حكايات زهره الربيع 1

​اللحظة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.. أكتر من الزقة، وأكتر من الإهانة، وأكتر من الفلوس اللي راحت.

​إن ابني الصغير يتأسف إنه كان جعان، وأبوه واقف زي الصنم!

​شيلت زياد ودخلت بيه في الطرقة بتاعة الخدامين والعمال، ورا كراتين الشربات والمفارش. قعدت أطهر ركبته المحروقة من الوقعة، وطلعت فواتير القاعة من شنطتي عشان كنت ناوية أواجه حماتي بالفلوس بعد ما المهزلة دي تخلص.

​زياد بص للورق وقال بصوت واطي:

“ماما.. هو لما الواحد يقول الحقيقة، الكبار بيزعلوا برضه؟”

​جسمي قشعر: “لا يا حبيبي.. عمرك ما تخاف تقول الحقيقة أبداً.”

​بص ناحية القاعة كأنه خايف حد يسمعه وقال:

​”أصل أنا سمعت تيتة وعمتو نورهان بيتكلموا عن الفلوس بتاعتك.. وبيتكلموا عن ظرف أصفر كبييير!”

​وقبل ما ألحق أسأله يعني إيه ظُرف أصفر.. صوت المايك ضرب في القاعة كلها:

​”نرجو من عائلة العريس وعائلة العروسة الصعود للمسرح للتهنئه!”

​زياد مسك إيدي بجمود.

و​بعد 10 دقائق بالضبط.. ابني هيقول كلمة واحدة قدام كل المعازيم، هتخلي فرح نورهان يتقلب، والناس تضرب كف بكف!

 

خرجتُ من الطرقة الضيقة وأنا أحمل زياد على ذراعي. كان قلبه ينبض بسرعة ضد صدري، ويده الصغيرة تلتف حول رقبتي بإنهاك شديد. كان المشهد في القاعة الرئيسية قد وصل إلى ذروته من الصخب والإضاءة الملونة التي تتراقص على الجدران. الأغاني العالية تملأ الأرجاء، والابتسامات المزيفة مرتسمة على وجوه الجميع، في حين كانت عائلة العريس تزف العروسين نحو المسرح.

حماتي “سعاد” كانت تقف في منتصف القاعة كالطاووس، تعدل من وضع شالها الدانتيل، وابتسامتها العريضة تغطي وجهها بالكامل وهي تستقبل تبريكات أصحاب الشركات ورجال الأعمال من أقارب العريس “عمر”. كانت تتحدث بنبرة مرتفعة عمداً ليتسمع الجميع:

* “كل حاجة في الفرح دي من ذوقي وتخطيطي.. بنتي نورهان متتعودش على أقل من كده، والحمد لله إني مقصرتش معاها في جنيه واحد!”

ماجد كان يقف بجوارها، ملامحه مشدودة، وعيناه تتهربان من النظر إليّ كلما وقعت عيناي عليه. كان يبدو كمن يحاول البقاء في المنتصف، يخاف من غضب أمه ولا يملك الشجاعة ليقف بجانب زوجته وابنه.

اقتربتُ بخطوات ثابتة نحو حافة المسرح، أضع زياد على الأرض بجانبي، متمسكة بيده التي كانت تزن تحت قبضة يدي. قال لي بصوت خافت لم يسمعه غيري:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *