اللحظه الأخير 2

ـ «الجرائم المنسوبة إليك يا طارق بك ليست مجرد النصب والتزوير في أوراق رسمية،» قالها وكيل النيابة بنبرة حازمة وهو يطالع الملف، «بل تمتد لخيانة الأمانة وتبديد تركة خاضعة لحقوق قاصرين سابقاً. القرارات الصادرة بحقك حاسمة: استمرار التحفظ على كافة الأصول البنكية والعقارية، وإحالة الملف إلى محكمة الجنايات.»

خرج طارق من مبنى النيابة مكسور الخاطر، تسير بجانبه الظلال التي خلقها غروره. لم يعد هناك سائق ينتظره، ولا سيارة فاخرة تقلّه، ولا أصدقاء مصلحة يرفعون هواتفهم للرد على اتصالاته. حُجب عنه كل شيء في غمضة عين.

حاول الاتصال بالمرأة التي كان يشاركها عطلته الاستوائية—المرأة التي أنفق عليها آلاف الدنانير من مال أبي في أيام احتضار أمه—لكن بمجرد أن سمعت بأنباء التحفظ على أمواله وصدور أمر ضبطه وإحضاره، أغلقت خطها في وجهه وحظرت رقمه إلى الأبد. حينها فقط، تذوق طارق طعم الخيانة والجفاء الذي أذاقني إياه طوال عقدين.

في هذه الأثناء، كنتُ قد عدتُ إلى الفيلا لأول مرة بعد استلامها رسمياً من حرس المحكمة.

فتحتُ الأبواب العريضة التي طالما شهدت على ذلي وانكساري. أزلتُ الأغطية القماشية عن الأثاث، وأدخلتُ عمال الصيانة والتنظيف لإزالة كل أثر يخصه. لم أكن أرغب في الاحتفاظ بأي شيء يذكرني بعهده الزائف، سوى لوحة زيتية صغيرة للحاجة أمينة، وزهرة ياسمين جافة كانت تحتفظ بها داخل مصحفها العتيق.

استدعيتُ الخبير العقاري والمحامي “مراد”، وقررتُ وضع الفيلا وجميع الحصص المستردة من الشركة تحت إدارة تصفية قانونية تمهيداً لتحويل جزء كبير منها إلى مؤسسة خيرية تحمل اسم أبي “عبد الرؤوف” واسم الحاجة “أمينة”. لم أكن بحاجة لكومة الأموال بقدر حاجتي لاستعادة الكرامة والقصاص للحق المسلوب.

وفي مسا يوم دافئ من أيام الخريف، تلقت شقتي المؤقتة اتصالاً هاتفياً من شقيقة طارق الصغرى—التي كانت تعيش خارج البلاد ولم تكن تعلم شيئاً عن طغيان أخيها.

قالت بصوت يخنقها البكاء: «مريم… أنا لا أدافع عن طارق، فما فعله بأمي وبكِ إثم لا يغفره بشر. لكنه الآن ينام في التخشيبة ينتظر محاكمته، وقد أنكر كل شيء وعاش حالة من الانهيار العصبي الكامل… إنه يصرخ باسمكِ واسم أمي كل ليلة، ويطلب أن يراكِ لمرة واحدة وأخيرة قبل صدور الحكم.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *