حكايات رومانى مكرم 3
نزلت ليان إلى الشقة في اليوم التالي برفقة شقيقها الأكبر لجمع ما تبقى من أغراضها البسيطة التي وضعتها هناك خلال شهور الخطوبة. كانت الأجواء مشحونة، وحماتها تراقبها بنظرات كراهية من باب شقتها المقابل، لكن ليان لم تلتفت لها.
بينما كانت ليان تفرغ أحد الأدراج في المطبخ، سقطت “رزمة أوراق” كانت مخبأة خلف قطعة الخشب العلوية. انحنت ليان لتلتقطها، وظنت أنها مجرد أوراق قديمة للسباكة أو النقاشة، لكن عينها وقعت على كلمة **”عقد بيع”**.
فتحت الورقة بفضول، لتكتشف الصدمة التي جعلت ركبتيها ترتطمان بالأرض:
الشقة التي كانت توهمها حماتها بأن معتصم “يطلع روحه” لتشطيبها، والتي كانت تضغط عليها لدفع الخمسين ألف جنيه من أجلها.. **ليست ملكاً لمعتصم من الأساس!**
العقد كان باسم “ابنة خالة معتصم” المقيمة في الخارج، ومذكور فيه أن معتصم مجرد “مستأجر” بعقد مؤقت لمدة ثلاث سنوات فقط، وأن التشطيبات التي يقوم بها هي بخصم من قيمة الإيجار المتفق عليه.
ضحكت ليان بهستيرية وهي تقرأ السطور. كانت حماتها تخطط لأخذ الـ ٥٠ ألف جنيه لتشطيب شقة “ليست لهم”، وبعد سنوات قليلة، كان من الممكن أن تجد ليان نفسها في الشارع بشنطة ملابسها فقط، لأن الشقة ببساطة لها صاحب آخر سيطالب بها فور انتهاء العقد!
في هذه اللحظة، دخل معتصم الشقة، ليرى الأوراق في يد ليان. اصفرّ وجهه وارتجفت أطرافه:
— “ليان.. أنا كنت هقولك.. أنا كنت هشتريها منها بعدين..”
قاطعت صوته صرخة ليان التي خرجت من قهر سنين التعب:
— “تشتري إيه؟ إنت كنت عايز تاخد شقا عمري، وتحرمني من جهازي، عشان تشطب شقة مستأجرة؟ كنت عايز تغرقني في ديون ووصلات أمانة وتورطني في جوازة “وهمية”؟ إنت وعيلتك كنتوا بتبنوا سعادتكم على جثتي!”
حماتها دخلت على صوت الصراخ، وبكل برود قالت:
— “وايه يعني؟ ما هي الشقة واسعة وجميلة، وكان ممكن تعيشي فيها ملكة بدل ما تترمي في أوضة وصالة.. إحنا كنا بنفكر في مصلحتك!”
ليان نظرت إليها باحتقار لم تشعر به تجاه بشر من قبل:
— “مصلحتي إنك تسرقيني؟ مصلحتي إن ابنتك تأخد الشقة متشطبة بفلوسي وجهازي وتطردني بعد سنتين؟”
التفتت ليان لأخيها وقالت بقوة:
— “خد الأوراق دي يا أحمد.. دي هتكون الدليل اللي هسكّت بيه أي لسان في المنطقة يتجرأ ويجيب سيرتي بكلمة. أنا مش بس هفسخ الخطوبة، أنا هعرف الكل حقيقتكم.”
خرجت ليان من الشقة وهي تشعر أن الهواء أصبح نقياً فجأة. لم تعد ترى الـ ٥٠ ألف جنيه كأوراق مالية، بل رأتهم “ستاراً” أزاحه الله عن عينيها ليريحها من مستقبل كان سيكون جحيماً محققاً.
عادت إلى بيتها، وضعت الأوراق أمام والدها الذي انهار من الخجل مما فعله معتصم وعائلته، وأدرك أخيراً أن ابنته كانت “الأصيلة” فعلاً، لكنهم لم يستحقوا تلك الأصالة.
أمسكت ليان هاتفها، وبدأت في كتابة منشور طويل، لكنها توقفت.. نظرت إلى الظرف الأبيض، ثم إلى مرآتها، وقررت أن الضربة القادمة لن تكون “كلاماً” على الفيسبوك، بل ستكون حركة “قاضية” تجعل معتصم ووالدته يندمون على اليوم الذي فكروا فيه استغلال “ليان”.
قررت ليان ألا تنجرف وراء المهاترات أو تبادل الشتائم، فالحكمة تقول: **”الصمت في وجه الإساءة ليس ضعفاً، بل هو رقيّ يقتل الخصم بجهله”**.
بدلاً من نشر “الفضائح”، قامت ليان بتصوير عقد الشقة الوهمي وفواتير الأجهزة، وأرسلت نسخة منها إلى “كبار العائلة” من الطرفين، وإلى ابنة خالة معتصم في الخارج لتعرف أن هناك من يتلاعب بملكها. وبلمحة ذكاء، طلبت من والدها استرداد كل مليم دفعته في “خشب” أو “تجهيزات” كانت قد وضعتها في تلك الشقة، وبالفعل، استردت حقها كاملاً تحت تهديد القانون.
في اليوم الذي كان من المفترض أن يكون “يوم زفافها”، لم تكن ليان تبكي، بل كانت تجلس في غرفتها التي أعادت دهانها وتجديدها بنفسها. أخرجت الخمسين ألف جنيه، وذهبت بها إلى البنك، وبدأت مشروعها الصغير الخاص بتصميم الإكسسوارات بشكل احترافي، واشترت الموبايل الذي كانت تحلم به، ليس للرفاهية، بل ليكون أداة لعملها الجديد.
### **النهاية والحكمة**
بعد مرور عام، كانت ليان قد أصبحت صاحبة علامة تجارية معروفة، وازداد جمالها وقوتها لأنها لم تنكسر. أما معتصم، فقد سكنت ابنة خالته الشقة وطردته هو ووالدته منها بعد أن علمت بتلاعبه، وظل هو يتنقل من عمل لآخر، تلاحقه سمعته التي بناها بيديه.
ذات يوم، تلقت ليان رسالة من معتصم يطلب فيها “السماح” ويشكو لها ضيق حاله، نظرت ليان للرسالة بابتسامة هادئة، ولم ترد. ضغطت على زر “الحظر”، ثم نظرت إلى ظرف أبيض جديد في يدها، لكنه هذه المرة كان يحتوي على تذكرة طيران لرحلة كانت قد حرمت نفسها منها لسنوات.
**الحكمة من قصة ليان:**
* **الست الأصيلة:** ليست هي التي تضحي بشقاها ومستقبلها لمن لا يصونها، بل هي التي تعرف متى تعطي ومتى تمنع، وتقف بجانب “الرجل” الذي يستحق، لا “المستغل” الذي يبتز مشاعرها.
* **المال يذهب ويأتي:** لكن الكرامة إذا ذهبت لا تعود. الخمسين ألف جنيه كانت ثمناً زهيداً جداً لكشف حقيقة شخص كان سيقضي على حياتها بالكامل.
* **لا تستعجلي النصيب:** فالوجع الذي تشعرين به من كلام الناس بسبب “تأخير الزواج” أهون بألف مرة من الوجع الذي ستشعرين به وأنتِ “مطلقة” أو “مهانة” داخل بيت لا يملك أصحابه ذمة ولا ضميراً.
**تمت.**
