اللحظه الأخير 2

وقفتُ أمام قبر الحاجة أمينة، وبجوارها قبر أبي “عبد الرؤوف”. كانت أنسام الهواء الصافية تحرك أطراف حجابي. وضعتُ غصن ياسمين طازجاً على الشاهد، وجلستُ على المقعد الخشبي القريب.
أخرجتُ من حقيبتي المفتاح الفضي الصغير… المفتاح الذي غيّر مجرى حياتي، وكسر أغلال عشرين عاماً من الصمت والخوف.
رفعتُ رأسي نحو السماء وقرأت الفاتحة لروحيهما، ثم همستُ بصوت خافق بالمشاعر:
ـ «سامحيني يا أمي… لقد كشفتُ الحقيقة كما أردتِ. أخذتُ حق أبي، ولم أظلم أحداً. أما ابنكِ… فقد تركته لعدالة السماء وقانون الأرض عسى أن تتطهر روحه من غرورها.»
أحسستُ في تلك اللحظة ببرد لطيف يلامس وجهي، وكأن الروحين تبتسمان لي من علياء السماء، وكأن القيد الأخير قد انفكّ عن قلبي للأبد.
فتحتُ كفي، ودفنتُ المفتاح الفضي الصغير في التراب بجوار شاهد قبر أمينة… لقد أدى المفتاح دوره، ولم يعد هناك سر يخفيه الخشب العتيق، ولا باب مغلق يحتاج إلى فتح.
رجعتُ إلى سيارتي البسيطة، وأنا أستشعر لأول مرة معنى أن يبدأ المرء حياته من جديد وهو مرفوع الرأس، صافي الذمة، وقوي الذات.
اختفيتُ من عالم طارق المظلم وحكاياته الزائفة، لا كضحية هربت في الظلام، بل كامرأة انتزعت حقها من براثن الظلم، وكتبت خاتمة قصتها بملء إرادتها… بداية جديدة تستحق أن تُعاش بكل أمل وحرية.
