الدكتور ناصر وقف مسمار مكان على السلم، الريق جف في حلقة وشفايفه بقت تترعش وهو يبص لي ومش قادر يجمع كلمة واحدة مفيدة. المسحة المزيفة بتاعة الهيبة والدكتور الكبيرة اتبخرت في ثانية. سحبته من دراعه بهدوء مرعب ودخلت بيه جوة العيادة، زقيته للداخل وقغلت الباب بالمفتاح. * "صُـ صلاح.. أنت بتقول إيه؟ تحليل إيه وررشة إيه؟ أنت فاهم غلط أكيد.. فيه حد ضاحك عليك!" قاله وهو بيرجع بظهره لورا لحد ما خبط في مكتبه الخشب. طلبت منه يقعد، وقعدت قصاده على الكرسي، طلعت الحافظة الجلد السودا من شنطتي ورميتها على المكتب بيني وبينه. فتحتها بالراحة وسحبت منها كارت الميموري، والموبايل القديم، وأهم حاجة: التقرير الطبي الأصلي بختم النسر.. والتقرير المزيف اللي هو طابعه بيده. * "التقرير ده بختم النسر ومستشفى القاهرة الحكومي، وده تقريرك المزيف.. والرسالة اللي على الموبايل ده بتقول إنك طالب باقي الحساب من ندى يا دكتور، عشان ما تسلمنيش العينات الحقيقية. نسيت صوتك وأنت بتتصل بالفجر فاكرها هي اللي هترد عليك؟" ناصر بص للورق، وشه بقى أصفر زي الليمونة المعتصرة، ونقط العرق بدأت تنزل من جبهته على نظارته. أيديه كانت بترتعش وهو بيحاول يمسك التقرير الأصلي عشان يشوفه، بس أنا حطيت إيدي فوق الورقة وبصيت في عينه بثبات: * "القانون يا دكتور بيسمي دي جري\مة تزوير في أوراق رسمية، واستغلال مهنة، وشراكة في جناية تسبب في ضرر نفسي وجسدي بالغ.. يعني كارت أحمر ومش بس شطب من النقابة، ده سجن مش أقل من سبع سنين مع الشغل والنفاذ." ناصر وقع على الكرسي زي الج\ثة، وشبك إيديه في بعض وبيترجاني: * "يا صلاح يا ابني ارجوك.. ندى هي اللي جاتلي، هي اللي خططت لكل حاجة! قالت لي إنها مش عايزاك وتعبانة معاك وإن فيه مشاكل كبيرة بينكم، وغرتني بالفلوس.. أنا عندي عيال وبنات في جامعات، لو الموضوع ده اتعرف بيتي يتخرب ومستقبلي يضيع!" ابتسمت بسخرية: * "وبيتي أنا اللي اتخرب؟ وثلاث سنين من عمري اللي ضاعوا وأنا فاكر نفسي ناقص ومش راجل؟ ودموع أمي وأبوي كل يوم وهم شايفين ابنهم مكسور الخاطر؟ دول مين يعوضهم يا حكيم؟" ناصر بلع ريقه وصوته طالع بال بالعافية: * "أنت.. أنت عايز إيه؟ عايزه مني إيه وأنا أعملهولك؟ أي فلوس، أي حاجة أنت تطلبها!" وقفت من على الكرسي وقربت منه: * "مش عايز منك جنيه واحد زفر.. أنا عايزك تعمل اللي هقولك عليه بالحرف الواحد، ولو فرقت كلمة واحدة أو حاولت تلعب من ورايا.. أوعدك إن النيابة العامة ونقابة الأطباء هيكونوا هنا قبل ما تفتح عيادتك بكرة الصبح." ناصر هز راسه بسرعة جنونية: * "موافق! موافق على أي حاجة تقولها.. بس أخرجني من القصة دي!" * "أول حاجة، هتاخد الموبايل ده، وتتصل بـ ندى دلوقتي حالا.. هتطلب منها تيجي العيادة فوراً بحجة إن فيه ورقة ناقصة لازم تمضي عليها عشان تقفل الملف الطبي نهائياً وما يبقاش فيه أي أثر يقدر يوصلني للحقيقة.. وتأكد عليها إن لو ما جتش، أنت هتبعتلي الملف بنفسك." في نفس اللحظة، كنت مركب جهاز تسجيل صغير في قميصي، وفتحت المايك بتاع الموبايل. ناصر مسك التليفون وإيده بتترعش، اتصل بـ ندى وفتح السبيكر بناءً على إشارتي. رنتين.. وجاء صوت ندى الناعم البارد اللي كان بيخدعني ثلاث سنين: * "إيه يا دكتور ناصر؟ أنت بتتصل تاني ليه؟ مش قلت لك المبلع الباقي هتوصلك بيه صاحبتي بكرة؟" ناصر بص لي ورجح نبرة صوته بالعافية عشان تبان طبيعية: * "يا ندى الموضوع خطير.. صلاح جه العيادة يسأل على حاجة، وفي ملف قديم لو لمحت عينه عليه هيعرف كل حاجة! لازم تيجي العيادة حالا تمضي على إقرار إنك استلمتي كل النتايج القديمة وتستردي العينات، عشان أحرق الملف ده قدامك ونخلص!" سكتت ندى لحظة على الناحية الثانية.. الحذر والشك ظهروا في نبرتها: * "صلاح راح لك؟ هو شاكك في حاجة؟" ناصر كمل بتمثيل أتقنه تحت تهديدي: * "لا ما شاككش في حاجة، هو جاي مكسور وزعلان على الطلاق.. بس أنا عايز أأمن نفسي وأأمنك، تعالي دلوقتي العيادة ساعتين بالكتير وننهي المهزلة دي عشان أخلص من الخوف ده." ندى تنفست بعمق وقالت بقلة صبر: * "تمام.. ساعة وأكون عندك، بس دي آخر مرة أسمع فيها صوتك يا دكتور." قفلت الخط. بصيت لناصر وقلت له بصوت حاسم: * "الخطوة الثانية.. هتستخبى في الأوضة الجوانية لما توصل، وأنا اللي هستقبلها في مكتبك.. ومش عايز أسمع لك نفس لحد ما أخلص كلامي معاها." قعدت على كرسي الدكتور ناصر، حطيت رجل على رجل، وسندت ضهري لورا وأنا ماسك في إيدي التسجيلات وأصل التقرير الطبي، ومستني لحظة المواجهة.. اللحظة اللي هرد فيها كرامتي وهكشف فيها الوش الحقيقي للست اللي عشت معاها ثلاث سنين وأنا فاكرها ملاك. بعد أربعين دقيقة بالظبط، سمعت صوت خطوات كعب جزمتها على السيراميك برة العيادة.. الباب اتفتح، ودخلت ندى بكل كبرياء وثقة، ولابسة النظارة الشمسية.. أول ما رفعت النظارة وبصت على المكتب، رجليها اتثبتت في الأرض، وشهقَت شهقة طيرة عقلها لما لقاني قاعد مكان الدكتور ناصر وببصلها بابتسامة هادية ترعب.. #الكاتب_رومانى_مكرم_ ندى فضلت واقفة مكانها زي الصنم، عينيها مبروقة والنظارة الشمسية وقعت من إيدها اتكسرت على الأرض. وشها اتخطف وبقى عامل زي القماش الميت، شفايفها بترتعش وعاجزة تطلع كلمة واحدة. حركت الكرسي الجلد بتاع الدكتور لورا بهدوء، ومسكت القلم الفضي اللي على المكتب، وبقيت أكتك بيه على الخشب بصوت منتظم.. تِك.. تِك.. تِك.. * "إيه يا ندى؟ مالك اتسمرتِ كده ليه؟ مش عوايدك تتخضي لما تشوفيني.. ولا نسيتي إننا خارجين بالمعروف؟" ندى بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تستجمع شتات نفسها بسرعة، بلعت الخضة ولبست وش الثبات المزيف اللي كانت بتخدعني بيه، وخطت خطوتين لجوة العيادة وهي بتقول بنبرة حدة مصنعة: * "صلاح؟! أنت بتعمل إيه هنا؟ وجاعد على كرسي الدكتور ليه؟ وهو فين أساساً؟" ابتسمت لها ابتسامة باردة جداً، وسحبت العلبة القطيفة الحمرا والجريدة القديمة والتقرير المزور من على المكتب، وحطيتهم قدامها جنب أصل التقرير بختم النسر: * "كنت مستنيكي يا بنت الأصول.. مستني أبارك لك على الملايين، وعلى وثيقة التأمين بتاعة المرحوم شريف!" أول ما نطقت اسم "شريف"، ندى ركبها خبطت في بعضها وسندت إيدها على حرف المكتب عشان ما تقعش. لونها اتغير تماماً وكأن الدم اتسحب من جسمها كله في ثانية. * "أنت.. أنت بتقول إيه؟ شريف مين وتأمين إيه؟ أنت اكيد اتجننت يا صلاح!" سحبت التليفون، وضغطت على زرار التشغيل وسِبت التسجيل الصوتي المترتب على كارت الميموري يشتغل في نص العيادة.. صوتها هي وصاحبتها طلع واضح زي عين الشمس: *(...لازم صلاح يقعد ثلاث سنين كاملين مقتنع إنه عقيم وما ينفعش يخلف، ولما المودة تخلص والميعاد ييجي، أطلق منه وآخد الملايين وأعيش حياتي!...)* الهدوء ساد الأوضة بعد ما التسجيل خلص.. ندى كانت بتتنفس بصعوبة، ونظرات الرعب في عينيها أخدت مكان الكبرياء والبرود. في اللحظة دي، شاورت بصباعي لورا، الباب الجواني اتفتح، وخرج منه الدكتور ناصر وهو وطاي راسه بالأرض، ومش قادر يحط عينه في عينها. ندى بصت للدكتور، وبعدها بصت لي، وفهمت إن اللعبة انتهت تماماً.. وإن كل الكروت بقت في إيدي. سحبت كرسياً وقعدت عليه بانهيار، ونزلت دموعها.. بس المرة دي ما كانتش دموع التمثل والمسكنة اللي كانت بتعيشني فيها، دي كانت دموع الخوف والفضاحة. * "صلاح.. أرجوك.. افهمني، أنا.." قاطعتها بصوت وطي بس يقطع الزفر: * "أفهم إيه؟ أفهم إنك كنتِ بتشوفيني بموت في اليوم ألف مرة وأنا فاكر نفسي ناقص، وأنتِ بتقعدي جنبي تمثلي الحنية؟ أفهم إنك حرمتيني من العزوة والسند ودمرتِ نفسيتي وجريتيني على دكاترة ومختبرات عشان وثيقة تأمين وشوية فلوس؟ أنتِ بني آدمة إيه؟! أصلك إيه؟!" ندى قربت من المكتب وإيديها بتهتز وهي بتبص للورق: * "أنا غلطت.. عارفة إني غلطت وجريت ورا الشيطان والفلوس.. بس أرجوك يا صلاح، بلاش فضايح، بلاش نتوصل للنيابة والمحاكم.. أرجوك استر عليا، وأنا مستعدة أتنازل لك عن كل حاجة، الدهب، الشقة، وأي حاجة تطلبها!" ضحكت بصوت عالٍ بسخرية وجع: * "دهب؟ وشقة؟ أنتِ فاكرة إن كرامتي وراجلتي والسنين اللي ضاعت من عمري يتوزنوا بفلوس أو شقة؟ أنتِ حطيتِ إيدك في إيد الدكتور ده وزورتوا تقارير طبية، وعشتوني في جحيم.. يعني الجري\مة كاملة الأركان." وقفت من على الكرسي وسحبت الحافظة الجلد، وحطيت فيها أصل التقرير الحكومي والتسجيلات والتليفون القديم، ورتبت الأوراق قدام عينيها. * "المحامي بتاعي واقف دلوقتي تحت المبنى ومعه صورة من الملف ده كله، والنيابة العامة هي اللي هتتكلم بيني وبينكم.. أنتِ والدكتور ناصر." ندى صرخت ووقفت على حيلها مسكت في كم قميصي ودموعها نازلة زي المية: * "صلاح عشان خاطر الأيام اللي كانت بيننا! أبوس إيدك بلاش سجـن! أنا أهلي لو عرفوا هيقتـلوني! بلاش تدمرني!" سحبت إيدي من بين إيديها بقرف، وبصيت في عينها بثبات وقسوة ما شافتهاش مني في حياتها كلها: * "الأيام اللي كانت بيننا أنتِ مسحتيها يوم ما قررتِ تبيعيني ورخيص قوي كمان.. زي ما دخلنا بالمعروف، هنيجي قدام القاضي بالحق يا ندى.. والنهارده بس، صلاح اللي كان مكسور وميت، صحي.. وهياخد حقه من عين أي حد ظلمـه." سبتها واقعة على أرض العيادة بتعيط وبتصرخ، والدكتور ناصر واقف جنبه زي الج\ثة، وخرجت من باب العيادة وقفلته ورايا. طلعت للشارع، والنور كان مالى الدنيا.. حطيت إيدي في جيبي، وتنفسنت نفس عميق جداً لأول مرة من ثلاث سنين.. حسيت إن صخري كان كاتم على صدري واتنزع. بس القصة ما خلصتش عند باب العيادة.. لأن المفاجأة الكبيرة اللي كانت مستنياني في مركز الشرطة وأمام وكيل النيابة، كانت أكبر بكتير من مجرد تقرير مزور وثيقة تأمين! #الكاتب_رومانى_مكرم_ في مكتب وكيل النيابة، كانت الجلسة هادية جداً وبشعة في نفس الوقت. ندى والدكتور ناصر كانوا قاعدين ومغطيين وجوههم من الخزي والعار، بعد ما مواجهة الدلائل التسجيلية والتقارير الطبية الموثقة من مستشفى الحكومة خلت مفيش أي مجال للإنكار. الاعترافات اتسجلت بالكامل، والتهم الموجهة كانت تزوير في أوراق رسمية، والاشتراك في جري\مة نَصب واحتيال، وإلحاق ضرر نفسي وجسدي عمدي. وفي لحظة صدور القَرار، نزل حكم العدالة زي السيف: السجن المشدد للدكتور ناصر مع الشطب النهائي من نقابة الأطباء، والسجن المشدد لـ ندى، مع استرداد كافة الحقوق والمستحقات القانونية والأدبية لصالحي. لما خرجت من باب المحكمة، بصيت للسما وتنفسّت بعمق. حسيت إن الروح ردت فيا من جديد، وإن الكابوس اللي عشته ثلاث سنين اتدمر تماماً. الشقة اللي كانت فاضية وبتدوي بالصدى، أصبحت من تاني بيتي الساكن، بس المرة دي وأنا رافع راسي وعارف إن العيب عمره ما كان فيا، وإن فرج ربنا وأمله قريبين جداً. بعد عدة شهور، ربنا عوضني بالزوجة الصالحة اللي تصون وتراعي ربنا فيا، والبيت اتملى بضحكة طفل صغير نَوّر حياتي.. طفل أثبت للدنيا كلها إن فرج ربنا بييجي في وقته المناسب، وأن الحق ما بيموتش. ### **الحكمة من القصة:** 1. **الابتلاء اختبار وليس نهاية:** ليس كل تأخير في الرزق أو الخِلفة حرمان، بل قد يكون لحكمة لا يعلمها إلا الله، أو كشفاً لخبايا ونفوس من حولك. 2. **الباطل مهما تجمّل سينكشف:** المكر والخدعة قد ينجحان لشهر أو لسنة، ولكن حبل الكذب قصير، وحق المظلوم لا يضيع أبداً طالما هناك ربٌّ عادل. 3. **الصبر والتوكل على الله:** عند الشدائد، لا تفقد الأمل ولا تجعل الشيطان يوسوس لك باليأس؛ فربُّ الخير لا يأتي إلا بالخير، ومن يتوكل على الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب. #الكاتب_رومانى_مكرم_