حكايات امانى السيد 2

في القاهرة، وفي تمام الساعة واحدة بعد نص الليل، عربية محمود فرملت بصوت عالي قدام الورشة.
المنظر كان كابوس بالنسبة له.
الحاج عبد الصمد، الراجل الخمسيني الثقيل اللي المنطقة كلها بتعمله ألف حساب، قاعد على كرسي خيزران قدام باب الورشة، وجنبه أربعة من رجالته القوايا، وعربيتين نقل كبار واقفين سادين الشارع. الصبيان بتوع الورشة واقفين في جنب مرعوبين ومحدش قادر ينطق.
محمود نزل من العربية وهو بيبلع ريقه، وبيرسم ابتسامة صفرا على وشها:
ـ “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إيه يا حاج عبد الصمد؟ المنظر ده في ذمتك؟ إحنا بيننا عشرة وطبلية واحدة، تبعت تجيبني من السفر كدة؟”
الحاج عبد الصمد ما قامش من على الكرسي، ونفخ دخان الشيشة في وش محمود ببرود قاتل:
ـ “العشرة دي يا أسطى محمود كانت مع الست الأصيلة اللي كانت شايلة اسمك وحافظة مالك.. الست اللي كانت بتيجي بنفسها تاخد الحساب وتراجع السجلات بالقرش، وكانت بتترجاني أصبر عليك لما الشغل يريح.. إنما أنت؟ أنت طلعت عيل، مابتصونش النعمة.”
محمود حس بدمه بيغلي، وقال بصوت مخنوق:
ـ “هناء! هي اللي جتك؟”
الحاج عبد الصمد وقف، وبقى أطول من محمود بمراحل، وضغط على عصايته الخشب وقال بصوت هز الشارع:
ـ “الست هناء ما جتش تشتكي، الست هناء جت تديني حقي اللي أنت كنت هتبدده! جت تفهمني إن الشغل اللي بالآجل ده رايح على فساتين وفسح، مش على بضاعة وورشة! الكمبيالة بـ 60 ألف جنيه تستحق النهاردة، والـ 60 ألف الثانية الشهر الجاي.. هات الفلوس كاش يا محمود، يا إما العربيات دي هتحمل الخشب اللي جوه كله، وتطلع على المخازن عندي.”
ـ “يا حاج عبد الصمد صلي على النبي! أنت عارف إن السيولة مش معايا دلوقتي، امهلني أسبوع بس وأنا…”
ـ “ولا دقيقة!” قطع كلامه عبد الصمد بحزم. “الخشب يترفع، أو الباب يتقفل بالشمع ونروح نعمل محضر تبديد بكرة الصبح في القسم.. اختار لك واحدة.”
محمود كان هيتجنن. الخشب لو ارفع، الطلبية الجديدة بتاعة الشقق المفروشة هتلغى، والشرط الجزائي فيها 40 ألف جنيه.. يعني إفلاس تام!
ماكانش قدامه غير إنه يفتح الخزنة وياخد الكام ألف اللي باقيين، ويتصل بجمعيته القديمة يترجاهم يرقوه، واستلف من طوب الأرض ليلتها بفوائد عشان يجمع الـ 60 ألف ويقدمهم للتاجر وهو إيده بتترعش.