اللحظه الأخير 2

ترددتُ لثوانٍ. كانت برودة الانتقام تدعوني للرفض، لكن صوت أمه العطوف كان يتردد في أعماقي: *”يا مريم… لا تجعلي كرهكِ له يلوث طهارة قلبكِ.”*

وافقتُ على زيارته في السجن المركزي.

في غرفة الزيارة المعتمة، خلف الشباك الحديدي الفاصل، جلس طارق. كان وجهه شاحباً شحوب الأموات، وشعره أبيض بالكامل كأن عقداً من الزمن مر عليه في أسابيع قليلة. كانت يداه ترتجفان بشكل لا إرادي وهو يمسك بالسلك الشائك الفاصل بيننا.

عندما رآني أدخل بأناقة وهدوء، انهمرت دموعه بغزارة لا تتوقف.

ـ «مريم…» قالها بصوت متقطع مبحوح، «سامحيني… أقسم لكِ أنني أرى وجه أمي في كل زاوية من هذا المكان. أسمع صوت بكائها وصوت أنفاسها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وأنا كنتُ أضحك بعيداً… أستحلفكِ برحمتها، اعفي عني لا تتسببي في سجني باقي عمري!»

نظرتُ في عينيه الغائرتين، ولم أجد فيهما الرجل الشامخ المستبد الذي كان يذلني بالكلمة والموقف. رأيتُ شيئاً صغيراً مهزوماً أكلته أفعاله قبل أن تأكله الأحكام القضائية.

قلتُ له بنبرة خالية من أي غضب أو شفقة:

ـ «أنا لم أسجنك يا طارق… أفعالك هي من سجنك. أكلُك لإرث يتيمة، وظلمك لأمك، وغرورك في اليوم الذي كانت تستغيث بك فيه، هي القوانين التي قضت عليك. المحكمة ستأخذ حق أبي، أما حق أمك… فحسابه عند رب العباد.»

سقط على الأرض خلف الشباك يرجوني ويسألني العفو، لكنني رفعتُ رأسي، وأدرتُ ظهري له، وسرتُ في الممر الطويل المضيء بنور الشمس الخارج من بوابة السجن.

كان القضاء قد حدد الجلسة النهائية للنطق بالحكم في الأسبوع القادم… الجلسة التي ستسدل الستار نهائياً على الماضي، وتُعلن البداية الحقيقية لحياتي التي سُرقت مني عشرين عاماً.

 

## الجزء الخامس والأخير: قيامة الروح

جلس القاضي على منصته المرتفعة، وإلى جواره أعضاء هيئة المحكمة، بينما كانت القاعة تعجّ بالحضور والصحفيين الذين تتبعوا تفاصيل هذه القض/ية التي هزت الرأي العام. وقف طارق داخل قفص الاتهام الحديدي، مطأطئ الرأس، زائل الهيبة، يرتدي ملابس السجن البيضاء. لم يكن هناك محامٍ واحد يستطيع درء الحقائق المؤكدة بالأوراق الرسمية، والأختام التي لا تقبل الشك، وشهادات الخبرة الحسابية التي حاصرت كافة ثروته وتاريخه المالي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *