اللحظه الأخير 2

ـ «مريم…» قالها بصوت مبحوح يرتجف. «أرجوكِ يا مريم… أمي ماتت وأنا لم أودعها… لا تفعلي بي هذا. نتحدث جانباً، حلّي هذا الأمر بيننا، أنسينا عشرة عشرين عاماً؟»

نظرتُ إليه ببرود تام، برود أشبه بجليد المحيطات. لم أبتسم ولم أغضب.

قلتُ له بصوت هادئ، سمع كل من كان يقف حولنا ثباته:

ـ «العشرة دفنتُها مع أمك يا طارق… مع كل كذبة أطعمتني إياها، وكل درهم سرقته من إرث أبي، وكل مكالمة رفعتُها لتستغيث بك وأنت تضحك على الشاطئ. أنت لم تظلمني وحدي… أنت ظلمت أمك التي ماتت وقلبها يحترق عليك، وظلمت يتيماً آواك والده وشغلك معه.»

احمرّ وجهه من الخزي وتحشرج صوته: «سأعيد لكِ كل شيء! سأكتب لكِ نصف الشركة… سأفعل ما تريدين، فقط اسحبي البلاغ ولا تدمريني!»

اقتربتُ منه خطوة واحدة، وهمستُ في أذنه بالكلمات التي ظلت أمينة تحتفظ بها طوال حياتها:

ـ «المال كان مال أبي… والبيت كان بيتي… والشركة أُسست بدموعي. أنت لم تكن تملك شيئاً يا طارق… ولن تخرج من هذه المحكمة وأنت تملك شيئاً.»

التفتُّ عنه وصعدتُ درجات المحكمة بخطوات واثقة، أسمع خلفي صوت سدنة المحكمة وهم ينادون على اسمه للمثول أمام قاضي التحقيق. لم ألتفت للوراء ولو لمرة واحدة.

دخلتُ إلى القاعة الرئيسية، وأنا أشعر لأول مرة منذ عشرين عاماً أن روح الحاجة أمينة ترفرف حول المكان بسلام، وأن روح أبي قد استقرت أخيراً في مضجعها، بعد أن أخذ الحق مجراه… وبدأت الصفحة الأولى من حياتي الحقيقية.

## الجزء الرابع: السقوط الكبير

جلس طارق في قاعة التحقيق أمام وكيل النائب العام، وكانت أوراق القض/ية تمتد أمامه كحبل مشنقة يلتف حول عنقه تدريجياً. الأدلة التي قدّمتُها لم تترك لمقاماته وسلطته السابقة أي مجرى للتأويل؛ كانت المستندات تتضمن توقيعه الحقيقي على عقود المبايعة الأولى، وشيكات بدون رصيد حررها لوالده المتوفى للتمويه، وإفادات بنكية تثبت تحويل أموال شركة أبي الحقيقية إلى حساباته الشخصية في الخارج على مدار سنوات.

كان المحامي الذي يرافقه يبذل قصارى جهده لإيجاد ثغرة شكليّة، لكنه أمام صدمة الوثائق وحجة ملكية الفيلا المسجلة بأسلوب غير قابل للطعن، أدرك أن الموقف حُسم قانونياً وقضائياً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *