حكايات امانى السيد 2

عبد الصمد أخد الفلوس، وعدهم ببطء، وحطهم في جيبه:
ـ “تمام يا محمود.. كدة الكمبيالة الأولى اتسددت. فاضل 60 ألف الشهر الجاي.. ولو متدفعوش في ميعادهم، مش هقعد على القهوة.. هقعدك أنت في البيت.”
مشي عبد الصمد ورجالته، وسابوا محمود واقف في وسط الشارع الشبه فاضي، وعرقه مغرق قميصه الجديد، وجيبه مفيش فيه ولا مليم أحمر. الصبيان بصلوه بقلة حيلة ومشيوا هم كمان، وفضل هو لوحده، واقف قدام الورشة اللي بقت زي المقبرة.
تاني يوم الصبح، هناء كانت قاعدة في بيتها.
أيوة، رجعت بيتها.. البيت اللي محمود افتكر إنها هتهربه منه.
كانت قاعدة بتنضف الشقة، غسلت الملايات القديمة، فتحت الشبابيك عشان الشمس تدخل، وعملت للولاد فطور نضيف. زياد وليلى كانوا بيلعبوا حواليها، والبيت كان فيه هدوء غريب.. هدوء ما قبل العاصفة.
الساعة جات الظهر، الباب اتفتح بهبدة قوية.
دخل محمود، شكله كان يرثى له. عينيه حمرا من السهر، هدومه مكسرة، ووشه شاحب زي الج/ثة.
أول ما شافها قاعدة بتطرز مفرش بالهدوء ده، جن جنونه. قرب منها وعيونه بتطلع شرار:
ـ “أنتِ يا زفتة أنتِ! أنتِ عملتي إيه؟ بقى تروحي للحاج عبد الصمد وتقوميه عليا؟ تخليه ياخد مني تحويشة عمري والفلوس اللي حيلتي؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟”
رفع إيده وكان هيضربها بالقلم على وشها.
هناء ما تحركتش من مكانها ولا رمشت. رفعت عينها فيه، وبصت لإيده المرفوعة في الهواء بنظرة سارحة، وقالت بصوت هادي وبطيء:
ـ “اضرب يا محمود.. نزل إيدك على وشي، عشان أطلع من هنا على النيابة مباشرة، بتقرير طبي ومحضر تعدي، واخد شقتي دي بالتمكين فوراً لأن معايا الولاد، وأرميك أنت وعروستك في الشارع.”
إيد محمود اتجمدت في الهواء. النظرة اللي في عين هناء مكنتش نظرة الست اللي خايفة تنضرب.. كانت نظرة ست مستنية الغلطة عشان تطبق على رقبته.
نزّل إيده بالراحة وهو بيتنفس بصعوبة:
ـ “أنتِ اتجننتي يا هناء؟ أنتِ كدة بتخربي بيتنا! بتخربي البيت اللي السنين اللي فاتت دي كلها كنا ببنينه!”
ابتسمت هناء ابتسامة ساخرة وقالت:
ـ “بيتنا؟ أنت نسيت ولا إيه يا محمود؟ أنت اللي هديت البيت ده لما أخدت قمتي وقوتي وفلوس شقايا ورحت تبني بيه بيت تاني لـ ‘مرات صاحبك’. أنت اللي قلتلي بلغة البرود بتاعتك: ‘مخدتش حاجة غصب عنك.. وعايز أعيشلي يومين’. أنا بس بساعدك تعيش اليومين دول.. بس على أصولهم.”