمر كله بس تديني فرصة واحدة أصلح فيها اللي انكسر.”
ريهام مسكت شنطتها وبصت لسيف اللي كان واقف باصص لهم بقلق ومش فاهم كلام الكبار قوي، بس حاسس إن مدرسة حبيبة قلبه هتمشي. ريهام نزلت لمستوى سيف وحضنته وقالت له: “سيف يا حبيبي.. أنا هاجي أزورك علطول، وفي المدرسة أنا معاك كل يوم، ماشي؟”
سيف بدموع: “يعني مش هتمشي وتسيبينا يا ميس؟”
ريهام ابتسمت وطبطبت عليه: “عمرى ما هسيبك.”
ريهام مشيت ورجعت بيتها، وطول الليل كانت في صراع بين عقلها اللي بيقولها “محمود ميتأمنش وميستاهلش تضحيتك”، وبين قلبها ورحمتها اللي مش قادرة تقسى على طفلين أيتام الأم وأب متشتت.
مرت الأيام، وريهام فضلت ملتزمة بوعدها لسيف. كانت بتروح بيت محمود مرتين في الأسبوع، تطمن على نظافة البيت، وتذاكر لسيف، وتهتم بأكل دودي الصغيرة وتديلها الدوا في مواعيده. محمود في الفترة دي اتغير تماماً؛ طرد الشغالة القاسية وجاب ست كبيرة ومحترمة تساعد في البيت، وبقى يرجع من شغله بدري مخصوص عشان يشوف ريهام وهي قاعدة مع الأولاد، وكان بيعاملها كأنها ملكة، خايف يزعلها بنظرة أو كلمة.
وفي يوم، وريهام قاعدة بتغدي دودي، محمود دخل وقعد قدامها وقال بنبرة رجاء: “ريهام.. بقالنا شهور على الحال ده، الأولاد مبيقدروش يناموا من غير ما يسمعوا صوتك، وأنا بتموت في اليوم ألف مرة وأنا شايفك قريبة وبعيدة في نفس الوقت.. أرجوكي يا ريهام، وافقي نتجوز.. مش هطلب منك تكوني زوجة ليا لو مش عايزة، بس اجمعينا تحت سقف واحد واكتبي شروطك وأنا هبوس إيدك عليها.”
ريهام حطت معلقة الأكل وبصت له لفتة طويلة، وقالت في سرها: “يا ترى يا محمود لو وافقت، الأيام هتنسيني كسرة قلبي لما رميتني؟ وهل هقدر أعيش معاك تاني وأنا عارفة إنك اتخليت عني في أول محطة؟”
بصت لسيف اللي دخل الأوضة فجأة وقال ببرراءة: “ميس ريهام.. أنا كتبت موضوع تعبير جديد النهاردة في البيت.. ممكن تقريه؟”
ريهام أخدت منه الكشكول وفتحت الصفحة، ولقت سيف كاتب:
“أنا فرحان قوي لأن ربنا استجاب لدعائي.. وماما اللي راحت عنده بعتت لي ميس ريهام عشان تكون هي ماما الجديدة.. أنا بحب ميس ريهام ومش عايزها تمشي وتسيبنا أبدًا.”
دموع ريهام نزلت وهي بتقرأ كلام سيف، وبصت لمحمود اللي كان مستني ردها وهو حاطط إيده على قلبه ومستني حكم الإعدام أو طوق النجاة.
ريهام قفلت الكشكول، وقامت وقفت وقالت لمحمود: “أنا موافقة يا محمود.. بس عندي شروط، والشروط دي مش هتتنازل عنها أبداً عشان نعيش مع بعض.”
محمود وقف بلهفة وفرحة مش سايعاه: “قولي كل اللي أنتِ عايزاه يا ريهام.. أنا تحت رجلك!”
يتبع في الجزء الخامس…
