حكايات زهرة الربيع 2

أمي خرجت من الصالة بخطوات ثابتة، ودخلت أوضتها اللي كانت ممنوعة على أبويا سنين. ثواني وخرجت وهي شايلة شنطة سفر صغيرة، كانت مجهزاها من أسبوع ومحدش حس بيها.

أبويا قام من مكانه وهو بيترنح، وشه بقى لونه أزرق من الصدمة، حاول يمسك إيدها وهو بيحلف:

“والله يا هدى كنت هقولك، والله كنت هصلح كل حاجة، إسعاد كانت غلطة ولبستني فيها، والبنات ملهمش ذنب!”

أمي وقفت وبصت له بنظرة خالية من أي مشاعر، لا كره ولا حب، كانت نظرة “عدم” وقالتله:

**”إسعاد مكنتش غلطة يا عبد السميع، إسعاد كانت اختيارك الواعي لمدة ربع قرن. كنت بتنام في حضنها وتيجي تفطر على طبلية الست اللي بتصون عرضك وبتربي بنتك. البنات ملهمش ذنب؟ طبعاً ملهمش ذنب إن أبوهم خاين، بس ليهم ذنب إنهم عاشوا في خيري وأكلوا من شقايا وهم عارفين إنهم بياخدوا حق بنتي.”**

بصت لهالة اللي كانت بتعيط في زاوية الصالة وقالتلها:

**”الستاير اللي اخترتها معاكي يا هالة، كانت لايقة جداً على الشقة اللي اشتراها ليكي بابا من مكافأة نهاية الخدمة اللي كان المفروض نأمن بيها مستقبل أمنية.. اتهني بيها يا بنتي، بس يارب تعرفي تنامي والستاير دي مقفولة عليكي.”**

مدام إسعاد حاولت تتكلم، بس أمي شاورتلها بصباعها بحزم:

**”ولا كلمة يا إسعاد.. إنتي بالذات ملكيش حق النطق. أنا اللي كنت ببعت لك الأكل لما كنتي بتمثلي إنك تعبانة، وأنا اللي كنت بطبطب عليكي في وفاة أمك.. أتاريكي كنتي بتعيطي في حضن ضرتك وإنتي بتخططي هتاخدي منه إيه تاني.”**

أمي لفت ليا وقالت بصوت هادي: **”يلا يا أمنية، مفيش لينا مكان هنا.”**

إحنا وخارجين، أبويا صرخ بصوت عالي: **”هتروحي فين يا هدى؟ البيت ده بيتي، والقانون مش هيسيبك تاخدي حاجة، إنتي اللي طلبتي الخلع يعني ملكيش مليم!”**

هنا أنا وقفت، وبصفتي محامية، بصيت لأبويا وقلتله بابتسامة باردة:

**”يا سيادة المدير، حضرتك نسيت إنك من 10 سنين، لما كنت عاوز تاخد قرض بضمان الشقة دي، أمي هي اللي سددت القرض من ورث خالي الله يرحمه، وحضرتك وقتها كتبت لها (عقد بيع نهائي) للشقة دي وللمحلين اللي تحت البيت عشان تضمن لها حقها.. العقد ده متسجل في الشهر العقاري يا بابا، يعني حضرتك ومدام إسعاد وبناتها قدامكم 24 ساعة بالضبط وتخلوا الشقة دي، لأنها ملك الست هدى.”**

أبويا اتسمر مكانه، ومدام إسعاد صرخت: **”يعني إيه؟ هنروح فين؟”**

أمي بصت للممر اللي بيوصل لشقتهم وقالت ببرود:

**”عندكم الشقة اللي (في الوش).. اللي عشتوا فيها 25 سنة بتمثلوا دور الجيران الغلابة. ارجعوا لحجمكم الطبيعي، والسماح اللي كان بيننا انقطع بخيط الصوف اللي فكيته بإيدي.”**

خرجنا من باب الشقة، والناس في العمارة كانوا واقفين على السلالم بيسمعوا الفضيحة. أمي كانت رافعة راسها للسماء، وأول ما ركبنا العربية، سكتت تماماً.

كنت فاكراها هتعيط، أو تنهار بعد السنين دي كلها.. بس هي فتحت شنطتها، طلعت “الكوفية” الصوف اللي كانت عملاها لأبويا ورفضها، وفكت الخيط الأخير منها، ورمت بكرة الصوف من شباك العربية وهي بتقول:

**”دلوقتي بس، الخيط فك يا أمنية.. والوجع خلص.”**

لكن اللي حصل في الـ 24 ساعة اللي بعد كدة، كان أغرب من الخيال، لأن عبد السميع مكنش هيسكت، ومدام إسعاد قررت تلعب آخر كارت معاها..

تابعو صفحه رومانى مكرم

ما لحقناش نرتاح في شقتي الصغيرة اللي أجرتها في القاهرة، تليفوني ميسكتش، وصور عيد ميلاد أمي بقت “تريند” في الحارة وفي مصلحة أبويا. الكل بيتكلم عن “الست هدى” اللي صبرت وخططت ونفذت.

تاني يوم الصبح، وبالتحديد الساعة 10، لقيت خالي بيتصل بيا وصوته مخنوق: “يا أمنية، الحقي أمك.. عبد السميع جاب بلطجية وواقف قدام الشقة، ورافض يخرج، وبيقول اللي عنده عقد يروح يبله ويشرب ميته، والست إسعاد وبناتها لموا عليه الناس وصوتهم جايب آخر الشارع.”

أمي سمعت المكالمة، متهزتش. لبست عبايتها السوداء وطرحتها بوقار مرعب وقالتلي:

**”جهزي ورقك يا حضرة المحامية، النهاردة هنقفل الدفاتر القديمة ونفتح الدفاتر الجديدة.”**

وصلنا الحارة، ولقينا المنظر ميتوصفش. أبويا واقف بقميص البيت، وعرقان، وشكله بقى أكبر بعشر سنين، وماسك “شومة” في إيده وقدامه تلاتة من أصحاب السوابق، وإسعاد واقفة وراه بتعيط وتندب حظها وتقول للجيران: “شوفتوا الست اللي كنا فاكرينها طيبة؟ عاوزة ترمي راجل في سنه ده في الشارع وتيتم بناتي!”

أمي مشيت وسط الناس، والكل وسع لها طريق وكأنها ملكة. وقفت قدام أبويا وبصت له من فوق لتحت وقالتله:

**”الشومة دي مابترهبش حد يا عبد السميع.. إنت عارف إنك خسران، والناس دي مش هتنفعك لما البوكس ييجي.”**

أبويا صرخ فيها: **”الشقة دي شقتي، والورق اللي معاكي ده ورق صوري، أنا اللي دافع تمنها، وإنتي مكنتيش بتملكي مليم!”**

هنا أنا طلعت من شنطتي “لابتوب” وفتحته قدام الكل، وشغلت تسجيل صوتي كان مسجله نظام الأمان اللي ركبته أمي في أوضتها من سنتين تحت مسمى “منبه”.

صوت أبويا كان واضح وهو بيقول لأمي في ليلة هادية:

*”يا هدى، الشقة دي بقيتي صاحبتها رسمياً، والمحلين كمان، اعتبريهم مهرك الجديد وتقدير مني ليكي ولصبرك معايا، أنا عارف إني مقصر بس إنتي الأمان.”*

أبويا لما سمع صوته، الشومة وقعت من إيده. أمي كملت وقالت بصوت مسموع للكل:

**”أنا مكنتش بحوش فلوسك يا عبد السميع، أنا كنت بحوش (فضايحك). إنت ناسي إنك كنت بتمضي على وصولات أمانة لمدام إسعاد عشان تضمن إنها متسيبكش؟ الوصولات دي دلوقتي بقت في إيد (المطالبة القضائية) لأني اشتريت الديون دي من التاجر اللي كانت بتمضي عنده.”**

إسعاد وشها جاب ألوان وصوتت: **”ديون إيه؟ أنا مديونة لمين؟”**

أمي بصت لها بقرف وقالت: **”مديونة للعمر اللي سرقتيه مني. السنين اللي كنتي بتاخدي فيها فلوس منه باسم “تجهيز البنات”، كنتي بتمضي فيها وصولات أمانة على بياض عشان تضمني إنه ميرجعش في كلامه.. والتاجر اللي كنتي بتتعاملي معاه يبقى ابن خالي، والورق كله معايا.”**

في لحظة، الموازين اتقلبت. البلطجية لما عرفوا إن الموضوع فيه شرطة ووصولات أمانة وقضايا كسب غير مشروع، انسحبوا واحد ورا التاني.

أمي قربت من باب الشقة، طلعت المفتاح، وفتحت القفل بمنتهى الهدوء. لفت لأبويا وقالتله:

**”قدامك ساعة يا عبد السميع. تاخد إسعاد وعيالها، وتطلعوا من هنا بشنط هدومكم بس. المحلات والشقق والذكرى اللي كانت هنا، بقت ملكي. ولو فكرت تهوب ناحية العمارة دي تاني، البلاغ اللي قدمته أمنية الصبح في النيابة الإدارية عن (تضخم ثروتك) هيتحرك فوراً.”**

أبويا بص لإسعاد، اللي كانت بتبصله بغل دلوقت بعد ما عرفت إن كل اللي حيلته راح، وبدأت تشتمه وتلومه إنه مأمنش نفسها بعيد عن “هدى”.

أمي دخلت شقتها، وقفت في الصالة اللي كانت لسه ريحتها “بخور” من حفلة مبارح. بصت لصورة جوازهم المتعلقة على الحيطة، ومسكت السكينة اللي كانت بتقطع بيها الخضار بانتظام.. وبدل ما تقطع الخضار، قطعت الصورة نصين.

**”يا أمنية، اتصلي بالمقاول، عاوزة أهد الحيطة اللي بين أوضتي وأوضة المنضرة.. عاوزة أفتح البيت كله على بعضه، مش عاوزه حواجز تاني.”**

بس وهي بتبدأ حياتها الجديدة، جالي تليفون من مكتب المحاماة اللي بشتغل فيه.. تليفون قلب كياني وغير مسار القصة كلها، لأن السر اللي كان مخبيه أبويا مكنش مجرد جوازة تانية.. كان أكبر بكتير.

**يتبع…**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *