حكايات اسما السيد 3
سكنت حركتي أمام المراية تماماً. غريزة الخوف القديمة حاولت تصرخ في عروقي، لكن المرة دي كانت مختلفة؛ المرة دي ما كانش فيه مكان للرعب، كان فيه بس برود شديد اتسلل لدمي زي الثلج. بصيت في المراية للمرة الأخيرة، لمست وشي الجديد بكل ثبات، ورجعت خصلات شعري لورا.
الصوت كان واضح.. تكة قفل الباب الخارجي وهو بيتفتح ببطء شديد، محاولة يائسة إنه يدخل من غير ما يعمل أي صوت. دانيال عارف إن الشقة دي هي بيت أهلي القديم، وعارف إني عايشة فيها لوحدي بعد ما البوليس أمن الشقة التانية. كان فاكر إني لسه الصيدية السهلة، البنت المكسورة اللي بتتخض من خيالها وتستخبى تحت السرير.
سحبت نفس عميق، وخرجت من الحمام بهدوء تام من غير ما أعمل أي صوت برجلي.
صالة بيت أهلي كانت واسعة، وأثاثها قديم وخشبها ثقيل. الشباك الكبير كان مفتوح نص فتحة، وضوء الشارع بيدخل منه يعكس ظلال طويلة على الأرض. وقف هو عند العتبة، لابس جاكيت أسود واسع، وحاطط كاب نازل على عينيه عشان يخفي وشه. إيده اليمين كانت جوة جيب الجاكيت.. ماسك حاجة هناك، وعينيه كانت بتتحرك بجنون في أركان الصالة تدور عليا.
وقفت في نهاية الطرقة، الظل كان مغطيني جزئياً، وقلت بصوت واضح وثابت هز سكون الصالة:
— كنت عارفة إنك هتيجي يا دانيال.
اتنفض جسمه كله في مكانه! التفت ناحيتي بسرعة مرعبة، يده خرجت من جيبه وفيه إيده مطواة قرن غزال لمع س\لاحها الفضي تحت ضوء الشارع الداخلي.
— ياسمين.. — قالها بنهثة طالعة من حلقة الناشف — أنتِ.. أنتِ هنا؟
خطوت خطوة واحدة لقدام، دخلت في مساحة الضوء اللي نازلة من الشباك. خليته يشوفني كاملة. خليته يشوف الوش اللي حاول يدمره، البشرة الصافية، الملامح المتناسقة، والعينين اللي مابقاش فيها ذرة خوف واحدة من وجوده.
دانيال اتجمد. إيده اللي ماسكة الس\لاح اترعشت، وعينيه اتوسعت بذهول مش قادر يستوعبه. كان بيبص لوشي بصرع، كأنه شايف طيف أو كابوس. الجمال اللي كان خايف منه، الثقة اللي كان بيحاول يقتلها، كانوا واقفين قدامه بكل وضوح.
— ده.. ده وشك؟ — همس بصوت مبحوح ومشوه — الدكتور.. الدكتور كدب عليا؟ أنتِ بقيتِ كده؟
— الدكتور ما كدبش عليك يا دانيال — ردت ونبرتي خالية تماماً من أي مشاعر — أنت اللي كدبت على نفسك. أنت اللي أوهمت روحك إنك بطل، وأنت في الحقيقة مجرد مرض.. طفيلي بيتغذى على ألم غيره عشان يحس إنه موجود.
— سكتي!! — صرخ وفقد أعصابه فجأة، وخطا خطوة واسعة ناحيتي وهو يرفع الس\لاح — ما تتكلميش معايا بالطريقة دي! أنتِ ولا حاجة من غيري! أنتِ فاكرة لما تشيلي الشاش وتغيري مناخيرك بقيتِ بني آدمة؟! أنتِ لسه ياسمين اللي الكل كان بيضحك عليها! لسه البنت اللي كانت بتستخبى في حضني وتترجاني أقولها إنها جميلة!
— أنا فعلاً كنت البنت دي — قلتها وأنا بقرب منه خطوة، مش ببعد — بس البنت دي ماتت في الليلة اللي رميت فيها التربيزة عليك. البنت دي سيبتها معلقة في الهواء بين البلكونتين. اللي واقفة قدامك دلوقتي هي الست اللي كشفت حقيقتك.. الحقيرة المريضة.
كلماتي كانت بتضربه في أعماق غروره، تحوله من سجان لمجرم مطارد خلاه يفقد كل عقل. زأر بصوت وحشي وانتدفع ناحيتي بضراوة، يرفع المطواة عشان يطعم بها كل حاجة وصلتلها.
لكنني ما جريتش.
ما صرختش.
كنت مجهزة نفسي لكل سيناريو من لحظة ما سمعت قفل الباب. في اللحظة اللي قرب فيها مني وس\لاحه ممدود، تفاديت اندفاعته بحركة سريعة للجنب، وإيدي مسكت المزهرية النحاسية الثقيلة اللي كانت محطوطة على التربيزة الجانبية، وهويت بيها بكل قوتي على إيده اللي ماسكة الس\لاح.
صوت خبطة النحاس على عظام معصمه كانت قوية، المطواة طارت من إيده وخبطت في الحيطة ورنت على الأرض.
صرخ من الألم ومسك معصمه، لكن قبل ما يستوعب الصدمة، سحبت التليفون المحمول اللي كان مجهز على كتم الصوت في جيبي، وضغطت على زرار الاتصال المباشر برقم الضابط المسئول عن القض\ية، اللي كان متفق معايا ومحاصر المنطقة تحت العمارة بعد ما شكوا إن دانيال بيلف حولين البيت.
رميت التليفون على الكنبة وأنا بصرخ بقوة عشان الصوت يوصل للميكروفون:
— المتهم دانيال اقتحم بيتي بيحاول يقتلني بالس\لاح!! الحقوني في شقة أهلي!!
دانيال بص للتليفون بذهول، وبعدين بص لي وعينيه مليانة غل أعمى. مسك دراعه الموجوع وهجم عليا بجسمه كله، خبطني في الحيطة الخشبية، وحط إيده التانية على رقبتي يبدأ يضغط بقوة.
— مش هتلحقي تشوفي نفسك في المراية تاني!! — كان بيصرخ وهو بيبص لي بعيون محقونة بالدم — هتموتي معايا هنا!!
الهواء بدأ يقل في صدري، عيني بدأت تزغلل تحت ضغط صوابعه العنيفة على حلقي. كانت لحظة صراع بين الحياة والموت. لكن الألم في رقبتي كان ولا حاجة قصاد الحرية اللي لمستها. رفعت إيدبا الاتنين، وضغطت بظوافري في عينيه بكل القوة والغل اللي اتخزنوا جوايا من سنين التنمر وسنين السيطرة.
صرخ صرخة مكتومة ورفع إيده عن رقبتي يغطي وشه، واستغليت الفرصة وضربته بركبتي بكل قوة في بطنه. اتكفئ على الأرض وهو بينهث وبيأن من الألم والعمى المؤقت.
وقع على أرضية الصالة، بين الفوضى والس\لاح المرمي.
وقفت فوقه، أتنفس بصعوبة، وأعدل لياقة بلوزتي. بصيت له وهو مرمي عند رجلي، نفس الراجل اللي كان بيمشي بثقة ويتحكم في كل نفس أتنفسه، بقى دلوقتي مجرد ج\ثة هامدة من الخوف والوجع بيزحف على السيراميك.
في نفس اللحظة، صوت خبط عنيف هز الباب الخارجي للشقة، وصوت أقدام ثقيلة بتجري في الممر.
— بوليس!! افتحي يا مدام ياسمين!!
الباب اتفتح بقوة، ودخل رئيس المباحث ومعاه أربعة من رجال الشرطة المسلحين، كشافاتهم أضاءت الصالة المظلمة. أول ما شافوا دانيال زاحف على الأرض والس\لاح مرمي جنب الكنبة، اندفعوا عليه وثبتوه في الأرض بالكلبشات الحديدية.
دانيال كان بيبكي، بيبكي بحسرة وضعف، وشه المليان دموع وعرق كان ملزوق في أرضية السيراميك الباردة، وهو بيحاول يغطي وشه من كشافات البوليس.
الضابط قرب مني وهو بيتفحص رقبتي والوضع:
— أنتِ بخير يا مدام؟ اتصابتي بأي حاجة؟
— أنا بخير يا فندم — ردت بصوت ثابت ورأسي مرفوع — أنا أخيرًا بقيت بخير.
رفعوا دانيال من الأرض، أيديه متكلبشة ورا ظهره، وجاكت الأسود مقطوع. قبل ما يسحبوه برة الشقة، وقف لثانية، والتفت يبص لي للمرة الأخيرة.
عينيه كانت خالية من أي تهديد، كان فيها بس انكسار كامل. شافني واقفة، بثبات الجبال، جميلة، قوية، ومستقلة تماماً عنه وعن العالم كله.
— ليه؟ — همس بصوت مكسور وهو بيبص لوشي — ليه ما سبتينيش أحبك بطريقتي؟
رديت عليه بثبات ينفي أي أمل عنده:
— عشان طريقتك كانت موت يا دانيال.. وأنا اخترت أعيش.
