اللحظه الأخير 2

قبل أن يستوعب طارق حجم الفاجعة والندم الذي بدأ يأكل أحشاءه، اهتز هاتفه برقم محاميه الخاص.
رد طارق بصوت هائم مكسور: «سعيد… أمي ماتت… مريم تركت البيت و…»
قطعه المحامي بصوت يملؤه الذعر والارتباك:
ـ «دعك من هذا الآن يا طارق بك! مصيبة أكبر حلت على رأسك! هناك أمر تحفظي عاجل صدر قبل ساعتين من النيابة العامة بجميد كل حساباتك البنكية، والتحفظ على شركتك وأصول العقارات بالكامل!»
صرخ طارق كالمجنون: «ماذا تقول؟! على أي أساس؟ ومن يقف وراء هذا؟!»
أجابه المحامي بنبرة متلعثمة: «زوجتك… مريم عبد الرؤوف. قدمت للمحكمة اليوم ملفاً كاملاً، يتضمن أصول عقود تأسيس الشركة الأولى باسم والدها، ومستندات إثبات اختلاس وتزوير، وإيصالات أمانة بخط يدك لوالدك المتوفى… والأدهى من ذلك يا طارق بك، أنها قدمت حجة ملكية هذه الفيلا الموثقة باسمها منذ خمسة عشر عاماً! لقد صدر بحقك إخلاء جبري للفيلا خلال 24 ساعة، وأنت الآن ممنوع من السفر ومطلوب للتحقيق في قضايا خيانة أمانة وتزوير!»
سقط الهاتف من يد طارق على الأرضية الرخامية، ليتشقق زجاجه إلى ألف قطعة.
تراجع إلى الخلف حتى اصطدم بالجدار. خارت قواه وسقط جثواً على ركبتيه أمام الطاولة. في تلك اللحظة بالذات، انفتحت في ذهنه كل الأبواب المغلقة: المفتاح الفضي… الصندوق الخشبي… ونظرات أمه الخائفة العاتبة في أيامها الأخيرة. لقد عرف أن أمه هي من سلمت سر حياته لزوجته، وأن السحر الذي غزل به شباكه عشرين عاماً قد انقضّ عليه ليدمره في ليلة واحدة.
في اليوم التالي، كنتُ أقف مع محاميّ الأستاذ “مراد” أمام بوابة المحكمة الابتدائية.
كنتُ أرتدي ثوباً أسود بسيطاً ونظارة طبية رفيعة، لا أثر للضعف في ملامحي. كان الشارع يضج بالمارة، وحين ترجل طارق من سيارة أجرة متهالكة—بعد أن حُجزت سيارته الفارهة—كان يبدو كأنه كَبُر عشرين عاماً في ليلة واحدة. وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وشعره غير متناسق.
ترددت خطواته حين رآني أقف بثبات عند أعلى درجات السلم.
اقترب مني بخطوات متثاقلة، تحيط به نظرات الشفقة والاصدراء من المحامين والمترددين الذين عرفوا تفاصيل القض/ية الشائعة. وقف أمامي على بعد خطوتين، وسقطت دمعة ذل من عينيه… الدمعة الأولى التي أراها منه منذ أن عرفته.