حكايات اسما السيد 1

أخدت خطيبتي تزور بيت أمي الفقير في الصعيد علشان أختبرها قبل الجواز… لكن أول ما شافت أمي وعيشتنا عملت اللي متوقعتوش في اقصي خيالاتي..

………

كنت أظن أنني أختبر المرأة التي سأقضي معها بقية حياتي…لكن مع نهاية ذلك اليوم، أدركت أن الشخص الوحيد الذي فشل في الاختبار… كان أنا.

اسمي أدهم السيوفي، عمري32 عامًا، وأعمل مديرًا لقسم تقني في شركة مقاولات كبيرة في القاهرة.

أتقاضى راتبًا كبيرًا يكفي لأن أقود سيارة فاخرة، وأسكن شقة حديثة في التجمع الخامس، وأتناول الطعام في المطاعم الراقية، ويصفني الجميع بأنني “رجل ناجح”.

اسم خطيبتي ياسمين الشاذلي. تعمل مُدرسة أطفال في مدرسة خاصة صغيرة في الشيخ زايد، ولا تكسب الكثير من المال.

لكنها كانت طيبة… صبورة… حنونة مع الأطفال… وعلى مدار ثلاث سنوات أحبتني دون أن تسألني ماذا أملك، أو كم أكسب، أو أي نوع من الحياة أستطيع أن أوفره لها.

كان زفافنا شبه مكتمل التخطيط. الأوراق أوشكت على الانتهاء، وقاعة الفرح تم حجزها، وفستان زفافها تم تفصيله بالفعل، والدعوات وصلت للعائلتين.

الجميع كان يقول إنني محظوظ لأنني سأتزوج امرأة مثل ياسمين.

لكن كلما اقترب موعد الزفاف… بدأ القلق ينهشني.

في العمل، كنت أسمع قصصًا كثيرة من رجال يقولون إن زوجاتهم لم يُظهرن حقيقتهم إلا بعد الزواج… عندما تعلّق الأمر بالمال، والشقة، والسيارة، والحياة المريحة.

أصدقائي كانوا يضحكون ويحذرونني: — “يا أدهم… الستات بيبقوا ملايكة قبل الجواز. لكن أول ما تعرف إن أمك عايشة في بيت قديم وفقير… ساعتها بس هتشوف وشها الحقيقي.”

كنت أضحك معهم من الخارج…

لكن كلماتهم بدأت تسمم رأسي من الداخل.

أنا اتولدت في قرية صغيرة في محافظة المنيا. وما زالت أمي، الحاجة زينب، تعيش وحدها في البيت القديم اللي اتربيت فيه… بيت متآكل بجدران متشققة، وسقف صاج قديم، ودهان باهت، وحوش ترابي صغير فيه شوية زرع وفرن بلدي قديم.

لسنوات حاولت أخلي أمي تعيش معايا في القاهرة، لكنها كانت تبتسم دائمًا وتقول: — “أنا متعودة على ريحة الأرض، وصوت الفجر، والعيش اللي بيطلع سخن من الفرن… معرفش أعيش وسط زحمة المدينة يا ابني.”

كنت أحب أمي…

لكن لو هكون صريح… كنت أشعر بالخجل من ذلك البيت.

قبل الزفاف بأسبوع، قررت أن أختبر ياسمين.

قلت لها: — “الأسبوع ده هآخدك البلد علشان تتعرفي على أمي.”

أضاء وجهها فورًا بالسعادة. — “بجد؟ أنا نفسي أقابلها من زمان! وكمان نفسي تعلمّني إزاي بتعمل المحشي والفطير البلدي.”

لم أقد سيارتي كعادتي. أخبرتها أنها في الصيانة، ثم أخذتها إلى موقف الأتوبيسات.

استقللنا أتوبيسًا قديمًا خارج القاهرة، ثم ركبنا ميكروباص صغير مع أحد أهل القرية، وأخذنا عبر طرق ترابية وحقول واسعة وبيوت ريفية هادئة تحت شمس العصر.

طوال الرحلة كنت أراقب ياسمين بعناية.

الأتوبيس كان مزدحمًا، والحر شديد، والتراب يدخل من الشباك باستمرار… لكنها لم تشتكِ ولو مرة.

كل ما فعلته أنها أخرجت منديلًا ومسحت العرق عن جبيني بلطف ثم ابتسمت. — “المكان اللي إنت جاي منه جميل… فيه راحة غريبة.”

التزمت الصمت.

وفي داخلي قلت: “استني بس لما تشوفي بيت أمي… وساعتها نشوف رأيك هيفضل زي ما هو ولا لأ.”

قبل الرحلة كنت قد اتصلت بأمي وقلت لها: — “يا أمي… البسي أقدم جلابية عندكِ. ولو سألتك ياسمين، قولي لها إن ضهرك بيوجعك، وإن البيت حالته صعبة شوية. اشتكي شوية.”

صمتت أمي طويلًا على الهاتف.

ثم سألتني: — “إنت بتختبر البنت دي يا أدهم؟”

شعرت بالذنب… لكنني أجبت: — “عايز أتأكد بس يا أمي.”

تنهدت وقالت: — “في ناس طيبتهم بتبان من غير اختبارات… لكن طالما ده اللي إنت عايزه، ماشي يا ابني.”

في ذلك العصر، عندما توقف الميكروباص أمام البوابة الخشبية القديمة… بدأ قلبي يخفق بعنف.

كان البيت كما أتذكره تمامًا.

السقف الصاج مائل إلى جانب واحد، والجدران متآكلة من سنين المطر، والفناء الترابي مليء بالقش الجاف، والفلفل الأحمر معلق تحت السقيفة، وقطع القماش المطرزة تتحرك مع الهواء الدافئ.

كانت أمي جالسة على كرسي منخفض قرب الباب، ترتدي جلابية قديمة مزهرة، وظهرها منحني قليلًا، ويداها فوق ركبتيها، وكأن كل حركة تؤلمها.

نظرت إلى ياسمين بطرف عيني.

توقعت أن تتجمد.

توقعت أن أرى خيبة الأمل.

توقعت أن تختفي ابتسامتها بمجرد أن تدرك أن هذا المكان الفقير المتهالك هو المكان الذي جاء منه زوجها المستقبلي.

لكنها لم تتصرف أبدًا كما تخيلت.

في اللحظة التي رأت فيها أمي، رقّ وجهها بابتسامة صادقة. مشت مباشرة نحوها، وانحنت، وأمسكت يدها، وتحدثت معها وكأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات.

— “ماما زينب… أخيرًا قابلتك. أكلتِ حاجة؟ ولسه رجلك بتوجعك؟ تعالى أساعدك.”

وقفت هناك بلا حركة.

حتى أمي نفسها بدت مصدومة، وعيناها امتلأتا بالدموع.

ياسمين لم تنزعج من الفناء الترابي، ولا الجدران المتشققة، ولا رائحة الحطب العالقة في الهواء.

وضعت حقيبتها جانبًا، وشمرت أكمامها، وساعدت أمي على الدخول، ثم سألت أين المطبخ، وإن كان هناك عيش بلدي لتسخنه.

ولم أكن قد قلت شيئًا بعد… حتى استدارت ياسمين نحوي وأخرجت ورقة مطوية من جيب سترتها.ووو

 

 

أخرجت ياسمين الورقة المطوية من جيب سترتها، ونظرت إليّ بعينين تشعان حماسًا وقالت:

— “أدهم، أنا مجهزة الورقة دي من أسبوع.. فيها كل الحاجات اللي ماما زينب بتحبها، وسألت جيرانكم في القافلة الطبية اللي جت هنا زمان عن الأكلات والوصفات الصعيدية اللي نفسي أتعلمها منها.. يلا بينا نبدأ!”

دخلت ياسمين المطبخ القديم، وكان المطبخ بسيطًا للغاية؛ موقد صغير يعمل بأسطوانة غاز قديمة، وبعض الأواني الألومنيوم المرصوصة بعناية فوق رف خشبي متآكل. لم تتردد للحظة، بل بدأت بتنظيف المكان بهمة ونشاط، وكانت تتحدث مع أمي وتسألها عن تفاصيل حياتها في القرية وكأنها تبحث عن كنز مدفون في ذكريات هذه المرأة العجوز.

أمي كانت تنظر إليّ بين الحين والآخر نظرات عتاب صامتة، نظرات كانت تخترق قلبي كالسحاب، فكل ضحكة تخرج من فم ياسمين كانت بمثابة صفعة على وجه شكّي وظنوني السيئة.

جلسنا جميعًا على حصير قديم في الفناء الترابي لنتناول وجبة عشاء بسيطة للغاية؛ جبن قريش، ومش، وعيش بلدي جاف قامت ياسمين بتسخينه بنفسها على الفرن الطيني بعد أن أصرت على تعلم كيفية إشعاله بالخشب والقش. كانت تأكل بشهية وفرح حقيقي، وتمدح في طعم الأكل البسيط قائلة:

— “عمر اللقمة ما كانت باللي فيها يا أدهم، اللقمة بحلاوة الناس اللي قعدنا معاهم.. وأكل ماما زينب مفيش في حلاوته.”

عندما حلّ الليل، واشتد هدوء القرية ولم يتبقَ سوى صوت صرصار الليل ونسمات الهواء العليلة، طلبت ياسمين من أمي أن تنام بجوارها في الغرفة الصغيرة ذات السقف الصاج. وقبل أن تغلق الباب، التفتت إليّ وقالت بصوت منخفض:

— “أدهم.. أنا مبسوطة جدًا إنك جبتني هنا.. المكان ده فيه بركة وريحة طيبة.. وماما زينب دي نعمة من ربنا.”

تركتني ياسمين ودخلت، وبقيت أنا وحيدًا في الفناء تحت السماء المرصعة بالنجوم. لم أستطع النوم؛ كانت الأفكار تتضارب في رأسي، والشعور بالخزي يثقل صدري. كيف سمحت لأوهام أصدقائي ولعقدة النقص داخلي أن تدفعني لتمثيل هذه المسرحية الهزلية أمام إنسانة بنقاء ياسمين؟ وأمام أمي التي تحملت مشاق الحياة لتجعل مني رجلًا ناجحًا؟

وفي تمام الساعة الثالثة فجرًا، استيقظت على صوت حركة خفيفة تأتي من ناحية المطبخ والفناء.. تصورت أن أمي شعرت بالتعب، فنهضت مسرعًا لأرى ما يحدث، لكنني عندما وصلت إلى باب الفناء، تجمدت في مكاني من الصدمة مما رأيته..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *