حكايات رومانى مكرم
جوزي متوفى والاربعين كانت امبارح وأنا عايشة في بيت العيلة وقاعده فى شقة جوزى وانا لسه في عز الصدمة والحزن على جوزى لقيت أخوه بيتقدم ليا وعايز يتجوزني بعد العدة ما تخلص على طول
أنا بصراحة مش رافضة بالعكس أنا موافقة وده لسبب مهم جدا بالنسبة ليا وهو إني مش عايزة أسيب أولادي وأدخل عليهم راجل غريب خصوصًا إن سلفي شايف إن ده أفضل حل ويحافظ على بيت أخوه وأولاده وانا من زمان عينى على سلفى
بس المشكلة فى مراته اللي هي سلفتي كانت طول عمرها مش طايقاني وكانت بتتكلم عني كلام بشع وتقول إني ست مش محترمة عشان كده انا هقبل اتجوزه واخليه يطلق مراته وهو كده كده مش معها اولاد منها
الشمس كانت لسة غايبة، والبيت كأنه مقبرة كبيرة مالهاش آخر. الأربعين كانت إمبارح، وكل الناس مشيت ورجعت لحياتها، وأنا قعدت في شقتي فوق… الشقة اللي حيطانها لسة شايلة ريحة “مصطفى” الله يرحمه.
قاعدتا وسط الهدوء القاتل ده، ماسكة صورة مصطفى، وعقلي عمال يجيب ويودي. حزن الدنيا كلها في قلبي على فراقه، الصدمة كانت كبيرة ولسة مش قادرة أستوعب إنه خلاص مش هيدخل عليّ الباب تاني ولا هيملى عليّ البيت. بس وسط العتمة دي كلها، كان فيه خطة تانية خالص بتبدأ تترسم في السكوت.
فجأة، الباب خبط خبطات خفيفة ومترددة. قمت مسحت دموعي بسرعة، وفتحت.
كان “أحمد”… أخو جوزي.
أحمد وقف عند العتبة، عينه في الأرض، وشكله شايل هم الجبال.
* “يدخل يا نورا؟ ولا القعدة لوحدك أريح؟”
* “تعالى يا أحمد.. البيت بيتك، اتفضل.”
دخل وقعد على الكنبة اللي كان مصطفى بيحب يقعد عليها. ساد الهدوء شوية، لحد ما هو فتح الكلام وبص لي بنظرة كلها ثبات:
* “نورا.. أنتِ عارفة إن مصطفى الله يرحمه ما كانش بس أخويا، ده كان روحي. وأنا أكلت عيش وملح معاكِ هنا وعارف أصلك. العيال دول عيال أخويا، يعني حتة مني.. وأنا مش هسمح لراجل غريب يدخل عليهم البيت ده، ولا هسمح إنك تاخديهم وتخرجي برة بيت العيلة.”
قلبي دق بسرعة.. وأحمد كمل كلامه وبص لي في عيني مباشرة:
* “أنا عايز أتجوزك يا نورا.. أول ما عدتك تخلص على طول. عشان أحافظ على بيت أخويا وعلى عياله.”
الكلام كان كأنه طوق نجاة مرمي لي من السماء.. بس في الحقيقة، الكلام ده نزل على قلبي زي المية الباردة.
أنا من جوايا مش بس موافقة.. أنا طايرة من الفرحة! أولاً، عشان فعلاً مش هسمح لراجل غريب يدخل على عيالي ويتحكم فيهم، وأحمد هو الأمان ليهم ولبيتي. وثانياً.. وده السر اللي ما حدش في الدنيا يعرفه ولا هيعرفه.. أنا عيني على أحمد من زمان، من قبل حتى ما أعرف مصطفى، بس النصيب كان كدة، وكنت كاتمة السر ده في بئر مالهوش قاع.
حاولت أظبط نبرة صوتي عشان أبان مكسورة ومترددة:
* “بس يا أحمد.. ده كلام يتقال دلوقتي؟ والناس؟ وسلفتي… ‘نعمة’ مراتك؟”
أحمد اتنهد بضيق أول ما سمع اسم مراته:
* “نعمة مالهاش دعوة بقراراتي.. البيت ده بيت أبوي وأخوي، وأنا أدرى بمصلحته. نعمة كده كده العيشة معاها جحيم، وأنتِ عارفة إن ربنا ما رزقناش منها بأطفال، والبيت بيننا مقفول على مشاكل وبس.”
أول ما أحمد قال كدة، صورتها جت في بالي على طول.. “نعمة”.
الست اللي من يوم ما دخلت بيت العيلة وهي نازلة فيا تقطيع وتجريح، تسرح في الحارة وتيجي تقول عني كلام بشع، وتطلوّع عليا شائعات إني ست مش محترمة وعيني زفرة، وكانت بتعمل كل ما في وسعها عشان تكره المرحوم فيا وتخرب بيتي. طول عمرها مش طايقاني وبتبص لي بكرة وغل من غير سبب!
الشرار بدأ يخرج من قلبي، وقررت في اللحظة دي إن اللعبة خلاص بدأت، والحساب القديم جه وقته يتقفل بالنقطة والحرف.
#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو
بصيت لأحمد بثقة، وقربت منه خطوة، ونبرة صوتي اتغيرت تماماً من الست المكسورة للست اللي نازلة تاخد حقها وسناناها حامية.. وقلت له بوضوح وصوت حاسم:
* “أنا موافقة يا أحمد.. موافقة أكون ليك وتكون ليا ولعيال أخوك.. بس على شرط واحد ومفيش غيره.. مراتك دي مش هعيش معاها في بيت واحد، وتطلقها!”
**الجزء الثاني**
أحمد اتسمر في مكانه أول ما نطقت بالشرط. الصدمة كانت واضحة في عينيه، نبرة صوتي الحاسمة اللي خرجت فجأة هدت الهيبة والكسرة اللي كنت بتصنعهم من لحظات. رفع راسه وبص لي بذهول، كأنه بيحاول يستوعب إن الست اللي كانت تبكي من شوية هي نفسها اللي واقفة بتملي عليه شروطها بكل قوة.
ساد السكوت في الشقة لثواني، ثواني كانت أطول من الأربعين يوم اللي عدوا. أحمد قام وقف من على الكنبة، مشي خطوتين ناحية الشباك، وفرك إيديه بقلة حيلة.
* **أحمد (بنبرة مترددة ومصدومة):** “تطلق؟! أنتِ بتقولي إيه يا نورا؟! أنتِ عارفة يعني إيه أطلق نعمة في الوقت ده بالذات؟ الناس هتاكل وشنا! هيقولوا أخوه مات من هنا وخرج مراته عشان يتجوز مراته من هنا! غير إنها بنت عمي ولما أرميها برة البيت العيلة كلها هتقوم عليا!”
قربت منه ببطء، وشي مالهوش أي تعبير غير الثبات القاتل. بصلته في عينيه ورصيت الكلام ببرود يذوب الحديد:
* **نورا:** “الناس كده كده بتتكلم يا أحمد.. والناس اللي خايف من كلامهم دول، هي نفس الناس اللي نعمة كانت بتروح لحد عندهم وتدش في شرفي! نسيت؟ نسيت لما كانت بتقول للرايح والجي إن نورا عينها زفرة ومش محترمة؟ نسيت كم مرة حاولت تخرب بيتي مع مصطفى الله يرحمه وتولع بيننا؟ أنا سكتّ عشان خاطر مصطفى وخاطر بيت العيلة.. لكن دلوقتي مصطفى مات، وأنا مش هقبل أعيش في بيت واحد ولا أشارك سقف واحد مع الست اللي نهشت في لحمي!”
أحمد سكت، كلامي جاب معاه ناتجة لأن الحقيقة دي هو عارفها كويس وكان شاهد عليها. اتنهد بصوت عالي وقال وهو بيهز راسه:
* **أحمد:** “نعمة غلطت يا نورا، وأنا عارف إنها قاسية ولسانها زفر، بس الست مالهاش ذنب في موضوع الخلف، ورميتها برة الشارع هتبقى خراب بيت كامل…”
* **نورا (بابتسامة سخرية خفيفة):** “وهي كتر خيرها ما خربتش بيوت؟ أنت بنفسك لسة قايل إن العيشة معاها جحيم وإن ربنا ما رزقكمش بأطفال.. يعني العمار بينكم مقطوع اصلاً. أنا مش بفرض عليك حاجة يا أحمد.. ده شرطي عشان أكون ليك ولعيال أخوك. عايز تحافظ على عيال مصطفى وتلمنا تحت جناحك؟ يبقى البيت ده ينظف الأول. غير كده.. أنا هاخد عيالي وأمشي، وساعتها وريني هتمنعني إزاي.”
الكلام كان زي الس\كينة اللي نزلت على رقبته. هو عارف إني لو خرجت بالعيال برة بيت العيلة، الهيبة بتاعة العيلة هتنكسر، ووصية أخوه هتضيع. والأهم من ده كله.. إن أحمد كان من جواه عايش في جحيم فعلاً مع نعمة، والشرط ده رغم قسوته، كان بيدي له المبرر اللي يدور عليه من زمان عشان يتخلص منها.
قعد أحمد تاني على الكنبة، حط راسه بين إيديه، وفضل ساكت مدة طويلة. وبعدين رفع راسه وبص لي بنظرة فيها استسلام ملطوخ بالشرار:
* **أحمد:** “العدة فاضل عليها يجي شهرين ونص يا نورا.. أعدك إن قبل ما العدة تخلص وتكوني حلالي، نعمة مش هتبقى على ذمتي ولا هتبقى موجودة في البيت ده خالص. بس بشرط.. الموضوع ده يفضل سر مكتوم لحد ما أظبط أموري، مش عايز حرب تطلع في البيت من دلوقتي.”
قلبي دق بانتصار رهيب. السر اللي شايلان من سنين بقى حقيقة، وحقي اللي اتهدر من نعمة جاي لحد عندي.
* **نورا:** “اتفقنا يا أحمد.. السر في بئر، لحد ما تديني ورقة طلاقها.”
خرج أحمد من الشقة بخطوات ثقيلة، وقفل الباب وراه. أول ما الباب اتقفل، وقفت ورا الباب وابتسمت ابتسامة عريضة.. ابتسامة واحدة مستنية اللحظة دي من سنين.
بس الهدوء ده ما طولش..
بعدها بساعتين بس، وكنت قاعدة في الصالة، سمعت صوت رزع جامد على باب الشقة! رزع مش خبط عادي، رزع واحد جاي يهدم الباب!
قمت بسرعة وفتحت الباب، ولقيت “نعمة” واقفة قدامي.. عينيها حمرة من الغضب، ووشها مشوه من كثرة الغل، وكانت ماسكة في إيدها تلفون أحمد!
* **نعمة (بصوت حاد وصرخة هزت العمارة):** “أنتِ فاكرة إنك هتلعبي لعبتك الخبيثة دي من ورايا يا نورا؟! فاكرة إنك هتسرقي جوزي وتطلعيها شاطرة؟! التلفون ده كان مسجل كل كلمة قيلتوها تحت.. وأنا سمعت كل حاجة!”
نعمة دخلت الشقة بزقة جامدة، وقفت في نص الصالة وهي بتصرخ بصوت أعلى عشان تجيب العيلة كلها من تحت:
* **نعمة:** “تعالوا شوفوا الست الطاهرة العفيفة اللي لسة أربعين جوزها إمبارح.. جايبة أخو جوزها في شقتها بتتفق معاه يطلق مراته ويتجوزها!”
**الجزء الثالث**
الصوت كان يرن في مناحي العمارة كلها زي السرينا، وكلمات نعمة كانت زي الفأس اللي نازل يقطع في جدران البيت.
أنا وقفت في مكاني، الدم اتجمد في عروقي للوهلة الأولى.. مش خوفاً، لكن من مفاجأة إن التلفون كان بيسجل! لكن في ثانية واحدة، النبض رجع لقلبي بقوة، وركبتني حالة من الثبات العجيب. اللحظة اللي كنت مستنياها عشان أفتح الحساب القديم جاتلي لحد عندي، ومش أنا اللي أهرب.
مسحت وشي بهدوء، وبصيت لنعمة من فوق لتحت ببرود يستفز الحجر، وقربت منها بخطوات بطيئة بثبات:
* **نورا (بصوت واطي بس يرعب):** “وطي صوتك يا نعمة.. العيال نائمين جوة، ومصطفى الله يرحمه لسة ترابه ما جفش عشان تشهدي عليا الحارة.”
* **نعمة (وهي بتلوح بالتلفون في وشي وبتصرخ أكثر):** “أوطي صوتي؟! بقى بتتآمري عليا أنتِ وهو عشان ترموني برة البيت؟! بتستغلي موت أخوه عشان تاخدي جوزي من حضني؟! يا ناس يا عالم.. تعالوا شوفوا الشريفة العفيفة اللي كانت عاملة فيها الحزينة!”
في لحظات، كانت خطوات ثقيلة وطالعة على السلم بلهفة. ظهر “أحمد” وشيخ العيلة “الحاج متولي” عمهم، ووراهم حماتي “أم مصطفى”. الكل دخل الشقة ونظرات الذهول والربكة مالية وشوشهم.
* **الحاج متولي (بصوت جهوري هز الصالة):** “جرى إيه يا حريم؟! إيه القلة القيمة دي اللي طالعة للشارع؟! الأربعين كانت إمبارح يا نعمة! جايين تعملوا هيصة في بيت المرحوم؟!”
* **نعمة (بدموع تمساح وصريخ):** “تعال شوف يا حاج متولي! تعال شوف الست اللي طالعة فيها الضحية.. مسكت تسجيل بينها وبين أحمد جوزي، بتتفق معاه يتجوزها بشرط واحد.. إنه يطلقني ويرميني برة بيت العيلة!”
أم مصطفى شهقت وحطت إيدها على صدرها، وبصت لأحمد بغضب:
* **أم مصطفى:** “الكلام ده صح يا أحمد؟! أنت بتفكر في الجواز ومراتك على ذمتك وأخوك لسة مكملش أربعين يوم تحت التراب؟!”
أحمد وقفت في نص الشقة ووشه جايب ألوان، لسانه اتعقد ومش عارف يدافع عن نفسه، النظرات كلها كانت موجهة ليه كأنه متهم في جناية.
نعمة شغلت التلفون، وصوت التسجيل بدأ يطلع في الصالة.. صوتي وأنا بقول بوضوح: *”أنا موافقة يا أحمد.. بس على شرط واحد، تطلق نعمة!”* وصوت أحمد وهو بيرد: *”نعمة كده كده العيشة معاها جحيم.. وتديني فرصة ظبط أموري.”*
الهدوء ساد الصالة تماماً، كأن ملك الموت دخل. نعمة بصت لي بابتسامة نصر وغل، وقالت:
* **نعمة:** “ها؟ أدي الدليل! أدي الست اللي عاملة فيها المكسورة! بتتآمر عليا وعلى بيتي!”
هنا.. قررت أتحرك.
ما بكتش، وما ظهرتش أي ضعف. بل بالعكس، خطيت خطوة للقدام، وبصيت للحاج متولي ولأم مصطفى بنظرة كلها وجع وثبات في نفس الوقت، ووجهت كلامي للعم متولي:
* **نورا:** “التسجيل حقيقي يا حاج متولي.. أنا مش هنكر كلمة واحدة منه. بس نعمة جايبة الحقيقة ناقصة.. نسيت تقول لكم أحمد كان داخل الشقة ليه اصلاً!”
بصيت لنعمة اللي ابتسامتها بدأت تختفي بالتدريج، وكملت بصوت جهوري:
* **نورا:** “أحمد دخل الشقة دي عشان يترجاني ما أخرجش بعيال مصطفى برة بيت العيلة! دخل وهو خايف على بيت أخوه وعياله إنهم يتربوا تحت إيد راجل غريب! هو اللي عرض عليا الجواز عشان يحافظ على لحم أخوه ودمه.. وأنا لما اشترطت عليه يطلقها، ما كانش طمع في أحمد ولا حب فيه!”
وقفت قدام نعمة مباشرة وقربت وشي منها، وقلت بصوت حاسم يسمعه البيت كله:
* **نورا:** “أنا اشترطت طلاقها عشان الست دي نهشت في شرفي وسُمعتي وسُمعة ابنك المرحوم لسنين! الست دي ماشية في المنطقة تقول عليا ست مش محترمة وعيني زفرة! الست دي كانت بتولع بيني وبين جوزي الله يرحمه في حياته! ولما جوزي مات، عايزاني أقبل أعيش معاها تحت سقف واحد وأمنها على عيالي؟! أنا قعدت هنا عشان عيال مصطفى، والبيت ده لو مش هينظف من الغل والافتراء، أنا هاخد عيال مصطفى وأمشي بكرة الصبح، وما حدش فيكم هيشوف وشي تاني!”
الكلام نزل زي الصاعقة على الحاج متولي وأم مصطفى. حماتي بصت لنعمة بنظرة نارية، لأنها عارفة كويس أصل نعمة وعارفة إنها فعلاً كانت بتملا البيت مشاكل وقرف، والأهم من ده كله.. أم مصطفى مش مستعدة تخسر عيال ابنها المتوفي وتخليهم يخرجوا برة بيت العيلة.
الحاج متولي بص لأحمد وقال بنبرة صارمة:
* **الحاج متولي:** “الكلام ده مظبوط يا أحمد؟ أنت اللي دخلت وقدمت العرض ده لنورا؟”
أحمد حك رقبته، وبص للجميع ورفع راسه بعد ما لقى مخرج، وقال بثبات:
* **أحمد:** “أيوه يا عمي.. أنا اللي دخلت وقلت لها مش هسمح لعيال أخويا يخرجوا برة البيت ده. وأنا اللي قلت إن عيشتي مع نعمة بقت جحيم ومش قادر أكمل معاها، ونورا عندها حق.. نعمة ما سابتش حد في العيلة إلا وطعنت فيه!”
نعمة اتسعت عينيها من الصدمة، التلفون وقع من إيدها على الأرض واتكسرت شاشته:
* **نعمة (وهي بتصرخ وبتترعش):** “أنت بتبِعني عشانها يا أحمد؟! بقى أنا اللي خاينة وأنا اللي كخة دلوقتي؟!”
ضرب الحاج متولي بعصايته على الأرض بقوة وصرح:
* **الحاج متولي:** “بس أنتِ وهي! فضيحتنا بقت على كل لسان بسبب جنونك يا نعمة! طالعة تصرخي في وسط الليل وتلمي الشارع عشان تسجيلي لمسألة عائلية؟! ادخلي شقتك تحت وحسابك معايا بعدين!”
أم مصطفى قربت مني، مسكت إيدي وقالت بصوت مليان دمع وقسوة في نفس الوقت وهي بتبص لنعمة:
* **أم مصطفى:** “عيال ابني مش هيخرجوا برة البيت ده يا نورا.. والبيت ده مش هيقعد فيه غير اللي يصونه ويحفظ سر أهله.”
خرج الحاج متولي وأم مصطفى وسحبوا نعمة بالعافية وهي بتصرخ وتكيل الاتهامات والدعوات، وأحمد خرج وراهم وهو بيقفل الباب.
رجعت الشقة لفضائها وهدوئها.. وقفلت الباب بالمفتاح.
مشيت بالراحة وقعدت على الكنبة، وبصيت لصورة مصطفى الله يرحمه. قلبي كان بيلطب، بس الابتسامة رجعت ترتسم على وشي ببطء.
نعمة افتكرت إنها بالدليل ده هتمرغ كرامتي في التراب، وما كانتش تعرف إنها بدائيًا كشفت كروت اللعبة كلها للعلن، ووفرت عليا وعلى أحمد شهور من التمهيد والمماطلة! دلوقتي العيلة كلها بقت مخيرة بين حاجتين: يا إما بقاء نعمة وخروج عيال مصطفى، يا إما طلاق نعمة وحفظ بيت المرحوم.
والإجابة كانت واضحة زي الشمس.
لكن وأنا قاعدة وسط الهدوء ده، تليفوني رن.. رقم غريب مش مسجل عندي.
رديت بصوت هادي: “ألو؟”
جالي صوت ست كبير في السن، صوت ناعم بس مليان تهديد وشرار:
* **الصوت:** “أهلاً يا نورا يا حبيبتي.. أصلك فاكرة إن نعمة لواحدها مالهاش ظهر؟ أنا أم نعمة.. واعملي حسابك، الحرب بيننا يلا بدأت، وسر أحمد القديم اللي خبيتيه عن مصطفى زمان.. عندي أنا!”
**الجزء الرابع**
أنفاسي اتجمعت في صدري، والتليفون كأنه أتحول لقطعة ثلج في إيدي. صوت أم نعمة كان زي حشرجة أفعى بتخرج من جحرها. “السر القديم؟!”.. السر الوحيد اللي دفنته جوة قلبي من سنين، السر اللي كنت أظن إن مفيش روح على وش الأرض تعرفه غيري أنا وأحمد!
حاولت أتماسك، وضغطت على إيدي حيل، ورسّمت نبرة صوتي على البرود:
* **نورا:** “سر إيه وبتاع إيه يا أم نعمة؟ أنتِ جايّة في أنصاص الليالي تهتري وخلاص عشان تداري على خيبة بنتك وفضحتها؟”
ضحكت أم نعمة ضحكة عالية مستفزة، ضحكة مليانة غل ونصر:
* **أم نعمة:** “تهتري؟! ههههه.. تفتكري يا نورا لما أحمد تقدم لك زمان، وأبوكِ رفضه عشان كان لسة حتة عيل مش حيلته حاجة، وبعدها بأسابيع لما مصطفى جه ووافقوا عليه.. تفتكري مين اللي كان واقف تحت شباك شقتكم القديمة في أنصاص الليالي؟ تفتكري الرسايل اللي كنتِ بتبعتيها لأحمد وأنتِ في عصمة مصطفى في أول جوازكم بتبكي له وتقولي له إنك مش قادرة تحبي أخوه؟ الرسايل دي نعمة كانت شايلاها عندها من زمان يا حبيبتي.. تحت إيدينا، ومصطفى الله يرحمه مات من غير ما يعرف، بس الحاج متولي وأم مصطفى لو شافوها.. تفتكري هيسيبوا عيال مصطفى معاكِ ثانية واحدة؟!”
الخط قطع.
الدنيا لفت بيا، ورجلي ما تشلتنيش، وقعت على الكنبة وأنا بلهث. الرسايل! الرسايل القديمة بتاعة زمان لما كنت لسة عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة، ومغصوبة على جوازة مش قادرة أستوعبها! الرسايل دي لو خرجت النور دلوقتي، مش بس طلاقي من أحمد اللي هيضيع.. ده سمعتي هتروح في داهية، وعيالي هيتاخدوا مني بقرار من العم متولي، وهتتقلب الطاولة عليا في ثانية!
نعمة وأمها ما كانوش بيلعبوا كارت العياط.. دول كانوا شايلين لي القاضية!
طلعت يجري على الباب، فتحته بهدوء ونزلت على الطراطيف لحد شقة أحمد ونعمة تحت. الصوت كان عالي جوة.. صوت الحاج متولي وهو بيزعق لأحمد، وصوت نعمة وهي بتصرخ وتعيط.
وقفت ورا الباب أستشف الأحداث، وسمعت أحمد بيصرخ بصوت زلزل الشقة:
* **أحمد:** “أنا مش هعيش مع الست دي دقيقة واحدة تانية يا عمي! الست دي مش صاينايا ولا صاينا بيتي.. بكرة الصبح ورقة طلاقها توصل لها، وعفشها يغور برة البيت!”
سمعت صوت نعمة بتهدد وتتوعد:
* **نعمة:** “والله ما هسيبك يا أحمد! والله لأفضحكم كلكم ولأخلي الحارة كلها تتفرج عليكم! أنت وهي مش هتهنوا مع بعض، والبيت ده ههدّه على دماغكم!”
سمعت خطوات جاية ناحية الباب، فطلعت يجري على فوق وسحبت الباب ورايا.
الصبح طلع، والشمس دخلت الشقة، بس البيت كان ماليانه توتر يكتم النفس. على الساعة عشرة الصبح، سمعت الدوشة تحت.. نعمة كانت بتلم هدومها بالصوت الحياني، وأمها واقفة في وسط الشارع بتصوّت وتدعي على بيت العيلة، وأحمد واقف فوق في البلكونة بيبص عليهم بجمود ومن غير ما ينطق كلمة.
المشهد كان يوحي إن الحرب انتهت بنصر لينا.. بس أنا كنت عارفة إن دي مجرد استراحة محارب قبل الانفجار.
بعد ما النظافة سادت الشارع ونعمة خرجت، أحمد طلع لي الشقة. وشه كان أصفر، وعينيه زايغة من التعب.
* **أحمد (بصوت مجهد):** “نورا.. نعمة خرجت خلاص، والشارع كله عرف إننا انفصلنا. عمي متولي قال لي نعدي فترة العدة في هدوء، وبعدها نكتب الكتاب رسمياً عشان نلم البيت.”
بصيت له بثبات، وقربت منه وقلت له بنبرة واطية حاسمة:
* **نورا:** “نعمة مش هتسكت يا أحمد.. أمها كلمتني امبارح بالليل.”
أحمد اتسمر في مكانه، وشعره وقف:
* **أحمد:** “أمها؟! قالت لك إيه؟!”
* **نورا:** “قالت إن كارت الرسايل القديمة في إيدها.. الرسايل اللي كنت ببعتها لك زمان لما كنت بشتكي لك من جوازتي. تهديدهم واضحي.. لو كتبنا الكتاب، الرسايل دي هتوصل للحاج متولي ولأمك، وساعتها مش هيفرق معاهم عيال ولا بيت.. هيطردوني أنا وأنت برة العيلة!”
أحمد مسك راسه بإيديه الاثنين وقعد على الكنبة، كأنه انكسر:
* **أحمد:** “الرسايل دي كانت على تليفوني القديم اللي نعمة خدته مني من ثلاث سنين لما التليفون اتكسر!.. أنا نسيت الموضة ده خالص يا نورا! هنعمل إيه؟! عمي متولي لو شاف الرسايل دي، هيفتكر إننا كنا على علاقة ومصطفى عايش.. وهيحرمنا من العيال ومن البيت!”
رفعت رأسي بابتسامة قاسية، وقربت منه وحطيت إيدي على كتفه بثبات:
* **نورا:** “نعمة وأمها فاكرين إنهم ماسكين علينا ذلة.. وما يعرفوش إن الحرب لما تتوصل للنوايا، أنا أشرّ منهم بكتير. هما فاكرين الرسايل دي كارت جوكر.. بس أنا هخلي الكارت ده يولع فيهم هما!”
أحمد بص لي بذهول:
* **أحمد:** “ازاي يعني؟!”
* **نورا:** “نعمة مش عايزة التليفون ولا الرسايل.. نعمة عايزة ترجع لك وتكسر مناخيري. وأمها تلعب على الوقت. بكرة أمها هتيجي هنا تعمل جلسة عرب مع الحاج متولي عشان تساومنا بالرسايل دي قصاد إنك ترجّع بنتها.. وأنا من النهاردة للصبح، هكون مجهزة الفخ اللي يدفنهم هما ورسايلهم تحت التراب!”
وفي اللحظة دي، تليفون أحمد رن.. كان عمي الحاج متولي:
* **الحاج متولي (بصوت حاد في التليفون):** “أنزل يا أحمد.. أم نعمة وكبار العيلة تحت في الصالون، وجايبين معاهم حاجة بيقولوا إنها تخصك أنت ونورا ومصطفى الله يرحمه!”
**الجزء الخامس والأخير**
الدم اتجمد في عروق أحمد، وبص لي بتليفونه والهلع مالي عينيه:
* **أحمد:** “الناس تحت يا نورا.. أم نعمة جابت كبار المنطقة والحاج متولي وقاعدين تحت بالتليفون والرسايل!”
مسكت إيد أحمد وقرصت عليها بقوة، وبصيت له بنظرة حديدية ما فيهاش نقطة خوف واحدة:
* **نورا:** “انزل يا أحمد واثبت.. انزل واسمعهم للآخر، ولا تهز شعرة منك. أنا طالعة معاك، وما تفتحش بؤك بكلمة واحدة غير لما أنا أدي لك الإشارة.”
نزلنا السلم خطوة بخطوة، وصوت الدوشة في صالون الحاج متولي كان واصل لحد الباب. أول ما فتحنا الباب ودخلنا، لقيت الصالون مليان.. الحاج متولي قاعد في النص كأنه القاضي، وجنبه أم مصطفى وشها أصفر من القلق، وعلى الناحية الثانية كانت أم نعمة قاعدة وفاردة ظهرها بانتصار، وجنبها اثنين من كبار الحارة، ونعمة واقفة ورا أمها وبتبص لي بنظرة تشفي وغل.
اول ما دخلت، أم نعمة قامت وقفت ورفعت تليفون أسود قديم في الهواء:
* **أم نعمة (بصوت جهوري ومستفز):** “جيتي في وقتك يا ست نورا! يا حاج متولي.. أنت راجل حقاني وبتخاف ربنا، والبيت ده طول عمره بيت كرم وشرف. بس الست دي خدعتكم كلكم! الست دي خدعت المرحوم مصطفى في حياته، وكانت على علاقة بأخوه أحمد من ورا ظهره!”
أم مصطفى شهقت من الصدمة، والحاج متولي ضرب بعصايته في الأرض وعيونه اتملت شرار:
* **الحاج متولي:** “اتكلمي باحترام يا أم نعمة! دي أعراض ناس وميت لسة في طراوته! فين دليلك على الكلام البشع ده؟!”
حطت أم نعمة التليفون على الطاولة في النص، وفتحت القائمة بصوت عالي:
* **أم نعمة:** “أدي التليفون القديم بتاع ابنك أحمد.. وأدي الرسايل بصوتها وكتيبتها لنورا وهي في عصمة مصطفى! بتبعت له وتقول له ‘مش قادرة أحبه ولا أطيقه وأنت اللي في قلبي’! الرسايل دي لو سمعتوها، هتأكدوا إن الست دي ما ينفعش تأتمن على عيال مصطفى، ولا ينفع تتجوز أخوه!”
نعمة ابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت:
* **نعمة:** “والصلح خير يا حاج متولي.. ابنك أحمد يرجعني لعصمته، والرسايل دي تتنسح وتتدفن، ونقفل الصفحة دي والستر يفضل مغطي البيت!”
الصالون كله سكت.. أحمد كان واقف بيتصبب عرق، وأم مصطفى بصت لي بعيون مليانة شك وكسرة.
في اللحظة دي، خطيت خطوة بثبات للقدام، وقفت وسط الصالون، وبصيت للحاج متولي وللكبار، وضحكت.. ضحكة هادية صافية استغربها الكل!
* **نورا:** “أنا مش هنكر الرسايل دي يا حاج متولي..”
الكل اتصدم، وأم نعمة ابتسمت أكتر، بس أنا كملت بصوت ثابت زلزل القاعة:
* **نورا:** “الرسايل دي حقيقية فعلاً.. بس الرسايل دي من تسع سنين! من قبل ما أتجوز مصطفى الله يرحمه بأسابيع! لما أحمد كان يتقدم لي وأبوي رفضه عشان ما كانش حيلته حاجة.. وكنت عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة وبشتكي له إنهم غاصبيني على أخوه! وبمجرد ما دخلت عصمة مصطفى وعرفت أصله ومعدنه، طويت الصفحة دي وربنا يعلم إن مصطفى كان جزمتة على راسي، وشلت اسمه وصنت بيته وعياله لحد أخر نفس في حياته!”
التفتّ بحدة لنعمة وأمها، ونبرة صوتي اتغيرت تماماً:
* **نورا:** “بس السؤال المهم يا حاج متولي.. التليفون ده مع نعمة من ثلاث سنين، والتسجيلات والرسايل دي عندها من زمان ومصطفى عايش! ليه نعمة ما جتش قالت لك ولا قالت لمصطفى الله يرحمه في حياته؟! ليه كانت ساكتة ومحتفظة بالرسايل دي؟!”
نعمة وشها أصفر وفجأة ارتبكت:
* **نعمة:** “أنا.. أنا كنت ساكتة عشان أستر على البيت!”
* **نورا (بصرخة هزت الصالون):** “كذابة! أنتِ كنتِ محتفظة بالرسايل دي عشان تبتزيني بيها! كنتِ بتستعمليها عشان تخربي بيتي وتذليني! والنهاردة، لما اتطلقتي، جاية تساومي الحاج متولي بعرض رخيص: ‘ترجعوني لأحمد وإلا هفضحكم’! يعني أنتِ ما فرقتش معاكِ شرف العيلة، ولا فرقت معاكِ سمعة المرحوم.. أنتِ كل اللي فارق معاكِ الكرسي اللي خسرتيه!”
طلعت من جيبي كارت ميموري صغير، وحطيته على الطاولة جنب تليفونهم:
* **نورا:** “وده كارت ميموري عليه تسجيل لمكالمة أم نعمة معايا إمبارح بالليل الساعة اثنين بعد نص الليل.. وهي بتبتزني وبتقول لي بالنص: ‘لو ما خليتيش أحمد يرجع نعمة، هفضحك بالرسايل القديمة قدام الحاج متولي’! كبار الحارة قاعدين ويقدروا يسمعوا المكالمة ويكونوا شهود على الابتزاز!”
أم نعمة ونعمة اتسمروا في مكانهم، والشرار خرج من عين الحاج متولي. قام وقف بطوله، وسحب الكارت والتليفون، وبص لكبار الحارة وقال بصوت كالرعد:
* **الحاج متولي:** “سمعتوا يا رجال؟ الستات دول جايين بيتنا يساومونا على سمعة ابننا المتوفي! جايبين رسايل من قبل الجواز بتهددنا بيها عشان ترجع للبيت بالعافية وتفرض شروطها!”
مسك الحاج متولي التليفون القديم ورمى به على الأرض بكل قوته، وداس عليه بعصايته لحد ما اتدمر تماماً:
* **الحاج متولي:** “البيت ده ما يتدخلوش خاينين ولا بتوع ابتزاز! نعمة طالق بالتلاتة، ومالهاش عندنا غير هدومها، وأي راجل من عيلتها هيعتب الشارع ده تاني هقطعه!”
كبار الحارة قاموا وقفوا وهزوا رؤوسهم بالخزي من تصرف أم نعمة وبنتها، وسحبوهم برة الصالون وهما بيبكوا ويجروا أذيال الخيبة والفضيعة وسط الشارع.
أم مصطفى قامت من مكانها، وجت ناحيتي وهي بتدمع، حضنتني وقالت:
* **أم مصطفى:** “سامحيني يا بنتي.. أنتِ أصيلة وصنتي ابننا في حياته وفي مماته، وعيال مصطفى مش هيتربوا غير تحت عينك وعين عمهم.”
عدت فترة العدة في هدوء وستر.. أحمد لمّ شمل البيت، وأنا حافظت على عيالي في شقتهم ووسط عيلتهم، واتجوزنا على سنة الله ورسوله بعد العدة، عشان نكفي عين الناس ونحافظ على وصية مصطفى.
### **الحكمة من القصة:**
1. **حقوق الناس والظلم لا يُنسى:** من يزرع الشوك والغل في قلوب الآخرين (كما فعلت نعمة)، لن يحصد في النهاية إلا الخيبة والفضيعة. الظلم تدور الأيام ليرتد على صاحبه.
2. **الماضي لا يكسر من يتسلح بالحق والصدق:** الصراحة والمواجهة بشجاعة هي الس\لاح الأقوى ضد الابتزاز. عندما تملك الشجاعة للاعتراف بأخطاء الماضي وتوضيح الحقيقة، تفقد كروت الأعداء قيمتها وتتحول ضدهم.
3. **الحفاظ على الأصل والأمانة:** العقل والحكمة هما اللذان يحميان البيت والعيال في أوقات الأزمات؛ فالمرأة القوية ليست التي تصرخ، بل التي تدير أمورها بثبات وتسترد حقها بالقانون والأصول.
