أمي لفت مع أختي على فساتين2
دخلتُ القاعة الملكية على نغمات الموسيقى، ويدي في يد “أحمد” الذي كان ينظر إليّ وعيناه تلمعان بفخر وحب حقيقي. لم يكن هناك أي أثر للتوتر على وجهي؛ فالأجواء كانت ساحرة، والمدعوون يصفقون بحرارة، ومقاعد الصف الأول التي كانت مخصصة لأمي وأختي جلست عليها عائلة أحمد وصديقاتي المقربات، يملأن المكان بهجة وزغاريد صادرة من القلب.
طوال الساعتين التاليتين، عشت الفرحة التي حُرمت منها طوال حياتي. رقصت، وضحكت، وشعرت لأول مرة بأنني لست “الابنة الهامشية” أو “المشروع الفاشل” كما كانت تردد أمي دائماً. “ميجان” كانت تتحرك في كل مكان كالشعلة، تطمئن على كل تفصيلة، وتغمز لي بين الحين والآخر بابتسامة انتصار.
لكن خارج أسوار القاعة، في مواقف السيارات، كانت هناك حرب من نوع آخر مشتعلة.
أمي “عفاف” لم تكن لتنسحب بهذه السهولة بعد الإهانة التي تعرضت لها أمام معارفها. كانت تجلس داخل سيارتها، وجهها محتقن باللون الأحمر من شدة الغيظ، بينما نورا بجانبها تبكي بنحيب مرير، وفستان الـ 6500 دولار منكمش حولها كدليل إدانة على خطتهما الفاشلة. مسحت أمي دموع الغضب بوعيد وقالت بنبرة حادة: “بنت (….) بتطردني أنا من فرحها؟ وبتقفل في وشنا الباب عشان الشحاتة صاحبتها؟ والله ما هعديها، وهخلي ليلتها سودة قبل ما تدخل بيتها”.
أخرجت أمي هاتفها، وبدأت في كتابة منشور طويل على فيسبوك، تستدر فيه عطف الناس، وتدعي أنني ابنة عاقة، طردت أمها التي سهرت وربت، وأختها الوحيدة يوم فرحها من أجل “المنظرة الكدابة”، وأرفقت المنشور بصورة لنورا وهي تبكي بالفستان في السيارة. كانت تظن أن سلا..ح السوشيال ميديا الذي خططت لسرقة الأضواء به، سيكون سلا..حها لتدمير سمعتي.
ولكن، كما قلت سابقاً، أنا إخصائية نفسية، وأعرف كيف تفكر “عفاف” تماماً. كنت أعلم أنها عندما تفشل في الاستعراض، ستلجأ فوراً لتمثيل دور الضحية وتشويه السمعة.
قبل أن يمر على منشور أمي عشر دقائق، وتحت الطاولة وفي وسط الفرح، كانت ميجان وفريقها مستعدين. وبإشارة منها، انطلقت “الخطة البديلة – الجزء الثاني”.
قام الصديق المشترك، المسؤول عن الصفحات المحلية، بنشر مقطع فيديو عالي الجودة تم تصويره بكاميرات القاعة الخفية والمحترفة. الفيديو لم يكن فيه أي قص أو تعديل؛ بدأ بلقطة شاشة (Screenshot) واضحة لمنشور أمي القديم وفستان نورا والـ “كابشن” الذي يهدد بسرقة الأضواء، ثم يليه مقطع فيديو وصوت واضح لأمي ونورا وهما تدخلان القاعة بفستان الزفاف بكل كبرياء، وصولاً إلى لحظة فحص الكود، وقول رئيس الأمن بوضوح: *”ممنوع دخول أي ضيف يرتدي فستان زفاف أبيض احترماً للعروسة”*. الفيديو كان مدعوماً بتسجيل صوتي قديم لأمي (كنت قد احتفظت به من شجار سابق) وهي تقول لي تهكماً: *”جوازتك مش هتكمل، وفستانك ده خسارة فيه الفلوس”*.
انفجرت منصات التواصل الاجتماعي في دقائق. انقلب السحر على الساحر بشكل مرعب. التعليقات التي كانت أمي تنتظرها لتواسيها، تحولت إلى سوط يجلد نرجسيتها. الناس بدأوا يهاجمونها هي ونورا بعنف: “أم مريضة بتغير من بنتها”، “أخت معندهاش دم رايحة بفستان فرح تغطي على أختها”، “برافو للعروسة وصاحبتها اللي أدوا للناس دي درس في الأصول”.
في هذه الأثناء، اهتز هاتف أمي بمكالمات متتالية من قرايبنا الذين رأوا الفضيحة الإلكترونية، يعاتبونها بذهول على تصرفها غير اللائق مع ابنتها يوم زفافها. نظرت أمي إلى شاشة الهاتف برعب، والتعليقات تتزايد بالآلاف، كلها تكشف حقيقتها وحقيقة ابنتها المدللة أمام المجتمع الذي كانت تعيش لأجل رأيه. نورا صرخت بانهيار: “ماما! امسحي البوست فوراً! الناس بتبهدلنا، خطيبي شاف الفيديو وكلمني وقالي إن تصرفنا ملوش علاقة بالأدب!”.
أدركت أمي في تلك اللحظة أنها خسرت كل شيء؛ خسرت هيبتها، وخسرت لقطتها، والأهم أن قناع “الأم المثالية” سقط إلى الأبد. نقرت على الشاشة بأصابع ترتعش وحذفت المنشور، ثم أمرت السائق بالتحرك بسرعة وهي تشعر بالاختناق، وكأن جدران المدينة كلها تضيق عليها.
داخل القاعة، انتهى الفرح. ركبت السيارة بجانب أحمد، والتفت خلفي لأودع ميجان التي كانت تقف بتعب ممزوج بانتصار حقيقي. تلاقت أعيننا، فاكتفيت بهز رأسي لها شُكراً، وابتسمتْ هي وأشارت لي بيدها كأنها تقول: “المهمة تمت بنجاح”.
تحركت السيارة بنا نحو بيتنا الجديد. وضعت رأسي على كتف أحمد، وأنا أعلم أن المعركة انتهت، وأنني نجوت بجدارة، لكنني كنت أعلم أيضاً… أن العيش مع جراح الماضي وبداية حياة جديدة بعد كل هذا الدمار، يحتاج إلى قصة أخرى تبدأ غداً.
استيقظتُ في صباح اليوم التالي في بيتي الجديد، والشمس تملأ الغرفة بدفء لم أعهده من قبل. التفتُّ لأجد “أحمد” ينظر إليّ بابتسامة هادئة وهو يحمل كوبين من القهوة، وقال بنبرة مليئة بالحنان: “مبروك يا مدام هناء.. أخيراً إنتِ في بيتك، وكل اللي فات ده بقا ورا ظهرنا”. شعرت بغصة خفيفة في حلقي، لكنني ابتسمت وأخذت منه الكوب؛ كنت أعلم أن ما حدث بالأمس لم يكن مجرد فرح، بل كان زلزالاً كسر القيود التي كتمت أنفاسي لسنوات.
فتحتُ هاتفي بتردد، ووجدت مئات الرسائل من التهنئة، ودعم غير مشروط من أشخاص لا أعرفهم على منصات التواصل الاجتماعي بعد انتشار مقطع الفيديو. لكن وسط كل هذا، كانت هناك رسالة واحدة مختلفة؛ رسالة نصية قصيرة من رقم نورا أختي، كُتب فيها: **”هناء.. ماما تعبت ونقلناها المستشفى بسبسك، وضغطها عالي جداً. لو جرى لها حاجة إنتِ السبب، وعمرنا ما هننسى اللي عملتيه فينا”**.
قرأت الرسالة ببرود أدهشني أنا شخصياً. كإخصائية نفسية، كنت أعلم جيداً أن هذا الأسلوب يُسمى “الابتزاز العاطفي”؛ عندما يفشل الشخص النرجسي في تدميرك، يلجأ فوراً لتمثيل دور الضحية المريضة لكي يجعلك تشعر بالذنب وتعود لتعتذر له وتخضع لسيطرته.
أريتُ الرسالة لأحمد، فتغيرت ملامحه وقال بضيق: “هما لسه فيهم حيل يهاجموا؟ تحبي نروح المستشفى وننهي الموضوع ده؟”.
هززت رأسي بالرفض وقلت بهدوء: “لأ يا أحمد. أمي مش تعبانة بالشكل اللي هما بيصوروه، أمي كبريائها هو اللي اتجرح.. والنرجسي لما كبرياؤه بيتجرح قدام الناس، بيجيله شلل مؤقت في قدرته على المواجهة، فبيهرب للمرض. مش هنروح، ومش هرد”.
بالفعل، مرت ثلاثة أيام وأنا في قمة طمأنينتي، متجاهلة تماماً كل محاولات التواصل من أقاربنا الذين حاولوا لعب دور “مصلحي الاجتماع”. وفي اليوم الرابع، وبينما كنت أرتب غرفتي، رن جرس الباب. فتح أحمد ليجد أمامه شخصاً لم نكن نتوقعه أبداً.. كان “خالد”، خطيب نورا أختي.
كان خالد شاباً محترماً من عائلة عريقة، وكان دائماً يبتعد عن مهاترات أمي ونورا. دخل وعلامات الخجل والأسف واضحة على وجهه. جلس وقال وعيناه في الأرض: “أنا أسف يا هناء إني جيت في أول أيام جوازكم بدون إذن، بس أنا كان لازم آجي وأسمع منك.. وأعتذر لك بالنيابة عن اللي حصل”.
نظرنا إليه أنا وأحمد باهتمام، فتابع خالد بمرارة: “أنا شفت الفيديو زيي زي الناس كلها، ولما واجهت نورا ومامتها في المستشفى، لقيتهم بيتكلموا عنك بغل غريب.. مكنش فيه أي زعل على والدتك، كان كل همهم إزاي ينتقموا منك ويخربوا عليكي فرحتك بجوزك. أنا مكنتش أعرف إنهم بالسوء ده، وكنت فاكر نورا طيبة ومغلوبة على أمرها”.
سألته بهدوء: “وإنت ناوي على إيه يا خالد؟”.
أخذ خبراً عميقاً وقال بقرار قاطع: “أنا فركشت الخطوبة رسمي النهاردة الصبح، ورجعت الشبكة. أنا مش هقدر أأتمن واحدة على بيتي وأولادي وهي بالغل ده تجاه أختها لحمها ودمها، والبيئة دي أنا مش هقدر أعيش فيها”.
وقع الكلمات عليّ كان غريباً؛ لم أشعر بالشماتة، بل شعرت بالحزن على أختي التي دمرت مستقبلها بيدها وبسبب طاعتها العمياء لأمي وسيرها وراء عقدها النفسية.
بعد أن غادر خالد، اتصلت بي “ميجان”. كان صوتها يحمل نبرة قلق على غير العادة: “هناء.. إنتِ شفتي اللي نزل من شوية؟”.
قلت لها: “لأ، في إيه؟ خالد لسه ماشي من عندي وقال إنه فركش الخطوبة”.
ميجان ردت بسرعة: “عشان كدة بقا! أمك نزلت بوست جديد، بس المرة دي مش بتعيط ولا بتتمسكن.. المرة دي منزلة صور لوثائق وعقود، وكاتبة: **(بما إن بنتي الكبيرة هناء باعتني وطردتني من فرحها، وتسببت في خراب بيت أختها.. فكل أملاكي والبيت والفلوس اللي ورثتها عن أبوها، تم نقلها رسمي وبيع وشراء لنورا.. هناء ملهاش مليم عندي، ولا هي بنتي ولا أعرفها)**”.
وقفت في وسط الصالة والهاتف على أذني، وأنا أشعر أن المعركة لم تنتهِ عند حدود قاعة الأفراح؛ أمي قررت أن تضربني في طعنة أخيرة، طعنة مادية وقانونية تحرمني بها من حق شرعي ورثته عن والدي، وتعلن تبرؤها مني علناً أمام العالم كله.