حكايات رشا خالد 3

صوت تكسير الباب الخشب كان بيتهز معاه عضم الشقة كلها. الخشب بيطق ويتحسر تحت ضربات الجيران والبواب، والملح الصخري اللي كان قافل الكالون بدأ يتشقق ويقع على الأرض زي بودرة تلج ميت.

شريف كان لسه على ركبه، بيكح وبيطرد المية المالحة والطمي من جوه جوفه، صدره بيحرق كأنه شارب نار. بص لإيديه اللي بتترعش تحت ضوء كشاف التليفون اللي لسه قايد.. الصدمة لجمت لسانه.

مكان صوابعه على الأرض مكنش طين عادي؛ كفوفه كانت متعاصة دم منيل بالأسود، ولما رفع عينه وبص في المريا الكبيرة اللي في الصالة، لقى رقبته هو كمان عليها أثر أصابع مبلولة، بس الغريب إن الأثر ده كان متطابق بالملي مع حجم إيديه هو! كأن الإيد اللي خنقته ومنعته من الصراخ مكنتش إيد نور.. كانت إيد شريف نفسه.

“شيل معاك يا واد يا عوض.. اكسر اللوح ده!”

صوت البواب كان بيعلو برة، ومعاه ضربة عتلة حديد طيرت الجزء الفوقاني من الباب. الضوء الأبيض بتاع كشافات الجيران بدأ يقطع ضباب الصالة البارد.

شريف قام وقف على رجليه زي المجنون. بص وراه.. باب المطبخ اللي فيه جثة فايزة كان موارب، وريحة الزفارة والملح طالعة منه بتطرد أي هوا نضيف. لو الجيران دخلوا وشافوا فايزة والملح محشور في بوقها، وأثر الكفوف على رقبتها، مفيش مخلوق هيصدق قصة النيل والشبكة الدايبة. هو المتهم الأول والأخير.

في ثانية، الباب الخشب اتهد بالكامل، ودخل عوض البواب ومعاه تلاتة من سكان العمارة، شايلين كشافات وعصيان، وهدومهم مبلولة من المية اللي كانت مغرقة السلم.

— يا ساتر يارب! إيه ده يا أستاذ شريف؟! — عوض صرخ وهو بيوجّه كشافه على الأرض—. الشقة غرقانة مية زفرة وطين.. وأنت واقف كدا ليه؟ وفين الست هانم؟

شريف رجع لورا خطوة، وشه كان شاحب وعينيه زايفة من الرعب، حاول يطلع صوت طبيعي:

— نور.. نور تعبت شوية وأهلها أخدوها المستشفى من بدري.. والمية دي.. دي ماسورة الصرف ضربت فجأة..

أحد الجيران، الحاج مصطفى، قرب بخطوات حذرة وهو بيبص لأثر الخطوات المبلولة اللي لسه معلمة وسط الطين الأسود:

— ماسورة إيه يا ابني اللي تجيب طين وريحة بحر في الدور الرابع؟ وبعدين إيه صوت الصريخ اللي كان طالع من عندك ده؟ إحنا سمعنا صوت ست بتصوت وصوت حد بيخبط ع الخشب كأنه بيموت!

قبل ما شريف يرد، تليفونه اللي في إيديه اتهز للمرة الألف. الشاشة نورت، بس المرة دي مكنش إشعار بنك.. دي كانت رسالة صوتية مبعوتة على الواتساب من رقم أخته فايزة!

الرسالة اشتغلت لوحدها بصوت عالي ونبرة فايزة الحقيقية، النبرة الحامية اللئيمة وهي بتقول:

*”شريف.. أنا وصلت طنطا خلاص يا خويا.. السمك طلع يجنن ونور ست بيت ملهاش مثيل، سيبك من كلامي بتاع زمان أنا كنت بهزر معاك.. ربنا يهنيكم يا حبيبي.”*

الرسالة اشتغلت في نفس اللحظة اللي كانت فيها جثة فايزة قاعدة جوة المطبخ على بعد مترين منهم!

الحاج مصطفى وعوض البواب بصوا للتليفون، وبعدين بصوا لوش شريف اللي ملامحه اتشنجت. عوض بدأ يشم الريحة اللي جاية من المطبخ، ريحة مكنتش مجرد زفارة سمك.. دي كانت ريحة موت صريح.

— الصوت ده جاي من المطبخ؟ — عوض قالها وهو بيقدم رجله وبيرفع كشافه في اتجاه الباب الموارب.

— لأ! محدش يدخل هناك! — شريف صرخ واندفع وقف قدام الباب وجسمه كله بيترعش، ورفع السكينة المتنية اللي في إيديه كأنه بيهددهم.

المنظر كان كفيل يخلي الجيران يرجعوا لورا برعب. الحاج مصطفى بص لعوض وهز راسه: “الراجل ده مش طبيعي.. اطلب البوليس يا عوض حالا”.

عوض طلع تليفونه وبدأ يتصل، وفي نفس اللحظة، ومن ورا شريف.. من جوه المطبخ المظلم.. صوت تكتكة خشب الكرسي بدأ يسمع تاني. صوت حد بيقوم، وصوت خطوات تقيلة ومبلولة بتمشي على الطين وبتقرب من ضهر شريف.

شريف حس بالبرد بيرجع تاني يزحف على قفاه. لَف رسه ببطء للداخل.. ولمح من فتحة الباب جثة فايزة وهي واقفة طولها، الملح لسه مالي بوقها وعينيها البيضا باصة عليه، وبإيد متيبسة بدأت ترفع صباعها وتشاور على البلكونة اللي وراه.

شريف بص وراه للصالة.. لقى الجيران وعوض البواب اختفوا! الشقة رجعت ضلمة كحل وفاضية، وباب الشقة اللي كان مكسور من ثواني.. رجع سليم ومقفول ومصبوب عليه الملح من تاني!

كل اللي حصل من شوية كان وهم.. الجيران مكسروش الباب، والوقت لسه متحركش من مكانة. الفجر لسه مطلعش، وصوت الخبط الحقيقي على الباب برة يلا دوب بادئ حالا:

— يا أستاذ شريف! افتح يا أستاذ شريف! المية مغرقة السلم!

شريف صرخ من قهرته وقلة حيلته، الكابوس بيكرر نفسه وهو محبوس جوة الحلقة دي. لَف وشه لباب البلكونة، لقى الترباس الإزاز بيلف تاني للمرة التانية.. ونور واقفة برة، بس المرة دي كانت ماسكة في إيدها حبل صياد مشنوق، وبتشاور له يدخل معاها جوه البرد…

 

صوت ضربات العتلة الحديد على باب الشقة برة رجع أقوى من الأول، ممزوج بصراخ عوض البواب وزعيق الجيران اللي سقف شقتهم بينزل مية وطين. الحلقة مكنتش وهم كامل، الحلقة كانت بتضيق، والزمن بيتحرك ببطء قاتل عشان يسلمه لمصيره.

شريف كان واقف في نص الصالة، رجليه مغروسة في الطين البارد اللي وصل لحد ركبه، والبيت كله بيتحول لقاع مظلم. وراه.. جثة فايزة واقفة عند باب المطبخ، وبقها المليان ملح بيطلع منه صوت تزييق مرعب كأنها بتضحك عليه. وقدامه.. باب البلكونة الإزاز اتفتح على الآخر، والبرد اللي دخل الشقة مكنش برد نوفمبر، ده كان برد الموت اللي بيمشي في العروق فيوقف الدم.

نور كانت واقفة على السور، العباية البيضا بتاعتها مبلولة وبتنقط مية سودة، والحبل اللي في إيدها كان مصنوع من ليف نخل قديم ودايب من مية النيل. مدت إيدها التانية لشريف، وفي عينيها الفاضية مكنش فيه غضب، كان فيه نبرة هدوء مرعبة:

— الحساب مبيقفلش بالدم يا شريف.. الحساب بيقفل لما تدوق نفس البرد اللي دوقتني فيه. أنت لفيت الترباس بإيدك، ودلوقتي لازم تلف الحبل ده برقبتك، أو تسيب الجيران يدخلوا ويشوفوا أختك.

تليفون شريف اللي واقع في الطين رن فجأة. الشاشة نورت واسم المتصل كان “النيابة العامة — تحقيق”.

الصوت طلع من سماعة التليفون لوحده، صوت وكيل النيابة وهو بيقول بنبرة رسمية جافة: *”بناءً على المحضر رقم 4207 إداري الدقي، وبشهادة الجيران وبواب العمارة، تم العثور على جثة المدعوة فايزة عبد الحميد مقتولة داخل الشقة، وأثر بصمات المتهم شريف عبد الله مطابقة لخنـ..*

شريف صرخ صرخة مكتومة ورفس التليفون برجله جوه الطين عشان يسكت الصوت. بص لباب الشقة اللي الخشب بتاعه بدأ يتفلق والضوء برة بيقرب، وبص لنور اللي واقفة في البلكونة والحبل في إيدها بيتمرجح مع الهوا الساقع.

مبقاش فيه وقت يفكر. لو الباب اتكسر، هيدخلوا يلاقوه وسط الطين وجثة أخته وراه، وهيتحكم عليه بالإعدام وهو بريء من دم أخته، ومجرم في حق مراته. ولو خطى خطوة واحدة للبلكونة، هيرمي نفسه في المجهول.

— أنا جاي يا نور.. أنا آسف يا نور! — شريف نطقها ودموعه نازلة تفتح خطوط بيضا وسط الطين اللي مغطي وشه.

قدم رجله اليمين، وخرج من الصالة ودخل البلكونة. أول ما رجله لمست بلاط البلكونة، حس بكهربا من التلج بتضرب في جسمه كله. نور قربت منه، ريحة اليود والملح بقت في مناخيره، رفعت الحبل وبدأت تلفه بالراحة حوالين رقبته، وملمس الليف الخشن كان بيجرح جلده.

— غمض عينيك يا شريف — همست في ودنه بنفس النبرة الداغشة اللي سمعها أول مرة—. وافتكر.. إن اللي بيسمع لكلام الناس، بيعيش غريب وبيموت غريق.

في اللحظة اللي شريف غمض فيها عينيه، سمع صوت هبدة عنيفة.. الباب الرئيسي للشقة اتكسر بالكامل، وصوت خطوات الجيران والبوليس وهي بتقدم جوه الصالة وبتصرخ: *”امسكوه! واقف في البلكونة أهو!”*.

شريف حس بجسمه بيترمي لورا.. برة السور.. في الهوا الطاير بتاع الدور الرابع، والحبل بيشد على رقبته بعنف. فتح عينيه في جزء من الثانية وهو نازل في الفراغ..

بس ملقاش الشارع، وملقاش الشجرة ولا الكتل البيضا.

لقى نفسه بينزل في مية سودة كحل، مية ملهاش آخر، وجسمه بيتسحب لقاع النيل بسرعة رهيبة، ونور وفايزة عايمين حواليه، بيثبتوا رجله في الطمي تحت.. في انتظار اللحظة اللي النفس فيها هيقطع تماماً.. ونهاية الحكاية اللي لسه فاضل فيها دقة قلب واحدة.

النفس قطع.. والصوت اللي كان مالي ودانه بضجيج الدنيا والبوليس وصراخ الجيران اتمحى تمامًا، مابقاش فيه غير صوت سكون المية المرعب، الصمت اللي بيعيش في أعمق نقطة في قاع النيل.

جسم شريف كان بيتسحب لتحت، الطمي الأسود بدأ يبلع رجليه ويثبته في الأرضية الطينية كأنه شجرة ميتة اتزرعت في القاع. الحبل الليف اللي كان لافف حوالين رقبته مكنش بيخنقه عشان يموته، ده كان بيمد جسمه بمية ساقعة ملوحة بتدخل جوه عروقه وتجمد دمه، كأنه بيتحول لحتة تلج عايشة وسط الضلمة.

فتح عينيه وسط المية السودة..

لمح نور واقفة قدامه، شعرها الطويل عايم حوالين وشها زي خيوط الشبك، وعينيها الفاضية دلوقتي بقت مليانة بنور أبيض خافت، نور مريح بس يخوف. وجنبها كانت واقفة فايزة، ملامحها مابقتش غضبانة ولا حامية، وشها كان هادي، وبقها مابقاش فيه ملح.. كان بيطلع منه فقاقيع هوا صغيرة بتضيع في المية.

نور قربت من شريف، حطت كفها المبلول على صدره، فوق قلبه بالظبط اللي كان بيدي آخر دقة ليه. الغريب إنه محسش بالبرد المرة دي؛ حس بدفا غريب بيسري في جسمه.

— خلاص يا شريف — صوت نور سمع جوه عقله، مكنش صوت طالع من بوقها، كان صدى بيتردد في أعماقه—. الحساب قفل. البرد اللي عشت فيه على السرير والشك اللي حرق بيتنا انتهى هنا. أنت مش هتموت.. أنت هتفضل هنا، حارس للسر، مع كل اللي صدقوا الوشاية وظلموا قلوبهم.

شريف حس بسلام غريب بيقفل على عينه. الندم اللي كان بياكل في قلبه اتمحى، وبدأت المية السودة تدوب ملامحه بالتدريج، لحد ما بقى جزء من الطمي، وجزء من القاع.

تاني يوم الصبح.. في شارع هادي في منطقة الدقي.

الشمس كانت طالعة ونورها دافي بيعكس على شبابيك البيوت. قدام العمارة، كان فيه عربيتين بوليس واقفين، والجيران متجمعين على الرصيف بيتكلموا بصوت واطي وعينيهم كلها ذهول وعلامات استفهام.

وكيل النيابة كان واقف في البلكونة بتاعة الدور الرابع، بيبص على الأرض. الشقة كانت ناشفة تمامًا، مفيش فيها نقطة مية واحدة، ولا أثر لطين أسود، ولا ريحة يود وزفارة. الباب الإزاز بتاع البلكونة كان مقفول بالترباس من جوه.. ومفيش عليه أي بصمات غريبة.

— يعني إيه يا فندم؟ — الضابط سأل وكيل النيابة وهو بيقفل الدفتر في إيده.

وكيل النيابة تنهد وبص للشارع تحت:

— يعني البلاغ اللي عملوه الجيران عن صوت الصريخ والمية لغز. الشقة فاضية تمامًا. فايزة عبد الحميد اللي قالوا إنهم سمعوا صوتها، كلمت بنتها من طنطا الصبح وأكدت إنها منزلتش من بلدها أصلاً. وشريف ونور.. مالهومش أي أثر، كأنهم مكنش ليهم وجود في الدنيا.

الضابط هز راسه وهو مش فاهم حاجة، ولَف ضهره عشان يخرج من البلكونة.

بس تحت في الشارع، جنب الشجرة القديمة، كان فيه صياد عجوز ماشي وشايل على كتفه شبكة دايبة. الصياد وقف وبص لفوق، ناحية البلكونة المقفولة، وابتسم ابتسامة باهتة.. نزل عينه للأرض، ولمح أثر كف مبلول وصغير على جذع الشجرة، أثر مية مالح مابتنشفش، و ريحة يود خفيفة هبت مع نسمة الهوا، وفكرت الشارع كله إن فيه أبواب لما بتتقفل بالترباس.. مابتتفتحش تاني أبدًا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *