عندها 7 سنين حكايات رومانى مكرم 2

بنتي عندها 7 سنين سكتت فجأة بعد وقت الاستحمام مع جوزي.. وجملة واحدة منها خلتني مـاقدرش أتنفس!”

 

في الأول، قعدت أقول لنفسي إني “بتهيأ لي”.. إني ببالغ. دي الطريقة اللي الأم بتهرب بيها من الحقيقة لما تكون بشعة أوي لدرجة إنها مـاتتلمسش. بنحاول نجمل الواقع، بنقول أكيد فيه تفسير بريء، لأن البديل مرعب وما ينفعش حتى يتنطق.

 

بنتي “مريم” كان عندها 7 سنين.. رقيقة، هادية، وروحها حلوة لدرجة إن الغريب قبل القريب بيحبها. الكل كان بيقول عليها “ملاك صغير”.

 

جوزي “كريم” كان دايماً يقول إن وقت الاستحمام ده “الروتين الخاص بتاعهم”. كان بيقولي بابتسامته الهادية: “ده بيساعدها تهدى قبل النوم.. إنتي المفروض تفرحي إني أب مهتم كدة.”

 

وفعلاً، كنت فرحانة.. كنت عايزة أصدق إني اتجوزت راجل طيب، أب صبور، جوز شايل معايا الشيلة. بس مع الوقت، بدأت ألاحظ الساعة.. وقت الاستحمام مـاكنش 10 دقايق، ولا حتى 20.. كان بياخد ساعة، وأحياناً أكتر.

 

كل ما أخبط على الباب، كريم يرد بنفس البرود: “خلاص.. قربنا نخلص.”

 

دائماً هادي، دائماً واثق، لدرجة إنه كان بيحسسني إني “هبلة” إني بسأل أصلاً. بس لما كانوا بيخرجوا، مريم مـاكنش بيبان عليها إنها “هديت”.. كانت بتبان أصغر، أهدى، كأن فيه حتة منها استخبت جوه نفسها.

 

كانت بتلف الفوطة حوالين نفسها بقوة وبتبص في الأرض. وفي ليلة، جيت ألمس خصلة شعر مبلولة على وشها، بنتي “اتنفضت”.. نفضة صغيرة، بس كانت كفاية.

 

كفاية إن “غريزة الأم” تصحى جوايا وترفض تنام تاني.

 

بعد ما كريم نزل، قعدت جنب مريم على سريرها، كانت ماسكة العروسة بتاعتها بقوة.

 

سألتها بصوت واطي وحنين: “إنتي وبابا بتعملوا إيه جوه كل الوقت ده؟”

 

عينيها نزلت الأرض فوراً.. مفيش حيرة، مفيش رد بريء.. فيه “صمت” وبعده دموع.

حكايات رومانى مكرم

قلبي بدأ يدق بسرعة لدرجة إني سمعت دقاته في ودني. مسكت إيدها براحة وقلت لها: “ممكن تقولي لي أي حاجة يا حبيبتي.”

 

شفايفها بدأت تترعش، وقالت الجملة اللي قسمت ظهري نصين:

 

— “بابا بيقولي مـاينفعش أتكلم عن ‘ألعاب الاستحمام’.”

 

في اللحظة دي، نسيت إني أتنفس. الأوضة لفت بيا، وكأني بسمع كل حاجة من تحت المية. حاولت مـابينش ردي فعلي عشان مـاخوفهاش.

 

سألتها بهدوء: “ألعاب إيه يا حبيبتي؟”

 

هزت رأسها وبدأت تعيط أكتر: “هو قال لي إنك هتزعلي مني.”

 

“تزعلي مني”.. الكلمة دي هي اللي قطعت قلبي. لأن خوف الأطفال مش دايماً صراخ، أحياناً بيكون “ذنب”.. الطفل بيفتكر إنه هو اللي عمل حاجة غلط.

 

خدتها في حضني وفضلت أطمنها: “إنتي مـاعملتيش حاجة غلط.. أبداً.. سامعاني؟”

 

ليلتها مـانمتش.. كنت نايمة جنبه في الضلمة، سامعة نَفَسه الهادي، وحاسة برعب مـا يتوصفش. الراجل اللي جنبي ده شايل اسمي، شاركني سريري، وأكلي، وحياتي.. ومع ذلك، اكتشفت إني مـاعرفهوش.

 

كنت بدعي ربنا إني أكون غلط.. يا رب أكون واهمة. بس “التمني” مش هو “اليقين”.

 

تاني يوم بالليل، لما كريم خد مريم عشان الاستحمام، استنيت لما سمعت صوت المية.

 

طلعت الطرقة حافية.. مـاكنش فيه خطة، كان فيه “أدرينالين” ورعب وبس.

 

باب الحمام مـاكنش مقفول للاخر.. كان موارب حتة صغيرة أوي، مـاتجيش سنتيمترات.

#الكاتب_رومانى_مكرم

كفاية إن النور يطلع للطرقة.. وكفاية إني أعرف إن حياتي اللي جاية هتتقسم لـ “قبل” و “بعد”.

 

قربت من الباب وبصت من الفتحة دي.. وفي اللحظة دي، آخر ذرة “إنكار” جوايا انهارت تماماً لما شوفت بعيني اللي بيحصل!

 

تفتكروا الأم شافت إيه جوه خلى كيانها يتهز؟ وهل هتقدر تنقذ بنتها في اللحظة دي ولا “كريم” هيكشفها؟

 

 

فتحت الفتحة الصغيرة في الباب عالمًا كنت أتمنى طوال عمري ألا أراه. تجمدت الدماء في عروقي، وشعرت بغثيان يزلزل كياني كله وأنا أرى كريم جالسًا على مقعد صغير أمام حوض الاستحمام، وبينه وبين مريم كاميرا هاتف مثبتة على حامل صغير، وكان يوجهها لتقوم بحركات معينة وهي تبكي بصمت، بينما هو يتحدث بهمس حاد عبر سماعة في أذنه مع شخص آخر، ويقول بلغة غريبة: “التحويل وصل؟ الجودة واضحة الآن؟”.

لم تكن مجرد “ألعاب استحمام” بالمعنى التقليدي للرعب، بل كانت تجارة ببراءة ابنتي على الإنترنت المظلم. كان يبيع طفولتها لبث مباشر أمام شاشات لا نعرف من خلفها.

انهرت داخليًا، لكن غريزة البقاء وحماية مريم منعتني من الصراخ. تراجعت خطوتين للخلف والظلام يلف عيني، وفجأة، تحركت قدمي لتصطدم بزهريّة صغيرة كانت موضوعة في زاوية الطرقة. سقطت الزهرية على الأرض محدثة صوت ارتطام وتناثر للزجاج.

انقطع صوت كريم داخل الحمام فجأة. عمّ الصمت المكان لثوانٍ بدت كأنها دهر.

سمعت خطواته تقترب من الباب بخفة وهدوء مرعب. حاولت أن أتحرك، أن أهرب إلى غرفتي، لكن قدمي تعطلت تماماً وكأنها غُرست في الأرض. انفتح الباب ببطء، وخرج كريم وهو يمسك منشفة بيده، وعيناه الباردتان تلتقيان بعيني المذعورتين. نظر إلى الزجاج المكسور على الأرض، ثم رفع نظره إليّ بابتسامة بطيئة خالية من أي مشاعر وقال: “أنتِ صاحية يا حبيبتي؟ افتكرتك نِمتِ.. مالك واقفة كدة ليه؟”

نظراته الباردة كانت كفيلة بأن تجعلني أفقد الوعي، لكن رؤية مريم وهي ترتجف بالداخل وتنظر إليّ بعينين باكيتين أعادت إليّ قوتي في أجزاء من الثانية. تراجعت خطوة للخلف، وحاولت جاهدة أن أرسم على وجهي تعبيرًا طبيعيًا، رغم الرعب الذي ينهش صدري.

قلت بصوت متحشرج حاولت جزيئات الهواء أن ترفعه: “أنا.. أنا كنت قايمة أشرب، ورجلي خبطت في الفازة دي.. مخدتش بالي إنها هنا.”

نظر إليّ كريم بنظرة فاحصة، امتدت من عينيّ المرتعشتين وصولاً إلى أطراف أصابعي التي كنت أحاول إخفاء ارتعاشها وراء ظهري. لم يتكلم فورًا، بل خطى خطوة واسعة تجاوز بها الزجاج المكسور، ووقف أمامي تمامًا، حتى شعرت بأنفاسه تقترب من وجهي.

قال بصوت منخفض، هادئ بشكل مريب: “سلامتك يا حبيبتي.. بس غريبة يعني، بقالك ساعة صاحية، ومسمعتش صوت حركتك غير دلوقتي؟”

في تلك اللحظة، ظهرت مريم من خلفه وهي تلف الفوطة حول جسدها الصغير، عيناها كانت معلقتين بي، كأنها تستغيث دون كلمات. تداركت الموقف بسرعة وقبل أن ينطق بأي شيء آخر، انحنيت وأمسكت بيد مريم وشديتها نحو حضني بقوة، وقلت له بجفاء لم أستطع إخفاءه: “البنت سقعانة وخلاص خلصت.. أنا هاخدها ألبسها وأنيّمها، ولمّ أنت الزجاج ده عشان محدش يتجرح.”

لم ينتظر ردي، بل انحنى يجمع قطع الزجاج الكبيرة بيده العارية، وعيناه لا تزالان تلاحقننا حتى دخلت غرفة مريم وأغلقت الباب بالمفتاح.

بمجرد أن أُغلق الباب، استندت بظهري عليه وأنا ألهث كأنني كنت أركض في سباق. ألبست مريم ملابسها بسرعة وأنا أقبل رأسها ويديها وأهمس لها: “خلاص يا قلب ماما.. مفيش حاجة هتحصل تاني، أنا معاكي.”

جلست بجانبها حتى نامت من كثرة البكاء والتعب، لكن عقلي لم يتوقف عن التفكير. الهاتف! الكاميرا المثبتة في الحمام! هذا هو دليلي الوحيد لإنقاذ ابنتي وسجن هذا الوحش. لو واجهته الآن سينكر كل شيء، وقد يمحو الأدلة أو يؤذيني أنا ومريم. يجب أن أحصل على ذلك الهاتف أو أسجل ما يفعله كدليل قاطع للشرطة.

انتظرت حتى دوت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. ساد الهدوء التام في الشقة. فتحت باب الغرفة ببطء شديد، وخرجت حافية القدمين أتسحب نحو الصالة. كان ضوء خافت ينبعث من غرفة المعيشة.

اقتربت بحذر، ونظرت من خلف الجدار.. كان كريم جالسًا على الأريكة، يضع السماعات في أذنيه، ويوجه شاشة هاتفه نحو وجهه وهو يبتسم بانتصار ويتحدث بهمس: “المرة الجاية هيكون العرض أطول.. بس السعر هيتضاعف.”

تراجعت خطوة إلى الخلف، وضغطت على فمي بكلتا يديّ لأمنع صرخة رعب من الخروج. وبينما كنت أحاول العودة إلى غرفة مريم، شعرت بشيء صلب يرتطم بظهري من الخلف، والتفتّ برعب لأجد..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *