حكايات اسما السيد 2

في صباح اليوم التالي، استيقظ العالم الافتراضي على قنبلة موقوتة فجّرتها حسابات وهمية مدفوعة الأجر. انتشرت التسريبات الصوتية والمحادثات المفبركة كالنار في الهشيم، واعتلت المجلات والمواقع الإخبارية عناوين صارخة تتساءل عن “الحقيقة المظلمة لعروس الباروكه”. تحولت صفحات الدعم التي كانت تطوّق سجى بعبارات الثناء إلى ساحات للتشكيك والهجوم، ووجد المعجبون بقصتها أنفسهم في صدمة أمام دقة التسجيلات التي نسبتها إليها الحسابات المجهولة.
في منزل العروسين، كان الصمت يلف الأرجاء ككفن ثقيل. لم تنم سجى ليلة أمس؛ كانت تطالع الشاشة بعينين غائرتين، تتابع تهاوي الصورة التي بنتها بشرف وصبر، لكنها في وسط ذلك الحطام، قررت ألا تستسلم للبكاء. أدركت أن الدموع لن تصنع حقيقتها، وأن المواجهة هي السبيل الوحيد لاستعادة كرامتها.
أما مالك، فقد استعاد رشده تمامًا بعد أن قرأ الرسالة التهديدية في الليلة الماضية، وتبدد الشك المفاجئ الذي يعتريه؛ إذ علم أن رجولته وحبه لسجى يخضعان لاختبار أشد قسوة من ليلة الزفاف. جلس بجوارها، وأمسك بيدها الباردة وقال بصلابة:
“أنا آسف لأنني سمحت للشك أن يلمس قلبي لفرضة واحدة.. ربى أردت أن تطعننا في نقطة قوتنا، وهي ثقتنا ببعضنا، لكنها ستدفع ثمن هذا الخبث غاليًا جداً.”
لم يضيع مالك وقته في التصريحات أو الدفاع العاطفي على مواقع التواصل، بل أخذ خطوة حاسمة وفعالة. اتصل بصديق عمره “زياد”، وهو ضابط برتبة مقدم في مباحث الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات. خلال ساعات قليلة، كان مالك وسجى يجلسان في مكتب زياد، يحملان الهاتف والتسجيلات والرسائل التهديدية.
استمع زياد إلى التسجيلات، وابتسم بتهكم مهني وهو يفحص المقطع عبر أجهزة تحليل الصوت المتقدمة بالمركز:
“هذا العمل منفّذ بتقنية (Deepfake) الصوتي الحديثة، وهي تعتمد على تجميع مقاطع فيديو ونصوص صوتية سابقة لسجى -والتي كانت متوفرة بكثرة على صفحتها وفي الفيديوهات المسربة من الفرح- وإعادة تركيبها عبر خوارزميات ذكية لتنطق بالكلمات المطلوبة. أسلوب رخيص، لكنه يترك بصمات رقمية لا يمكن محوها.”
بدأ الفريق التقني في الشرطة تتبع مصدر الرسالة النصية، والبث الأول للحسابات الوهمية. ولأن ربى ومازن لم يتوقعا السرعة والاحترافية التي تحرك بها مالك عبر الجهات الرسمية، فقد ارتكبا خطأً فادحًا؛ إذ استخدم مازن خادماً افتراضياً (IP) تم ربطه ببطاقة تحويل مالي أُرسلت من حساب ربى البنكي الشخصي قبل أيام.