قبل ما أسافر حكايات رومانى مكرم 1
قبل ما أسافر رحلة مع ابني واحفادى، مرات ابني قالتلي:
“مش هنحتاجك المرة دي. بس اتأكدي إن البيت نضيف.”
تاني يوم الصبح، سبت مفاتيحي على الترابيزة ومشيت في هدوء.
ولما رجعوا وشافوا مين ساكن في بيتي، ماقدروش ينطقوا.
قالت دينا الكلام بالطريقة اللي الواحد بيكلم بيها الخدامة، مش الست اللي دفعت تمن البيت ده اللي في مدينة الشيخ زايد بسنين شغل وتعب وصحيان بدري ووجع مفاصل.
كانت شايلة شنطة ماركة ومتجهة للباب، وابني كريم مش رافع عينه من الموبايل. وأنا واقفة عند الحوض بنشف طبق أصلاً ما استخدمتوش.
قالت وهي ماشية:
“الأرضيات والحمامات يتنضفوا كويس… ومتلمسيش حاجتنا.”
في بيتي أنا… قالت “بيتنا”.
حفيدي آدم حضني وقال إنه هيشتاقلي. والبنت الصغيرة ليلى سألت:
“ليه تيته مش جاية معانا؟”
شدّتها دينا وقالت:
“عشان تيته عندها شغل تعمله.”
كأن الحنية بتتدفع مقابل التنضيف.
الباب اتقفل. باب الجراج خبط.
وسكت البيت… سكون تقيل يخنق.
بصّيت للمفاتيح على الترابيزة — نفس المفاتيح اللي كريم بيمسكها كأن البيت ملكه — وحسيت إن حاجة جوايا المرة دي ما اتكسرتش زي كل مرة.
الموضوع بس… استقر.
دخلت الأوضة الصغيرة اللي كانوا مخلّيني فيها، وطلعت العلبة الحديد اللي مخبياها ورا هدومي، وفتحت أوراق الملكية.
اسمي كان مكتوب زي ما هو دايمًا.
مهما قالت دينا “بيتنا”، الحقيقة مكتوبة بالحبر.
وعشان كده عملت الحاجة الوحيدة اللي محدش كان متوقعها من أمينة الهادية.
ما اتخانقتش.
ما أعلنتش حاجة.
كتبت جملة قصيرة على ورقة صغيرة، وسيبتها جنب المفاتيح، ولمّيت شنطة صغيرة كأني مسافرة يومين أهدى أعصابي… مش رايحة أرجّع حياتي.
مع شروق الشمس، كنت قاعدة في قهوة على طريق مصر–إسكندرية الصحراوي، فنجان القهوة بيبرد بين إيديا، وكلمت مكالمة ما عملتهاش من سنين.
“نجلاء”، قلت بثبات،
“أنا أمينة. محتاجاكي النهارده، وعايزاكي تثقي فيا.”
ما سألتش كتير. سألت سؤال واحد بس:
“البيت باسمك قانوني؟”
قلت: “أيوه.”
قالت:
“يبقى تعالي. هنرجّعهولِك صح.”
قبل الضهر، كان الصنايعي مغير كل الأقفال، ومجموعة المفاتيح الجديدة في إيدي كانت أتقل من اللازم.
نجلاء كانت بتمشي في البيت أوضة أوضة، بدفتر في إيدها، مش متعصبة، بس دقيقة… كأنها بترجّع اسمي لكل ركن.
بالليل، دخلت حاجة واحدة بس مكانها:
الكرسي الهزاز بتاعي جنب الشباك.
وساعتها بس لاحظت قد إيه البيت كان هادي من غير توتر دينا.
#الكاتب_رومانى_مكرم
بعد أسبوع، عربية كريم دخلت الجراج. العيال نزلوا يضحكوا ويجروا، بشرتهم محروقة من الشمس، شايلين شنط السفر.
دينا جرّبت المفتاح مرة.
وبعدين مرة تانية بعصبية.
بس القفل ما فتحش.
خرج كريم من العربية وهو بيأفف، ونزل الشنط بملل وقال: “في إيه يا دينا؟ مش عارفة تفتحي الباب؟”
دينا وشها بقى أحمر من كتر المحاولة وقالت بصوت عالي: “المفتاح مش راضي يلف! شكل الباب اتنطر من الرطوبة وإحنا مسافرين، أو أمينة هانم سابت المفتاح محشور في القفل من جوه.”
كريم جرب بنفسه، ضغط بكل قوته، خبط على الباب، بس الحديد كان صامد. في اللحظة دي، سمعوا صوت حركة هادية جوه البيت. دينا بصت لكريم بذهول وقالت: “إنت سامع؟ في حد جوه!”
قبل ما كريم يرد، الباب اتفتح ببطء.
بس اللي فتحت ما كانتش أمينة “الهادية”.
كانت نجلاء، لابسة بدلة رسمية، وماسكة في إيدها ملف جلدي أسود. وبجانبها كان واقف راجل ضخم، ملامحه جادة، لابس لبس “أمن” خاص.
دينا رجعت خطوة لورا وقالت بحدة: “إنتي مين؟ وإيه اللي مدخلك بيتي؟ وفين حماتي؟”
نجلاء بصت لها بنظرة باردة من فوق النضارة وقالت بهدوء مستفز: “أهلاً يا مدام دينا. حمد لله على السلامة. أنا المحامية نجلاء، الموكلة الرسمية من السيدة أمينة صاحب البيت ده.”
كريم دخل في الكلام وصوته علي: “بيت مين يا ست إنتي؟ ده بيت أبويا الله يرحمه وأنا اللي عايش فيه. وسعي كدة خليني أشوف أمي فين.”
نجلاء رفعت إيدها تمنعه وقالت: “والدتك مش موجودة. ووالدك الله يرحمه ما سابش البيت ده ليك، البيت ده ملكية خاصة ومسجل باسم السيدة أمينة بالكامل. وبناءً على طلبها، تم تغيير الأقفال، وتم إلغاء حق الاستضافة اللي كانت منحهولكم.”
دينا ضحكت بسخرية هستيرية: “حق استضافة؟ إنتي عارفة بتكلمي مين؟ كريم ده ابنها الوحيد! إنتي أكيد مجنونة، يا أمينة! يا طنط! اطلعي شوفي المسخرة دي!”
في اللحظة دي، ظهرت أمينة.
كانت قاعدة على الكرسي الهزاز اللي اتنقل للصالة الكبيرة، مش في الأوضة الضيقة اللي ورا. كانت ماسكة فنجان قهوة، ولابسة فستان شيك ما لبستوش من سنين. بصت لهم من بعيد، ملامحها كانت خالية من الغضب، بس كان فيها قوة غريبة لأول مرة يشوفوها.
كريم صاح بلهفة: “أمي! قولي للست دي تفتح الباب وتدخل الشنط، إيه الهزار ده؟ العيال تعبانين.”
أمينة قامت ووقفت قدام الباب، بس ما عدتهمش العتبة. بصت لكريم وقالت بصوت واطي ومسموع:
“البيت نضيف يا دينا.. زي ما طلبتي بالظبط. نضفته من كل حاجة كانت مخلية نفسي ضيق.”
دينا وشها اتخطف وقالت: “يعني إيه؟ هنفضل واقفين على الباب؟”
أمينة كملت وهي بتبص في عين ابنها: “الورقة اللي سبتها جنب المفاتيح القديمة كان مكتوب فيها (انتهت مدة الإقامة). الشنط اللي معاكم فيها لبسكم اللي سافرتوا بيه، وباقي حاجتكم هتلاقوها متعبية في كراتين في المخزن اللي بره الجراج.. نجلاء هانم معاها أمر إخلاء قانوني، ومعاها كمان عقد إيجار جديد لو حابب يا كريم تأجر شقة تانية بعيد عن هنا.”
آدم الصغير قرب من الباب وهو بيعيط: “تيته، أنا عايز أدخل أنام في أوضتي.”
قلب أمينة وجعها، بس افتكرت جملة دينا “عشان تيته عندها شغل تعمله”، فبصت لحفيدها وقالت بحنان حزين: “يا حبيبي، الأوضة دي ما بقتش أوضتك.. دي بقت أوضة القراءة بتاعة تيته. بابا وماما هياخدوك لمكان جديد، مكان هما اللي دافعين تمنه، عشان يعرفوا قيمته.”
كريم حاول يزق الباب: “إنتي بتطرديني يا أمي؟ بتطردي ابنك عشان خاطر كلام ستات؟”
أمينة ردت بحدة لأول مرة: “أنا مش بطرد ابني.. أنا بطرد اللي نسيوا إني صاحبة البيت وصاحبة الفضل. أنا بطرد “الخدامة” اللي دينا كانت فكراها عايشة معاكم، وبرجّع الست أمينة لمكانها الطبيعي.”
نجلاء طلعت ورقة تانية وقالت لكريم: “قدامكم نص ساعة تلموا اللي فاضل في المخزن، وإلا هنضطر نطلب البوليس ينفذ قرار عدم التعرض.”
دينا بصت لكريم وهي مذهولة، مستنية منه يعمل حاجة، بس كريم كان باصص للأرض.. لأول مرة يحس إن الموبايل اللي في إيده ملوش قيمة، وإن الحيطة اللي كان ساند عليها وقعت بكلمة واحدة من أمه.
أمينة لفت ضهرها، ورجعت قعدت على كرسيها الهزاز، وسابت نجلاء تقفل الباب الحديد في وشهم. صوت “تكة” القفل كانت هي الإعلان الرسمي إن عهد الذل انتهى.