سحبوه رجال الشرطة للخارج، وصوت خطوتهم وصوت سرينات السيارات تحت العمارة بدأ يختفي بالتدريج، لحد ما رجع السكون الكامل يخيم على الصالة.
قفل الضابط الباب وراهم بعد ما أخد أقوالي السريعة وأكد لي إن الق\ضية مقفلة تماماً والمطواة والسرنجة السابقة والتسجيل الصوتي هيضمنوا له حكم مش أقل من خمسة عشر سنة سجن مشدد.
بقيت لوحدي في الصالة.
المكان كان فاضي وساكت، بس السكوت المرادي ما كانش يخوف. كان سكوت السلام.
مشيت ببطء ورجعت الحمام. وقفت قدام المراية الكبيرة تاني.
بصيت لرقبتي اللي فيها علامات أحمر خفيفة من إيده، وبعدين بصيت لوشي. الملامح كانت متناسقة، المناخير الجميلة اللي حلمت بيها طول عمري كانت موجودة، بس اللي كان أجمل منها هو التعبير اللي على وشه. مفيش كسرة، مفيش استخفاء، مفيش خوف من إن حد يبص لي.
مسكت الفرشة، وبدأت أسرح شعري بهدوء. ابتسمت للانعكاس، وقلت لنفسي في السر: “النهاية دي كانت بدايتي”.
لكن.. وأنا بفتح درج التسريحة عشان أحط الفرشة، إيدي خبطت في علبة كرتون قديمة كانت محطوطة في أقصى الدرج ورة.. علبة أهلي كانوا شالين فيها أوراق قديمة.
من بين الأوراق، وقعت صورة قديمة جداً.. صورة ملتقطة لي وأنا في الإعدادية، أيام ما كانوا البنات بيضحكوا عليا في المدرسة.
مسكت الصورة، وبصيت للبنت الصغار اللي فيها. المناخير الكبيرة، العينين المكسورة، والوش المائل الناحية التانية من الكاميرا.
ولأول مرة في حياتي.. ما حسيتش بالقرف منها. ما حسيتش بالكره.
حسيت بالشفقة.. وبالحب. البنت دي هي اللي استحملت كل الوجع ده عشان توصلني للهنا. البنت دي هي اللي عاشت الضلمة عشان أنا أقدر أقف في النور.
حطيت الصورة على المراية، وتأملت الشبه والاختلاف بين الماضي والحاضر.
وفجأة.. رن تليفوني اللي كان على الكنبة برة.
مشيت الصالة ومسكته. كان رقم غريب ومش مسجل، بس الكود بتاعه كان دولي.. جاي من بلد ثانية.
ترددت لثواني، وبعدين فتحت الخط وحطيته على أذني من غير ما أتكلم.
صوت أنثوي هادي ورزين جاني عبر السماعة، يتكلم باللغة العربية بنبرة احترافية جداً:
— أهلاً يا مدام ياسمين.. أنا الدكتورة مريم، استشارية الطب النفسي وإعادة التأهيل من مركز التجميل الدولي في سويسرا.
— أهلاً بكِ.. — قلت وأنا مستغربة — خير؟ فيه حاجة؟
سكتت الدكتورة لثانية، وبعدين قالت نبرة عملت قشعريرة في جسمي كله:
— أنا بكلمك بناءً على الملف اللي سابه عندنا الدكتور اللي عمل لك العملية في مصر قبل ما يسافر.. الملف ده فيه تفاصيل خطيرة جداً عن تحاليل الأنسجة بتاعتك.. تفاصيل الدكتور ما قدرش يقولها لك في مصر بسبب الظروف اللي مريتي بيها مع جوزك.
مسكت التليفون بقوة، ونبضات قلبي رجعت تسارع تاني:
— تفاصيل إيه يا دكتورة؟! العملية نجحت وأنا شيلت الشاش ووشي ممتاز!
الدكتورة مريم أخذت نفس عميق وقالت كلام نزل عليا زي الصاعقة:
— العملية التجميلية نجحت فعلاً كشكل يا ياسمين.. بس تحاليل عينة غضاريف المناخير اللي أتاخدت منك أثناء الجراحة.. أثبتت وجود طفرة جينية نادرة جداً ومتقدمة.. الطفرة دي بتخلي الأنسجة تتجدد وتتغير بشكل مستمر كل كام شهر.. الوش اللي شايفاه في المراية دلوقتي.. مش هو الوش اللي هتصحى تلاقيه بعد ست شهور!