حكايات زهره الربيع 1

نورهان انفجرت في الصراخ وهي تمسك بفستانها الفخم وتلتفت لوالد العريس:

* “عمي! دي واحدة حاقدة عايزة تبوظ فرحي! الفلوس دي بابايا الله يرحمه كان سايبها لينا، وسما كدابة!”

لكن “عمر” العريس أمسك بيده يد والده وقال بصوت مسموع:

* “استني يا نورهان.. الكلام لازم يوضح. لو كلامها صح، يبقى إحنا اتخدعنا في كل التفاصيل اللي والدتك كانت بتقولها لنا عن تكاليف الفرح وإحضانكم للمصاريف!”

ماجد وجد نفسه في المأزق الأكبر في حياته. نظرات الحضور كلها مسلطة عليه: زوجته وابنه من جهة، وأمه وأخته وعائلة العريس من جهة أخرى. حاول الحديث ولكن لسانه كان مكبلاً بالتردد والخوف.

خطوتُ خطوة أخير نحو حماتي، وأخذت الميكروفون من يدها بجرأة لم تتوقعها إطلاقاً. التفتُ إلى المعازيم وقلت بكل هدوء وثبات:

* “مساء الخير على الجميع. الفرح جميل، والورد استيراد من الخارج، والبوفيه يتسع لبلد كاملة.. لكن المهرجان ده كله متبني على شقاء طفل عنده خمس سنين، وعلى دم طفل اتزق النهارده واتعور في ركبته عشان كان جعان، وعلى تحويشة شقة كانت المفروض تلمنا من الإهانة اليومية. أنا مش هسكت على حقي ولا حق ابني بعد النهارده.”

ألقيتُ الميكروفون على الطاولة القريبة، مما أحدث صوتاً مدوياً في السماعات جعل الجميع يجفلون. ثم انحنيت، وحملتُ زياد الذي كان ينظر إليّ بعينين تتلألأ فيهما الفخر والراحة، وكأنه وجد البطل الذي كان ينتظره ليحميه.

بدأت سعاد تصرخ بصوت هستيري خلفي:

* “أنتي طالق يا سما! ماجد ارمي عليها اليمين حالا! قدام الناس دي كلها ارمي عليها اليمين!”

ماجد وقف مذهولاً، ينظر إلى أمه المنهارة وإلى أخته التي بدأت تصرخ وتسقط على الكوشة بانهيار عصبي، وإلى عائلة العريس التي بدأت تانسحب للخلف وتتحدث بحدة مع إدارة القاعة.

التفتُ إلى ماجد قبل أن أخطو أول خطوة خارج القاعة وقلت له بصوت حاسم خالي من أي عاطفة:

* “القرار مش قرار أمك يا ماجد.. القرار كان قراري أنا من اللحظة اللي شفت فيها ابني بيتأسف إنه كان جعان. الـ 200 ألف جنيه هترجع بالقانون، أو بالفضائح التي تخاف منها.. والقاعة دي كانت آخر مكان هتشوفني فيه.”

سرتُ بزياد وسط صفوف المعازيم الذين فتحوا لي طريقاً في المنتصف، ونظرات الذهول والشفقة والاحترام تلاحقني. خرجتُ من أبواب الفندق الضخمة إلى الهواء النقي على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، ليلياً بارداً ولكنه كان ينعش صدري لأول مرة منذ خمس سنوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *